عيد ميلاد مرات ابني حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
في عيد الميلاد، مرات ابني قالت على عيلتي إننا “غلازمة وغيارة” وما بنسواش، وابني ما فتحش بؤه ولا دافع عني.. بس بعدها بـ58 دقيقة بالظبط، وأول ما شافت الفلوس، لقيتهم هما الاثنين واقفين على باب بيتي.
​لما سمعت مرات ابني بتقول في التليفون: “مين ده اللي يقضي اليوم مع ناس غلابة وما حيلتهمش اللقمة؟”، حسيت بوجع في قلبي أكتر بكثير من اليوم اللي الدكتور قال لي فيه: “عندك الكانسر”.
​الجملة خرجت من السبيكر بتاع تليفون ابني، وفي قلب يوم عيد الميلاد. أنا من الساعة 5 الصبح واقفة في المطبخ بطبخ البط وشوربة الكوارع والمحشي في بيتي في شبرا. بنتي “ماريا” كانت جاية من بدري هي وجوزها “جرجس” عشان يساعدوني. المكان الوحيد الفاضي على السفره كان مكان ابني الكبير “كيرلس” ومبتيته “سارة”.
​عمري ما عشت حياة سهلة. عرفت جوزي “مجدي” وأنا عندي 24 سنة. كان شغال في تصليح الجزم في نصبة صغيرة جنب سوق روض الفرج، وأنا كنت شغالة في أتيليه خياطة. ما كانش حيلتنا أي حاجة، بس كان دايماً يقول لي إننا أغنى ناس في الدنيا عشان بنتعشى سوا.
​لما كيرلس كان عنده 6 سنين وماريا 4 سنين، مجدي جاله شغل في موقع مقاولات في العاشر من رمضان. كانوا بيدفعوا أحسن بكتير، وقال لي: “3 سنين شقى ونهد حيلنا، ونشتري شقة تمليك ونرتاح”.
​ما لحقش.. الموضوع كله ما كملش سنة.
​حادثة في الموقع رجعتهولي جوه نعش.
​في العزا، حماتي مسكتني من شعري وقعدت تصرخ وتقول إني أنا اللي بعت ابنها يموت. بعد كام يوم جازت واعتذرت لي، وبعدت خالص لأن رؤية العيال كانت بتفكرها بمجدي وبتوجع قلبها.
​لقيت نفسي لوحدي مع عيلين وكتة قرشين صغار بتوع التعويض.
​بالفلوس دي فتحت مطعم فول وطعمية صغير. في الأول كنت بنام 4 ساعات بس، وأجهز الأكل من قبل الفجر وأنا بربي العيال لوحدي.
​كيرلس كان طول عمره العيل الهادي، بيجيب درجات عالية ويقف معايا يقفل المحل. ماريا كانت العكس تماماً. وهي عندها 16 سنة كانت بتزوغ من المدرسة، ومرة اختفت 8 أيام وخدت فلوس من الدولاب. لما رجعت، خاسة ومرعوبة، حطيت قدامها طبق شوربة سخن.
​— كلي الأول، وبكرة نتكلم.
​بعدها بشهور غمي عليا في المطبخ من كثر التعب والضغط. ماريا هي اللي لقتني. الليلة دي وهي قاعدة جنب سريري في القصر العيني، فضلت تعيط لما صوتها اتقطع:
— كنت فاكرة إني ما أفرقش معاكي يا ماما.. طول الوقت شغالة.
— كنت بشتغل عشان أنتم أهم حاجة عندي في الدنيا.
​من اليوم ده والبنت اتغيرت 180 درجة.
​كملت ثانوي، واشتغلت، وبعد سنين اتجوزت جرجس، ميكانيكي على باب الله وغلبان، بس أول ما يدخل البيت يقول لي: “أنا تحت أمرك يا أمي، إيه اللي بايظ في البيت أصلحه؟”.
​كيرلس درس تجارة وإدارة أعمال في جامعة نظيفة. أنا بعت حتة أرض صغيرة كنت شرياها أنا ومجدي زمان عشان أصرف على مصاريف كليته. لما اتعين في شركة كبيرة في التجمع الخامس، بكيت من الفرحة والفخر.
​وهو عنده 35 سنة اتجوز “سارة”.
​عيلة سارة عندهم مصنع نسيج كبير، عربيات أحدث موديل، وفيلا في مارينا. من أول عزومة عيلة فهمت إننا من عالمين مختلفين تماماً.
​بعد الجواز، كيرلس بدأ يتغير.
​الأول بطل يجي في ذكرى وفاة أبوه.
بعدين بقى يقضي كل الأعياد والمناسبات مع حماه وحماته.
​لما كملت 70 سنة، ماريا طبخت لي وجرجس جاب لي ورد. كيرلس جه متأخر ساعتين هو وسارة وجايبين علبة تورته صغيرة.
​— هو ده بس؟ — ماريا سألته — ده انت جايب لحماتك سلسلة دهب بتقطم الرقبة!
​سارة ابتسمت بصفار كأنها بتشرح لعيلة صغيرة:
— مامي محتاجة تطقم عشان الشغل والبيزنس.. إنما طنط ما بتخرجش من البيت، هتلبس مجوهرات تعمل بيها إيه؟
​الكلام وجعني أكتر من العلبة الرخيصة.
​بس سكت.
​بعدها بشهور جالي سرطان الثدي في مرحلة مبكرة. الدكاترة قالوا إن شاء الله خير، بس كلمة “كانسر” رجعتني تاني لنفس الست الأرملة الصغيرة اللي مش عارفة بكرة شايلها إيه.
​ماريا وجرجس ما سبونيش لحظة، في التحاليل والمستشفيات والكيماوي.
​كيرلس اتصل مرة واحدة بس:
— بس الموضوع في الأول صح يا أمي؟
— أيوه يا ابني.
— الحمد لله.. أنا بس مضغوط جداً في الشغل، أول ما تخفي هنيجي نزورك.
​لا هو ولا سارة حطوا رجلهم في المستشفى.
​ودلوقتي، في عيد الميلاد، وأنا لسه بتعافى، برضه ما جوش عشان مسافرين السخنة مع عيلة سارة.
​— يا أمي هنعدي عليكِ بعدين — كيرلس قالها في التليفون — حمايا مرتب السفرية دي من شهور.
​وفجأة سمعت صوت سارة في الخلفية:
— مين ده اللي يقضي اليوم مع ناس غلابة وما حيلتهمش اللقمة؟ يلا بينا بقى هنتأخر!
​كيرلس قفل السكة.
​ماريا قامت واقفة ومولعة نار:
— أنا هتصل بيها أهزأها دلوقتي!
— لا — قلت لها.
— يا ماما دي بتقول عليكِ غلبانة وكأنك ولا حاجة!
​بصيت على السفره اللي جهزتها لـ 6 أفراد، وبعدين بصيت لتليفوني.
— سبيها.. أنا عايزة أتأكد من حاجة واحدة بس.
​في الليلة دي، فتحت كشف حساب التأمين الطبي اللي كنت عاملاه من سنين. بسبب المرض كنت استلمت مبلغ مليون و200 ألف جنيه. وفتحت كمان أبلكيشن البنك على حساب التوفير بتاعي.
​خدت لقطة شاشة واحدة (سكرين شوت) باين فيها الرقمين.
​وبعتها لسارة من غير ما أكتب ولا كلمة واحدة.
​58 دقيقة بالظبط.. وجرس بيتي رن.
​الجزء الثاني
​ماريا بصت في الساعة وبعدين بصت للباب.
— مش معقولة!
​جرجس فتح الباب. كيرلس وسارة كانوا واقفين برة، والشنط لسه جوه عربيتهم الكبيرة.
— أمي! — كيرلس قالها بصوت دافي — فضلنا نفكر فيكِ وطول الطريق وقلنا نرجع.
​سارة دخلت وشايلة شنطة من محل ماركة غالي، ومن مسكتها ليها يبان إنها مشترياها وهي في الطريق.
— يا طنط! عاملة إيه دلوقتي؟ أنا كنت قلقانة عليكِ أوي!
​نفس الست اللي من ساعة واحدة بس ما كانتش طايقة تقضي العيد مع “ناس غلابة”، نازلة فيا حضن وبوس!
— والسفرية بتاعتكم؟
— تتحرق السفرية! — سارة ردت بابتسامة — العيلة أهم حاجة طبعاً.
​ماريا ضحكت بتهكم وضحكتها ملت المكان:
— يا محاسن الصدف! معجزة غالية أوي دي.
​كيرلس بص لها بضيق:
— بلاش تبدأي يا ماريا.
​قلت لهم يقعدوا. ما جبتش سيرة الصورة خالص، كنت عايزة أشوف هيوصلوا لإيه.
​وما أخدوش وقت.
— أمي، أنا شفت بالصدفة الصورة اللي بعتيها لسارة — كيرلس بدأ الكلام — هو التأمين نزل لك الفلوس كلها خلاص؟
— أيوه.
— بس ده مبلغ كبير أوي إنه يفضل مركون كدة في البنك من غير تشغيل!
​سارة مسكت إيدي بنعومة:
— كيرلس بيفهم في المالياد والبيزنس كويس جداً، ممكن يساعدك يستثمرهم. ده غير إن باباي بيعيد هيكلة جزء من المصنع بتاعه وفيه فرص استثمار ممتازة جداً.
​وهنا ظهرت الحقيقة.. الشركة بتاعة حماه، الشركة اللي سنين طويلة كانت مدية ابني إحساس إنه أحسن مننا، طلعت في أزمة ومحتاجة سيولة.
​— أنتم محتاجين فلوسي؟
— ما تقوليهاش كدة يا أمي — كيرلس رد بسرعة — دي استثمارات عائلية.
— عيلية؟ عيلة مين بالظبط؟
​الجو اتقلب. سارة شالت الابتسامة المزيفة من وشها:
— ما هي عيلتنا كلنا! وبعدين ما الفلوس دي في الآخر كدة كدة هتبقى من حق اللي هيورث!
​ماريا خبطت على الترابيزة بغضب:
— أمي لسه عايشة وبصحتها!
— أنا ما قلتش إنها هتـ.ـموت! — سارة ردت بنرفزة — بس كيرلس هو الابن الكبير، وطبيعي هو اللي يدير الأمور دي!
​بصيت لها بثبات:
— لما كنت في المستشفى بالكيماوي، هو كان الابن الكبير برضه؟
​كيرلس نزل عينه في الأرض:
— يا أمي ما تخلطيش الأمور.
— ولما مراتك قالت من ساعة إن ما حدش عايز يقعد مع ناس غلابة وما حيلتهمش اللقمة، كنا وقتها عيلتك برضه؟
​سارة وشها أصفر:
— أنا ما قلتش كدة أبداً!
​جرجس طع يرفع تليفونه:
— الكلام كان مسموع بالظبط لأن كيرلس كان فاتح السبيكر!
​دي كانت أول صدمة مش عاملين حسابها: مش أنا بس اللي سمعت الشتيمة.. ماريا وجرجس كمان سمعوا.
​كيرلس حاول يقوم وهو متوتر:
— خلاص، الموضوع خرج عن السيطرة.
— اقعد يا كيرلس — قلت له بصوت هادي — لسه فاضل حاجة.
​طلعت ملف من درج الترابيزة. وأنا بتعالج كنت حددت مين المستفيدين من حاجتي بعد عمر طويل. مش عشان كرهت كيرلس، بس عشان عرفت مين اللي شالني ومسك إيدي لما ما كنتش قادرة أقف على رجلي.
​— فلوس التأمين دي مش ورث.. دي فلوس علاجي ومعيشتي.
— أكيد يا أمي، محدش قال غير كدة — كيرلس رد بسرعة.
— وفلوس المعاش والتوفير مش بتاعتك.
​سارة ربعت إيدها وقالت بحدة:
— أمّال بعتي الصورة ليه من الأول؟
— عشان أشوف هتاخدوا وقت قد إيه عشان تفتكروا عنوان بيتي.
​المكان ساد فيه سكوت تام.
— 58 دقيقة — كملت كلامي — لما قلت لكم عندي كانسر، قعدتم 23 يوم عشان تتصلوا بيا تاني مرة. ولما شفتوا الفلوس، ما كملتوش ساعة عشان تلفوا بالعربية وترجعوا من طريق السخنة.
​كيرلس وشه أحمر جداً:
— دي تمثيلية وفخ!
— أيوه.. وأنت وقعت فيه.
​ماريا بصت لي بذهول، ما كانتش تعرف إن الصورة كانت فخ مقصود.
​سارة شالت القناع خالص وقالت بقرف:
— خلاص، لو ناواية تدي كل حاجة لبنتك قوليها بصراحة وخلصينا!
— ما تقلقيش.. أنا حسمت أمري خلاص.
​كيرلس قام وقف وهو منفعل:
— أنا ابنك!
— وهي بنتي.
— بس أنا الكبير!
— الكبر ده إداك سنتين زيادة في أعياد ميلادك، ما إداكش حق في فلوسي وشقايا!
​جرجس حاول يهدي الجو، بس سارة طلعت كل الغل اللي جواها من سنين:
— مع احترامي يعني، إحنا مصاريفنا ووضعنا الاجتماعي مختلف خالص. ماريا وجوزها عايشين على قد حالهم وبسطاء، وميعرفوش اصلاً يتصرفوا في مبلغ زي ده!
​جرجس سكت ومصدم. وأنا كمان.. وهنا جت الصدمة التانية.
​— كويس إنك قلتي كدة — رديت عليها — لأن الفلوس مش أهم حاجة هسيبها.
​طلعت ورقة تانية من الملف.
— مطعم الفول والطعمية والمحل التمليك بتاعه مش هيروحوا لكيرلس.
​كيرلس قطع النفس لثانية:
— إيه؟!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *