اربع سنين حصري لصفحة روايات رولا
”يوم اللقاء الكبير.. الأحد 12 أكتوبر.. دار المناسبات بمسجد النور.. الأبواب مفتوحة للجميع لعودة الغائبين.”
تصلح كل حاجة؟ فضلت بصة لكلمة “عودة الغائبين”، وعرفت وقتها إن أمي مش بتمسح جوخ ولا بتقدم غصن زيتون.. دي كانت بتبني مسرح، وكانت محتاجة المجسم والديكور بتاعه.أنا عارفة كويس أوي الألعاب دي.. أمي مش بس كانت بتدور على فرصة تغسل بيها وشها قدام الناس، دي كانت محتاجة “عرض مسرحي” بطلته أنا، عشان قدام كل قرايبنا وناس المنطقة في مسجد النور، تطلع هي الأم القديسة الصبورة اللي سامحت بنتها العاقة اللي هربت ورجعت لدموعها وأحضانها!
طول الأسبوع ده، كان العقل بياخدني ويجيبني. أروح وأواجه الكل وأكشف المستور؟ ولا أطنش وأكمل حياتي الهادية اللي بنيتها بدمي وعرقي بعيد عن قرفهم؟
بس لما بصيت لـ “فريدة” وهي بتلعب بالعروسة بتاعتها، وفتحت المطبخ ولقيت صور “أحمد” اللي مالحقش يفرح بيها، لقيت نار جوايا بتولع. فريدة ملهاش أي ذنب تتربى في وشم الكذب ده، وأحمد حقه وحق حسرته لازم يرجع. أمي افتكرت إنها أذكى واحدة في الدنيا، وافتكرت إني لسه “هبة” الضعيفة اللي كانت بتسلمها مرتبها وهي ساكتة وبترعش.
جيه يوم الأحد 12 أكتوبر.
لبست طقم أسود شيك، ولبست فريدة أحسن فستان عندها، وأخدت شنطة إيدي الصغيرة وحطيت جوة الشنطة دي “الفلاشة” وورق السونار وشهادة وفاة أحمد وتقارير الحادثة.. وكل المبالغ اللي حولتهالهم على البنك طول السنين اللي فاتت قبل ما أحمد يموت.
وصلت مسجد النور والمناسبة كانت شغال على آخرها. دار المناسبات كانت مليانة على أخرها بقرايبنا وأصحابهم والناس الكبار في المنطقة. الصوت كان عالي والناس بتتكلم، وأمي كانت واقفة في النص، لابسة العباية الكحلي الفخمة اللي أنا كنت شرياهالها من أول قبض ليا، وبتمسح دموعها بمنديل حرير وهي بتشكي لمرات عمي: “الله يسامحها.. قلبي أبيض وهسامحها لو رجعت.. الأم مالهاش غير ولا دها…”
في اللحظة دي.. دخلت.
الصوت سكت فجأة في القاعة كلها. العيون كلها اتسمرت عليا، وبعدها نزل البص لـ فريدة اللي ماسكة في إيدي.
وش أمي اتخشب. عينيها وسعت من الصدمة لما شافتني واقفة بكوني وكياني، مش البنت المكسورة اللي كانت متوقعة تشحت منها العطف.
قربت بخطوات ثابتة لحد ما بقيت قدام الترابيزة الرئيسية. الميكروفون كان محطوط على الترابيزة عشان الكلمة اللي كانوا مجهزينها.
أمي حاولت تتدارك الموقف بسرعة، فتحت دراعاتها وعيونها بتلمع بدموع ممثلة قديرة، وجت تجري عليا وهي بتصرخ بصوت عالي عشان الكل يسمع: “هبة! يا حبيبتي! قلبي كان حاسس إنك راجعة لأمك!”
مديت إيدي ووقفتها في مكانها قبل ما تقرب مني بـ خطوة.
”استني عندك يا أمي.. ما تمثليش.”