مدامتك
كنت جثة هامدة مش قادرة أتحرك. قربت مني ولزقت شفايفها في ودني: “خطوط الائتمان بتاعة مجموعة السيوفي متقفلتش لوحدها.. إحنا اللي طيرناها.”
نفسي اتقطع: “مين ‘إحنا’؟”
ابتسامتها وسعت: “والطيارة مالمستش الأرض بالصدفة.. أهلك ماتوا عشان كانوا واقفين في السكة، وأخوكي كان المفروض يموت معاهم.. دي كانت أنضف طريقة ننهي بيها عيلة السيوفي نهائياً.” وقفت ونفضت البالطو ببرود: “الحاجة الوحيدة اللي مش فاهماها.. إنتي لسة عايشة وبترسمي نفس ليه لحد دلوقتي؟”
باب الحديد اتطربق وراها. قفلت على أسناني واتحملت الوجع المرعب اللي في صدري، وقعدت أكرر جملة واحدة في سري: “وفاء لسة عايشة.. والوقت جه.”
عشان ليلى كانت لسة عاملة أغبى غلطة في حياتها.. ومكانتش فاهمة مين اللي على وشك يدخل من الباب ده.
الجزء الثاني
حسام رجع قبل الفجر: “أنا سلمت الميدالية.. عم جلال سألني سؤال واحد بس: ‘الآنسة في وعيها؟’ قولتله أيوة. قاللي: ‘قولها تستنى’.”
بعد يومين، سامح وافق يخرجني من البدروم.. مش رحمة منه، لكن عشان خاف الشغالات والموظفين يلاحظوا اختفائي المفاجئ. سحب مني كل الفيزا كاردز، ونقلني لأوضة ضيوف صغيرة ومحذوفة في أخر الفيلا، وأعلن إن ليلى هي اللي هتمسك مصاريف البيت والموظفين من هنا وجاي.
وقال ببرود: “ليكي ألفين جنيه في الشهر مصاريف شخصية.. واحمدي ربنا إني مرميتكيش في الشارع.”
وطيت رأسي وماسكتش.. وسكوتي ده طمنه، وده بالضبط اللي كنت عايزاه.
في أوضتي، طلعت تليفون صغير “خط بدون اسم” كنت مأمنة نفسي بيه ومخبياه جوة كتاب مفرغ. مكانش عليه غير رقم واحد بس.. اتصلت.
”عم جلال…”
سكون تام على الخط.. وبعدها صوت جهوري: “وفاء.. عدى ثلاث سنين.”
سألته السؤال الوحيد اللي كان يهرس قلبي: “آسر مات؟”
الرد طير العقل: “أخوكي مطلعش الطيارة أصلاً.”
آسر جاله تحذير من مجهول قبل الإقلاع بساعتين، نزل من الطيارة ومعاه أوراق ومستندات مالية، واختفى تحت الأرض بعد ما فهم إن في حد بيحاول يمسح العيلة من الوجود.
وعلى مدار 3 سنين، كان شغال في الخفاء والضل.. وكان زرع عملاء وجواسيس جوة مجموعة سامح.. وحسام رئيس الحراسة كان واحد منهم!
بعد 3 أيام، وصلتني معلومة ثانية من مارينا، صاحبتي من أيام الجامعة وشغالة محللة مالية كبيرة: “ليلى” دي ملهاش أي وجود ولا تاريخ قبل ما تظهر في القاهرة من كام سنة! اسمها الحقيقي داليا المرشدي، وكانت شغالة في شركة أمن واستخبارات خاصة تابعة لرأفت إبراهيم.. ورأفت ده هو عم سامح! الراجل المفترس اللي بقاله عشر سنين بيحارب سامح عشان يقلبه في الشركة وياخد منه كل حاجة.
كل المكعبات ركبت فوق بعضها. داليا اتزرعت جنب سامح، وعملت تمثيلية الحادثة عشان تنقذه وتكسب ثقته، ولما دخلت جوة دائرته المقربة، بدأت تلعب في الحسابات وخطوط الائتمان وحركة الأموال.
بس داليا مكانتش تعرف سر واحد عني.. من 5 سنين، أنا بدأت أستثمر ورثي الخاص تحت اسم شركة وهمية محدش يعرفها اسمها “لونا نورث كابيتال”. وفي الوقت اللي سامح كان فاكر إنه بيزلني بألفين جنيه في الشهر، الشركة دي كانت بتملك مئات الملايين، وبقالها شهور بتشتري أسهم بحق التصويت جوة مجموعة سامح!
لما قابلت أخويا آسر أخيراً في مطعم محندق ومستخبي في أطراف الجيزة، مكانتش قادرة أصدق عينيا.. كان خاسس ووشه باين عليه التعب والهم. حضنني بالراحة عشان ضلوعي المكسورة، وحط “فلاشة” مشفرة على الترابيزة: “كل حاجة هنا يا وفاء.”
داليا ورأفت دفعوا رشوة لمهندسين الصيانة عشان يعطلوا نظام الطيارة بتاعة أهلنا، وهربوا الفلوس لشركات أوفشور. بس آسر قاللي حقيقة تانية وجعتني أكتر: “سامح مكانش يعرف إنهم هيقتلوا أبونا وأمنا.. كان فاكرها مجرد صفقة للاستحواذ المالي.”
ارتاحت ثانيتين، قبل ما يكمل: “بس سامح هو اللي اتفق مع معارفه في البنوك عشان يقفلوا خطوط الائتمان على أبونا، ودمر أبونا مالياً بإيده عشان يأخد أراضي المجمعات الصناعية.”
بصيت لأخويا ومش قادرة أتكلم.
آسر قال بمرارة: “سامح ما أمرش بالحادثة.. بس هو اللي فتح الباب للقتل.”
الراجل اللي نمت جنبه 6 سنين مكانش مجرد متفرج.. ده كان شريك في الجريمة.
آسر حط قدامي ورقة ثانية.. عقد دين سري. داليا لبست شركة سامح في ديون بأكثر من 100 مليون دولار لقروض بفوائد عالية تابعة لشركات عمّه رأفت. وميعاد السداد فاضل عليه أسابيع، ولو سامح مادفعش، هيخسر الشركة كلها لصالح عمّه.