عيد ميلاد مرات ابني حصري لصفحة روايات رولا
— المحل اللي صرف على كليتك، وجوازتك، وشقتك الأولى.. هيروح لماريا.
سارة وقفت ومذهولة:
— ده يسوى أكتر من فلوس التأمين بكثير!
— عارفة.
— أنتِ ما تقديش تعملي كدة!
بصيت في عينها مباشرة:
— أدينا اكتشفنا حاجة جديدة.. إني أقدر، ونص كمان.
الجزء الأخير
كيرلس بقى رايح جاي في الصالة زي المجنون:
— يا أمي أنتِ بتاخدي قرار بقلبك وبمشاعرك!
— لا.. قرار المشاعر كان لما بعت أرض أبوه عشان تدرس في الجامعة. إنما القرار ده أنا مأخذاه بعد تفكير شهور.
— أنا كمان ساعدتك كتير!
— قول لي امتى؟
فتح بؤه وما طلعتش منه كلمة. ماريا بدأت تعيط:
— يا ماما، أنا مش عوزاكي تعملي كدة وأنتِ زعلانة.
— مش زعلانة يا ماريا.. أنا بعمل كدة رد للجميل.
مسكت إيد جرجس:
— الراجل ده لما كنت في الكيماوي، كان بياخد أجازات من غير مرتب عشان يوديني الجلسات. كسر حيطة الحمام وعمل لي مساند عشان ما اقعش. حفظ مواعيد دواي بالدقيقة.. وعمره ما سألني حيلتي كام.
جرجس هز رأسه:
— يا أمي ده واجبي، مش محتاجة تديني حاجة.
— عشان كدة بالذات لازم أعمل كدة.
كيرلس بص لي بغل:
— يعني هي كسبت عشان جائت المستشفى أكتر؟
— دي مش مسابقة يا كيرلس.
— لا مسابقة! من وإحنا صغيرين وأنتِ بتطبطبي عليها وتعدي لها!
الكلام ده وجعني لأنه افتراء. ماريا لما تغربت زمان نزلت دورت عليها في الشوارع والأقسام، وبكيت عليها دم. كيرلس عارف كدة كويس.
— اختك لما غلطت، رجعت واعتذرت واتغيرت 180 درجة. أنت كنت الابن اللي عمري ما شلت همه.. ولما ربنا فتحها عليك وعرفت القرش، بدأت تتكسف من أصلك ومن المكان اللي جيت منه.
— ده مش حقيقي!
— مش حقيقي؟ نسيت ذكرى وفاة أبوك، بطلت تقعد على السفره دي، وسبت مرتك تعاملني كأني مالياش قيمة عشان معيش عربية موديل السنة!
سارة مسكت شنطتها بغضب:
— يلا يا كيرلس، إحنا مش هنقعد نتهان هنا أكتر من كدة!
— استني بس — كيرلس قالها.
فهمت إنه مش عايز يمشي.. كان فاضل عنده أمل يقنعني.
— يا أمي ممكن نصلح كل حاجة.. أنا هجي معاكي كل الجلسات والاستشارات من هنا وجاي.
— أنا خلصت الصعب خلاص.
— أقدر أساعدك في إدارة المطعم.
— أنت عمرك ما سألت المطعم ده شغال إزاي ولا بيدخل إيه.
— أقدر أتعلم!
— طب لو التأمين بتاعي كان طلع 0 جنيه.. كنت هتقول نفس الكلام؟
سكت تماماً.. والسكوت ده كان هو الإجابة.
قلت لهم يتفضلوا يمشوا. سارة خرجت وهي بتبرطم وشرار بيطلع من عينها. كيرلس وقف عند الباب:
— هتندمي إنك فرقتي العيلة بسبب الفلوس.
حسيت براحة وهدوء غريب جوة قلبي:
— أنا ما فرقتش العيلة بسبب الفلوس يا ابني.. أنت اللي بدأت تفرقها يوم ما قررت إن العيلة اللي معاها فلوس أكتر تستاهل وقتك وأحترامك أكتر.
وقفلت الباب.
الشهور اللي بعد كدة كانت غريبة. كيرلس اتصل كتير.. في الأول كان بيتحايل، بعدين بقى يزعق ويعاتب، وفي الآخر بطل يتصل لما تأكد إني مش هغير رأيي.
في نفس الوقت، شركة حماه نسيجها اتهز أكتر، اضطروا يبيعوا حاجات كتير ويقفلوا فرع. ما شمتش فيهم، بس ده أكد لي حاجة: البرج العالي اللي ابني بنى عليه غروره ما كانش ملكه من الأول.
في يوم أحد، جه لوحده. من غير سارة. لأول مرة من سنين يجي من غير عربية جديدة، ومن غير ما يتكلم عن مطاعم وسفريات وبيزنس.
— يا أمي، أنا مش جاي عشان فلوس.
فتحت له ودخلته:
— يبقوا نقدر نتكلم.
حكى لي إن جوازه بيمر بمشاكل كبيرة، سارة ببتهمه إنه ضيع الفلوس، وحماه خلاص ما بقاش يقدر يساعده زي الأول.
— كنت فاكر إن العيشة دي هي الأمان — اعترف لي — كان يعجبني إحساس إني أكون طلعت من الفقر.
— الخروج من الفقر مش معناه إنك تفتري وتتكسف من الناس اللي طلّعوك منه.
عيط.. وكانت دي أول آسف أحس إنها طالعة من قلبه بجد. بس الأسف ما بتمحيش السنين.
— أنا مسامحاك لأنك ابني — قلت له — بس مسامحتي ليك مش معناها إني أرجع لك اللي كنت فاكر إنه حقك بالوراثة.
— مش هتغيري الوصية؟
— لا.
نزل رأسه:
— فاهم.
مشي اليوم ده من غير ما يطلب حاجة.. وكانت دي أول إشارة إن يمكن لسه فاضل حتة من الولد الصغير اللي كان بيقفل معايا المحل زمان.
أنا برضه ما غيرتش رأيي. ماريا بقت هي المسؤولة عن المحل والمطعم لما أنا أقرر أريح. وجرجس ما وافقش غير لما فهمته إن ده مش مكافأة له ضد كيرلس، ده حماية للشقاء اللي بنيناه.
اشتريت عربية نقل صغيرة لجرجس عشان عربيتها القديمة كانت كل يوم بتعطل به. لما كيرلس عرف، اتضايق تاني:
— أنتِ عمرك ما اشتريتي لي عربية!
— أنت علمتك في كليتك، وساعدتك في جوازك وشقتك، وإديتك فرص غيره. أنا مش ماسكة دفتر عشان أوزع بالمسطرة، أنا بفتكر اللي شالني لما احتجت.
سكت وما فتحش الموضوع تاني.
النهاردة أنا لسه بمشي على المتابعات الدورية، والحمد لله الدكاترة بيقولوا إني كويسة جداً. المطعم ما بقاش يفتح كل يوم لأن عايزة ألحق أعيش شوية من الحياة اللي قضيتها كلها شقى.
مرة كل شهر، جرجس وماريا بياخدوني في العربية ونروح نتفسح في بلد قريبة.. رحنا الفيوم، وراس البر، والعين السخنة. جرجس دايماً يدور على كافيه حلو على المية ويقول لي: “يا أمي أنتِ لسه عندك صور كتير لازم تتصوريها”.
قريب، وأنا قاعدة ببتفرج على البحر، ماريا سألتني:
— أنتِ مبسوطة يا ماما؟
فتكرت مجدي.. ولقمة العيش الحاف.. والساعات اللي قضيتها قدام القلاية.. والبنت اللي افتكرت إنها ضاعت ورجعت لي.. والابن المثالي اللي تاه شوية لما زغللت عينه الفلوس.
— أيوه يا بنتي — قلت لها — بس قعدت سنين طويلة عشان أفهم ليه.
— ليه؟
— لأن الفلوس تقدر تشتري شقة، ودوا، وطبق أكل.. بس عمرها ما تقدر تجبر حد يقعد جنبك ويمسك إيدك وأنت خايف.
جرجس مسك إيدي بنشاط. أنا ما اعرفش إيه اللي يحصل مع كيرلس، أتمنى في يوم يرجع بجد.. مش عشان ورث ولا تأمين، بس عشان يفتكر هو مين وبن مين.
بابي مش مقفول في وش ابني.. بس اللي مقفول للمدى البعيد هو فلوسي لأي حد يخلط بين المحبة والقرش.