لو كلتي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
حبسني في البلكونة تلات أيام من غير نقطة مية ولا لقمة بدخلها جوفي. لما طلعت، جسمي كان بيموت من الجفاف وشراييني بتصرخ. مدّيت إيدي بضعف على حتة كيكة كانت مرمية على الترابيزة عشان بس أسنّد طولي، بس هو بكل قسوة هجم عليا، خلع الكيكة من إيدي ورمى بيها في الزبالة قدامي. وبصلي بقرَف وقال: “أنا أطلقك ولا إنك تحطي لسانك على حتة منها!”
​الموقف ده حصل في شقتنا اللي في مصر الجديدة، وتاني يوم على طول جمع صحابه كلهم في الصالة عشان يكسرني. جاب ورق الاتفاق ورماه قدامهم. من غير ما أتردد لحظة ولا أطلب منه مليم واحد، مسكت القلم ومضيت على كل حاجة بدم بارد، والذهول كان باين في عينين صحابه اللي ماكنوش فاهمين السكوت ده معناه إيه.
​أول ما خرجت من الشقة، مشيت بخطوات ثابتة لحد مكتب الأستاذ حسام المحامي بتاعي في الدقي. قعدت قصاده وحطيت على مكتبه الفلاشة اللي كنت شايلاها وبحافظ عليها بقالي سبع سنين. الفلاشة دي كان عليها تسجيلات وصور كفيلة تقلب الترابيزة وتغير مين المظلوم ومين الجاني الحقيقي قدام الدنيا كلها.
—لو أكلتي حتة الكيكة دي، وربنا لأطلقك النهارده.
​أنا افتكرت أدهم بيكلمني بتهريج.
​أصلها مش منطقية يعني، بقالي تلات أيام مدوقتش اللقمة.
​تلات أيام كاملين.
​اتنين وسبعين ساعة محبوسة في بلكونة شقتنا في التجمع الخامس، بنفس الفوطة البمبي اللي كنت لافاها عليا بعد ما استحميت.
​كل ده بدأ بـ “هزار” من هزار نادين، السكرتيرة الخاصة بتاعة جوزي.
​نادين عندها ستة وعشرين سنة، ضحكتها مرسومة بالمسطرة، وعندها عادة غريبة كده إنها تسمى أي حاجة فيها تهزيق وتقليل من حد “هزار وضحك”.
​في اليوم ده، كانت عارفة كويس إني جوه في الحمام بياخد دش.
​فتحت الباب بالراحه من غير ما أحس، ورمت فار ميت تحت رجلي.
​صرختي سمعت لحد الشارع.
​طلعت أجرِ مجرودة من الخوف ومفيش حيلتي غير الفوطة. نادين عملت نفسها مرعوبة وشاورت على البلكونة:
​—اطلعي اطلعي بسرعه! أظن فيه واحد تاني استخبى تحت الكنبة!
​أنا من كتر الترعة والجري، دخلت ورا الإزاز.
​وفجأة سمعت:
​تكة.
​نادين قفلت الباب عليا من جوه.
​في الأول افتكرتها هتاخد ثواني وتفتح.
​مفتحتش.
​قعدت أخبط على الإزاز.
​وأصرخ.
​لمحتها بتاخد شنطتها ونازلة من الشقة بمنتهى الهدوء.
​موبايلي كان جوه في الحمام.
​التليفون الوحيد اللي كان طالعه إيدي هو تليفون قديم متركب جنب البلكونة متوصل بالأنتركام الداخلي بتاع العمارة.
​طلبت أدهم مرة.
​وبعدين عشرة.
​وبعدين ثلاثين.
​لما إيدي اتعملت من كتر الاتصال، كنت طلبت رقمه اتنين وسبعين مرة.
​معبرنيش ولا رددش عليا خالص.
​اليوم التاني المطرة بدأت تمطر.
​حطيت علبة فاضية تحت المية اللي نازلة من السقف وشربت منها على قد ما قدرت.
​في اليوم التالت، مكنتش قادرة حتى أقف على حيلي.
​ولما الباب اتفتح أخيراً، لقيت الشقة مليانة ناس: صحاب أدهم، واتنين مديرين كبار من شركة “الآغا جروب”، وحتى أخته كانت واقفة.
​محدش فيهم استجرى يحط عينيه في عيني.
​اتكعبلت ومشيت بالعافية لحد ترابيزة السفره.
​كان فيه علبة جواها قطعة كيكة شوكولاتة.
​مسكتها بإيديا الاتنين.
​وقطعت منها قطمة وجعانة ومتهالكة.
​—سيبيها مكانها.
​رفعت عيني بالعافية.
​أدهم كان واقف قدامي.
​بدلة على السنجة عشرة، وشعره متسرح بالملمي.
​ولا كأن مراته لسه طالعة من حبسة تلات أيام في البرد.
​—إيه؟
​—الكيكة دي بتاعة نادين.
​فضلت ماسكاها ومستغربة.
​—أدهم… أنا مأكلتش حاجة بقالي تلات أيام.
​حط فولدر أسود على الترابيزة.
​—إحنا هنطلق.
​افتكرت إني بسكَر ومش سامعة صح.
​—عشان أكلت حتة كيكة؟
​—عشان مدة إيدك على حاجة مش بتاعتكي.
​واحد من صحابه اتدخل وقال:
​—أدهم، الموضوع زاد عن حده أوي. نادين هي اللي قفلت عليها البلكونة!
​وأخته قالتله:
​—مرتك جافة وميتة من العطش يا أدهم!
​ولا الهوا.. ملوش دعوة بكلامهم.
​—نورهان طول عمرها عينيها فارغة وبتمد إيدها على اللي مش بتاعها.
​وبعدين بصلي بنظرة جافة وباردة عمرها ما طلعت منه قبل كده.
​—ما هي دي الطريقة اللي دخلت بيها عيلتنا وأكلت بعقلنا حلاوة.
​وبعدين شد الكيكة من إيدي ورماها في صفيحة الزبالة.
​—نادين قالتلي مش عايزة زفتة دي تلمس حاجتها.
​ركبي خبطت في بعضها وما حسيتش برجلي.
​—سيبني أدخل أغير هدومي، أرجوك.
​كنت لسه ملفوفة بالفوطة المبلولة والمبهدلة دي.
​أدهم هز راسه بالرفض.
​—لا.
​—ليه؟
​بص للناس اللي كان جاططهم وجايبهم معاهم.
​—عشان عايز الكل يشوفك وأنتِ بتوقعي. عشان محدش يرجع يقول إني غصبتك ولا ضغطت عليكِ.
​فتح الفولدر.
​عقد التنازل كان مكتوب فيه إني بطُلع من الجوازة دي من غير ما أطالب بأي عقارات، ولا أسهم، ولا أي حاجة من أملاك عيلة الآغا.
​أدهم حط القلم في إيدي.
​—إمضي.
​إيدي كانت بترتعش لدرجة إني بالعافية ماسكة القلم.
​بس قبل ما أكتب اسمي، فهمت الحقيقة كاملة.. فهمت هو ليه عمل المسرحية دي كلها وعزم الناس دي.
​هو مكنش فارق معاه يطلقني عشان كيكة.
​هو كان عايز ينتقم مني ويعاقبني على حاجة حصلت من سنين.
​كان عايز يبرّأ نادين ويطلعها ملاك.
​وكان عايز يقنع الكل إن أنا البلاطة والشريرة اللي في الحكاية.
​اللي أدهم مكنش يعرفه.. إن معايا تسجيل صوتي متحوش بقاله سبع سنين، كفيل يهد الكذبة دي على دماغه ودماغ اللي جابوه.
​ومكنش يعرف كمان إن تلات براءات اختراع من اللي قايمة عليهم شركة “الآغا جروب” وشغالة بيهم.. عمرهم ما كانوا ملك عيلته.
​دول بتوعي أنا بالمليم، وباسمي أنا بس.
​مضيت.
​”نورهان مصطفى”.
​رجعتله القلم تاني.
​—أتمنى بكرة ييجي وأنت لسه فرحان كده بإني مشيت وما طلبتش منك ولا مليم.
​أدهم فركك من الضحك وتفّه بكلامي.
​مكنش متخيل خالص إيه اللي هيلاقيه مستنيه أول ما يدخل شغالته ومكتبه بكرة الصبح.
​ومكنش متوقع قد إيه كل حاجة كانت على وشك تتشقلب وتتفرتك فوق دماغه…
الجزء الثاني
​وسواس أدهم إنه يدافع عن نادين ويطلعها مظلومة ميبدأش الأسبوع ده.
ده بدأ من سبع سنين فاتوا.
​لما عرفناها، نادين كانت لسه طالبة بتدرس هندسة صناعية، جاية من طنطا للقاهرة بمنحة مش كاملة وظروفها على قدها.
أدهم صعبت عليه وظروفها كسرته.
وانا كمان صعبت عليا.
وقتها مكنّاش لسه اتجوزنا، بس كنا عايشين مع بعض بنجهز للبيت.
إحنا الاتنين دفعنالها مصاريف كورسات كتير، وساعدناها في إيجار شقة مشتركة، ووصينا عليها في تدريب مهني محترم.
في يوم تخرجها، وقدام أهاليهم وزمايلها كلهم، نادين حضنت أدهم.
وبعدين باستو من بؤه.
أنا رد فعلي كان غشيم.
نزلت على وشها بالقلم.
ولسه فاكرة كلامي ليها بالنص وقتها:
—إحنا ساعدناكي عشان تبني حياتك، مش عشان تيج تخربي حياتنا!
​عمري ما كنت فخورة إني ضربتها.
بس في نفس الوقت، عمر ما دخلت دماغي الرواية اللي أدهم ألفها بعد كده، وكأنني اعتديت على بنت بريئة غلبانة بسبب غيرتي المريضة.
​بعدها بشهور، نادين خسرت مقابلة شغل في منصب مهم جداً.
فيه حد قفل عليها باب أوضة الأرشيف لما كبس عليها لمدة ساعتين.
لما طلعت، طلعت تأكد وتصرخ إن أنا اللي عملت كده.
وأدهم صدقها من غير ما يسألني حتى.
—نورهان، أنتِ زودتيها أوي وعديتي حدودك.
—أنا مكنتش هناك اصلاً!
—نادين شافتك في المبنى!
—عشان كنت رايحة أسلم ورق وأمشي!
​مفيش فايدة.. كلامي كان بالنسبة له هواء.
وعشان “يعوضها”، أدهم عينها عنده سكرتيرة تنفيذية.
مرتب خيالي، سفريات، وأكل وشرب، ودخول وخروج عليه في أي وقت.
ومن ساعتها، بقت نادين زارعة نفسها في كل حاجة تخصنا.
فطار..
اجتماعات..
سفريات..
حتى عزومات العيلة.
كل ما أطلب من أدهم يحطلها حدود، يكرر نغمة واحدة:
—الناس اللي م بتعملش حاجة غلط، م بيحتاجوش يستخبوا!
​لحد ما في يوم دخلت مكتبه من غير ما أخبط.
كان أدهم حاطط حتة كيكة صغيرة على المكتب.
ولسه واكل منها بالمعلقة.
نادين قامت مسكت نفس المعلقة، وبصت في عينيه أوي، وأكلت من نفس الطبق!
—هو فيه إيه؟ هو بجد الكلام ده؟
نادين ابتسمت بخبث:
—يا نورهان كبري مخك.. بلاش تفكير قديم.
​أنا وقتها كنت لسه بشارك في بعض القرارات الإدارية في الشركة، فطلبت إنها تنقل أي قسم تاني.
أدهم لغى القرار ورجّعها.
ومن اليوم ده، وعلاقتنا بدأت تعفن وتتحلل.
​عشان كده، لما صحيت في المستشفى بعد الطلاق، متفاجئتِش.
أنا حسيت بصفاء وتفتيح مخ.
التقرير الطبى قال إن عندي جفاف حاد، وانخفاض شديد في الضغط، وأعراض إجهاد عام.
ولما بدأوا يعلقولي المحلول، طلبت تليفوني.
عملت مكالمتين.
​الأولى كانت لمحاميّ، الأستاذ مصطفى.
—الطلاق اتوقع خلاص.
—أنتِ متأكدة؟
—تماماً.
—يبقى نفذ اللي اتفقنا عليه.
​المكالمة التانية كانت لمديرة القطاع القانوني في شركة “الآغا جروب”.
—فريدة.. من بكرة الصبح، التصريح المجاني لاستخدام براءات الاختراع بتاعتي يلغى فوراً.
ساد سكون وسكوت مريب.
—نورهان… لو عملتي كده، مصنع أكتوبر مش هيقدر يكمل تصنيع خطين من أهم خطوط الإنتاج عندنا!
—ما بقوش “خطوطنا”.
بصيت للمحلول وهو بينزل نقطة نقطة في إيدي.
—أنا مبقتش من عيلة الآغا خلاص، فاكرة؟
​الساعة تمانية وسبعة وأربعين دقيقة الصبح، أول خط إنتاج وقف تماماً.
الساعة تسعة وتلت، الموردين بدأوا يصرخوا في التليفونات.
الساعة عشرة، مجلس الإدارة طلب اجتماع طارئ.
والساعة إحدى عشر وربع، أدهم ظهر في أوضتي في المستشفى.
دخل من غير ما يخبط.
​—أنتِ عملتي إيه؟!
أنا كنت باكل شوربة خضار.
بصلته.
واخدت معلقة كمان.
يا لها من سخرية قدرية متكملة.
إمبارح رمى الأكل قدام ست ميتة من الجوع.
والنهاردة جاي يشحت مني.
​—سحبت الحاجة اللي تخصني وتملكها إيدي.
—أنتِ بتعرضي الشركة للخراب والضياع!
—على كلامك إمبارح، أنا طلعت من عيلة الآغا إيدي فاضية مفيهاش مليم.
حطيت المعلقة.
—فيبقوا هما كمان ملهمش أي حاجة عندي.
​أدهم اتسمر مكانه.
—البراءات دي ملك الشركة!
—لا.
—أبويا هو اللي دفع مصاريف تطويرها!
—لا برضه.
—نورهان!
—أنا مسجلاها باسمي قبل ما أعرفك وتشوفني بتلات سنين كاملين.
​وشه اتغير تماماً.
ولأول مرة يفهم إن اسم “الآغا” مش هيعرف يحل المحنة دي.
بس دي كانت مجرد بداية القصيدة.
​مصطفى المحامي دخل الأوضة ومعاه فلاشة وفولدر.
—لقينا كمان تسجيلات كاميرات المراقبة بتاعة العمارة.
أدهم اتلفتله:
—تسجيلات إيه؟
مصطفى حط الفلاشة على الترابيزة.
—تسجيلات اليوم اللي مرتك اتحبست فيه في البلكونة.
وبعدين حط فلاشة تانية أصغر جنبها.
—ودي التسجيل الأصلي للحادثة اللي حصلت من سبع سنين، لما نادين خسرت المقابلة إياها.
​أدهم وشه اصفرّ:
—نورهان… إيه الكلام ده؟
بصلته وثبتت عيني في عينيه:
—معناه إنك على مدار سبع سنين، كنت بتعاقب وتظلم الشخص الغلط.
​مصطفى فتح اللاب توب بتاعه.
الشاشة نورت.
أدهم شاف نادين وهي داخلة مبنى الشركة من سبع سنين.
ووراها ظهرت واحدة تانية.
واحدة محدش فينا جاب سريتها خالص طول السنين دي.
​لما أدهم ميز اللي بيحصل في الفيديو، الدم هرب من وشه تماماً.
بس هو لسه مشافش التسجيل التاني.
التسجيل اللي هيثبت إن الاتنين وسبعين مكالمة مكنوش ميحين منه بالصدفة.
ولما يفهم دي.. مش هيفضل أي مجال إنه يصلح أي حاجة من اللي اتكسرت.
​الجزء الثالث
​التسجيل الأولاني كان من سبع سنين.
الصورة مكنتش واضحة أوي، بس كانت جودة كافية.
الكاميرا كانت في الممر بره المكاتب اللي كانت نادين رايحة تعمل فيها المقابلة.
ظاهر فيها نادين وهي داخلة أوضة الأرشيف.
بعدها بثلاثين ثانية، ظهرت ميرفت، متقدمة تانية لنفس الشغلانة.
ميرفت بصت يمين وشمال.
قفلت الباب.
فزرت المفتاح.
ومشيت.
​أنا ظهرت في الفيديو بعد أكتر من ثلث ساعة.
ماشية في الممر، سلمت فولدر في الاستقبال ومشت.
حتى مقربتش ناحية الأوضة اللي كانت محبوسة فيها نادين.
​أدهم فضل باصص للشاشة ومبيتكلمش.
—ده ميثبتش إن نورهان مكنتش متفقة معاها تعمل كده! —أدهم قال كده بعناد في الآخر.
مصطفى بص له باستغراب:
—فيه أكتر من كده.
​فتح أرشيف إيميلات قديمة.
بعد الواقعة بأسابيع، ميرفت كانت باعتة رسالة لنادين:
“سامحيني، كنت ملهوفة على الشغلانة ومحتاجاها، عمر ما جه في بالي إنك هتروحي عليكي المقابلة كلها.”
نادين كانت رادة عليها:
“مبقاش يفرق، المهم إن بسبب الحركة دي، أدهم فاكر إن نورهان هي اللي عملتها.. يمكن تكوني قدمتيلي خدمة العمر من غير ما تقصدي.”
​أدهم غمض عينيه.
أنا مكنتش حاسة بأي انتصار.
طول السنين اللي فاتت كنت بتخيل اللحظة دي كتير.
كنت فاكرة إن رد فعله لما يعرف الحقيقة هيخليني أحس بالعدالة.
بس اللي حسيته كان مجرد قرف وتعب.
​—أنتِ كان معاكي الكلام ده؟ —تمتم بصوت واطي.
—أيوه.
—من إمتى؟
—من ست سنين.
ضرب إيده على الترابيزة:
—وليه ممريتهومليش؟!
—حاولت!
أدهم فتح بؤه يسكت.
—أول مرة طلبت منك تشوف الفيديو، قلتلي مش محتاج دلايل عشان أنت عارف “قذارة ونوعية الستات اللي زيي”!
​هو سكت خالص.
—المرة التانية جبتلك الفلاشة لحد مكتبك، حطيتها في الدرج وقفلت عليها.
أنا فاكرة الخناقة دي بالحرف.
أدهم حتى ملمسش الفلاشة وقتها.
“أنا مش محتاج كاميرات عشان أعرف أنتِ بتبقي عاملة إزاي لما بتغيري” —ده اللي قالهولي ساعتها.
ومن بعد اليوم ده، أنا بطلت أحاول.
مش عشان الحقيقة مقتش تهمني..
بس عشان فهمت حاجة مرعبة: الجواز اللي بتحتاج تدافع فيه عن براءتك كل يوم، ده مش جواز، دي زنكانة.
​مصطفى غير الملف.
—نشوف بقى اللي حصل الأسبوع ده.
ظهرت صالة شقتنا.
نادين داخلة الساعة أربعة وسبعة وعشرين دقيقة بعد الظهر.
أنا كنت جوه باخد دش.
ظاهرة وهي بتطلع كيس بلاستيك من شنطتها.
جواه الفار الميت.
​أدهم دارى وشه بعيد:
—يا نهار أسود…
​الفيديو كمل.
نادين دخلت الحمام.
بعدها بثواني أنا طلعت أجرِ.
شأورتلي على البلكونة.
أنا طلعت.
نادين قفلت الباب السحاب.
وبعدين عملت حاجة تلغي أي احتمالية إن ده كان “هزار”.
جابت حديدة صغيرة، وحشرتها في مجرى الباب من جوه.
مكنتش حادثة.
ولا الهواء اللي قفل الباب.
دي كانت مرتبة كل حاجة.
​قربت من الإزاز.
أنا كنت بخبط بكل قوتي من بره.
نادين ابتسمت.
وبعدين مسكت تليفونها.
عملت مكالمة.
​مصطفى فتح ملف تاني.
—جبنا سجل المكالمات من الشركة.
هي كلمت أدهم.
مدة المكالمة: أربع دقائق وتلاتين ثانية.
​أدهم بلع ريقه بالعافية:
—أنا مش فاكر المكالمة دي…
—بس أنا فاكراها كويس —أنا قلت.
بصلي.
—عشان بعد ما نزلت من الشقة، نادين بعتتلي مسج من رقم غريب: “نشوف بقى جوزك هياخد باله إنك مش موجودة بعد قد إيه.”
​مصطفى عرض السكرين شوت.
أدهم قعد على الكرسي ومش قادر يشيل نفسه.
—هي قالتلي إنك عملتي مشكلة ومحتاجة تقعدي مع نفسك شوية…
—والمكالمات؟
مرضش.
—أدهم!
—كنت شغال ومغلوق!
—اتنين وسبعين مكالمة!
—فتكرتك عايزة تتخانقي وتنقدي!
​ضحكت.
مش عشان الموقف يضحك.. دي كانت ضحكة ناشفة وميتة.
—اتنين وسبعين مرة بحاول أطلبك وأنا محبوسة من غير أكل ولا مية، وأنت قررت ببساطة إن هكون عايزة أنكد عليك؟
​أدهم حط وشين إيديه على وشه:
—مكنتش اعرف إنك جوه…
—بالظبط.
وطيت عليه:
—مكنتش تعرف عشان أنت اختارت مأتيعرفش.
​ده كان أكتر حاجة بتوجع.
نادين قفلت باب الإزاز.
بس أدهم هو اللي قرر م يفتحوش.
حتى مجلوش الفضول يسأل مراته اختفت فين تلات أيام.
​مصطفى كمل عرض الفيديوهات.
في اليوم التاني الصبح، نادين رجعت الشقة.
مشيت لحد باب البلكونة.
أنا كنت نايمة على الأرض من كتر التعب والجوع.
فضلت باصالي ثواني.
وبعدين شدت الستاير.
عملت لنفسها قهوة.
ومشيت.
​أدهم اتنطر من مكانه:
—أنا هبلغ البوليس!
—المحامي بتاعي بلّغ خلاص.
بصلته:
—الصبح بدري.
​نادين اتقبض عليها للتحقيق.
والتحريات أثبتت إنها في الأول كانت قاصدة تسيبني محبوسة كام ساعة تخوفني، بس لما لقت محدش بيسأل عليا، قررت تكمل.
في الشات بتاعها كانت كاتبة لصاحبتها:
“عايزاها تعرف إحساس إن مفيش في إيدها حاجة تعملها.”
وكان فيه مسج تاني:
“أدهم لو افتكر إنها بتعمل دراما، مش يدور عليها.. أنا عارفاه كويس.”
​دي كانت القاضية بالنسبة لأدهم.
نادين كانت عارفة جوزي أكتر ما أنا كنت عايزة أعترف.
عارفة كذبته المفضلة.
وعارفة إنه يفضل يظن فيا السوء على إنه يشك فيها هي لحظة.
​في نفس اليوم، شركة “الآغا جروب” أعلنت وقف نادين عن العمل لحد ما التحقيقات تخلص.
بس رفصلها مصلحش حاجة.
اليوم اللي بعده، حمايا ظهر في المستشفى.
الحاج رجب الآغا كان من نوعية الرجالة اللي فاكرين إن العيلة إدارة زي الشركة: المشاكل تتحل في الأوض المقفولة، اسم العيلة يفضل ينظف، وأي حاجة تتقدر بفلوس.
​دخل ومعاه المحامي بتاعه.
—نورهان.
—أهلاً يا حاج رجب.
—الموضوع خرج عن السيطرة أوي.
—أنا اتفتحت عليا بلكونة تلات أيام.
—عارف.
—يبقى متفقين.
أتنهد:
—أنا مش جاي أتكلم في موضوع نادين.
طبعاً.
هو جاي عشان البراءات.
​شركة الآغا كبرت على مدار سنين في تصنيع المكونات الكهربائية، بس من عشر سنين أنا اللي طوّرت تلات حلول للتحكم الحراري واستهلاك الطاقة.
مكنتش اختراعات برّاقة للناس العادية، بس كانت بتقلل التكلفة وبتخلي خطوط الإنتاج تطلع أعُلى جودة.
لما اتجوزت أدهم، سمحتلهم يستخدموها من غير مقابل.
عشان كنت فاكرة إننا بنبني بيت وسوا.
عمر ما تنازلت عن ملكيتها، ولا بعتها، ولا وقعت تنازل.
ومحاميين عيلتهم كانوا عارفين ده كويس.
بس مع السنين، الكل بدأ يتعامل وكأن الاختراعات دي طلعت باسم “الآغا”.
​الحاج رجب حط عرض قدامي:
—إحنا ممكن نشتريهم منك بالرقم اللي تطلبيه.
بصيت في الرقم.
كان كبير أوي.
بس هزيت راسي بالرفض:
—مش هبيع.
—عايزة تخربي بيت أربعة جنيه شغالين في الشركة؟
—أنا مش عايزة أقطع عيش حد.
—يبقى سيبيلنا حق الاستخدام.
—تمام.. بعقد ترخيص تجاري ومدفوع.
​وشه اتغير:
—تدفعينا كل سنة؟!
—زي أي شركة بتدفع مقابل تكنولوجيا مش بتاعتها.
—إحنا أهلك!
بصلته:
—إمبارح ابنك أعلن قدام عشرين واحد إني مأبقتش من العيلة خلاص.
​معرفش يرد.
​بعد يومين طلعت من المستشفى.
مرجعتش التجمع.
روحت عند أختي في المعادي.
أول ليلة نمت 12 ساعة متواصلة.
التانية صحيت الساعة تلاتة الفجر فاكرة إني لسه محبوسة في البلكونة.
أخدت وقت عشان أستوعب إن الباب مفتوح وممكن أخرج في أي وقت.
​أدهم كان بيتصل كل يوم.
ماردتش.
بعت ورد.. وزعته على الممرضات.
بعت جواب.. ما فتحتوش.
في الآخر بعت مسج: “لازم نتفق على موضوع البراءات، ولازم نتكلم في اللي بيننا.”
​وافقت أقابله.
بس مش في بيت، ولا في مكتبه.
اتقابلنا في مكتب الأستاذ مصطفى المحامي.
​أدهم جه لوحده.
شكل كبر عشر سنين.
قعد قدامي.
دقيقة كاملة محدش اتكلم.
—نادين اعترفت —قال في الآخر.
—عارفة.
—بتقول مكنتش متخيلة إنك هتقعدي تلات أيام.
—هي رجعت الشقة وشافتني.
أدهم نزل راسه:
—أيوه.
—يبقى كانت متخيلة ومقررة.
ضغط على إيده:
—نورهان… أنا غلطت.
—كتير.
—بس مش كل حاجة بينا كانت كذب.
​الكلمة دي وجعتني.
عشان كان عنده حق.
كان فيه سنين حلوة..
سفريات..
أيام جمعة بناكل فيها فول وطعمية في البيت بالبيجامة..
اليوم اللي دفنّا فيه أمي وأدهم قعد جنبي طول الليل من غير ما ينطق كلمة.
أنا مكنتش محتاجة أحوله لوحش عشان أمشي.
هي دي المشكلة.. اللي بيأذوك مش شرط يكونوا أشرار في كل حاجة، أوقات بيكونوا ناس حبّوك بس افتكروا مع الوقت إن من حقهم يقلوا بيك.
​—أنا عايز نلغي الطلاق —قالها فجأة.
بصلته:
—إيه؟
—نقول إنك وقعتي تحت ضغط ونرجع…
​رفعت إيدي:
—لا.
—نورهان اسمعيني!
—أنا سامعاك.
—أنا مكنتش اعرف الحقيقة!
—عن نادين؟ ماشي..
وطيت عليه:
—بس كنت عارف إني لافة فوطة بقالي تلات أيام، عارف إني مش قادرة أقف، شايف إني جعانة.. ورميت الأكل في الزبالة قدامي!
​أدهم غمض عينيه:
—كنت متغاط.
—بالظبط.
—كنت عايزك تحسي باللي نادين حسته.
—والدلوقتي؟
مرضش.
—دلوقتي بعد ما عرفت إنها كدابة.. أعمل إيه في اللي أنت عملته؟
​فضل باصص للترابيزة، وبعدين تمتم:
—مش عارف.
—أنا عارفة.
​طلعت عقد الترخيص.
حطيته قدامه.
شركة الآغا تقدر تستخدم البراءات لمدة خمس سنين مقابل نسبة عادلة من المبيعات.
رقم مش هيخرب بيتهم، بس رقم حق.
​أدهم قرا الأوراق:
—هتاخدي مني فلوس على حاجة بنستخدمها من سنين؟
—مش هاخد منك أنت.. هاخد من شركة بتستخدم ملكيتي الفكرية.
—زمان مكنتيش بتاخدي.
—زمان كنت فاكرة إني بساهم في بيتي.
—نورهان…
—أنت اللي أصرّيت إننا م نبقاش بيت واحد.
​شفته بيقرأ العقد تاني.
وبعدين حصلت حاجة مكنتش متخيلها.
أدهم وقع.
من غير ما يزعق.. من غير ما يهدد.. من غير ما يفكرني باسم عيلته.
وقع وبس.
وأنا وقعت.
ولأول مرة من زمان، حسيت إن فيه حاجة اتختمت بجد.
​إجراءات الطلاق اتطلعت رسمياً بعد كام شهر.
ما حاولت أخد شقة أهله، ولا أسهم العيلة، ولا أي حاجة كانت معاه قبل الجواز.
أخدت حقي القانوني بس من اللي بنيناه سوا.
بس أهم حاجة احتفظت بيها.. كانت الحاجة اللي أدهم نسي إنها كانت موجودة قبله:
شغلي.
​خلال الشهور اللي بعدها، استخدمت فلوس الترخيص وفتحت شركة استشارات تكنولوجية صغيرة في مدينة نصر.
في الأول كنا خمسة بس.
مكتب صغير، تكييف صوت عالي، وأنا اللي براد على الإيميلات بنص الليل.
بعد سنة بقينا أربعتاشر.
وبعدها وقعنا أول عقد دولي.
​مكنتش عايزة أبقى شركة عملاقة.. كنت عايزة أدخل الصبح مكان صوتي فيه له قيمة، وأشتغل من غير ما أسمع إن نجاحي ده بفضل اسم حد تاني.
​في يوم، بعد سنة من الطلاق، السكرتيرة دخلتلي:
—أستاذة نورهان، فيه حد بره عايز يشوفك.
—معاه معاد؟
—لا.
​بصت ناحية الباب.
أدهم كان واقف هناك.
من غير بدلة.. قميص أبيض وجينز.
لما دخل، بص لليافطة اللي حطيناها على الحيطة:
(نورهان مصطفى – المؤسس والمدير التنفيذي)
​ابتسم بحزن:
—شكلها حلو.
—شكراً.
فضل واقف:
—شركة الآغا قفلت السنة كويس.
—فرحتلكوا.
—الترخيص أجبرنا نعدل حاجات كتير.
—وده يفرحني برضه.
​ضحك ضحكة صغيرة:
—أنتِ لسه زي ما أنتِ.
هزيت راسي:
—لا.
—لا؟
—ده الفرق.. أنا مبقتش هي.
​أدهم بص حواليه:
—عمر ما كنت اعرف إنك تقدري تبني كل ده.
الكلمة دي لخصت جوازنا كله.
—أنت كنت عارف.
كشر:
—لا.
—أدهم.. أنت عرفتني وأنا شغالة، شفت تصاميمي، وحضرت معايا تسجيل تاني براءة اختراع.
سكت شوية:
—أنت بس بطلت تشوفني.
​نزل عينية الأرض:
—يمكن.
وبعدين اتنفس بضيق:
—أنا بروح لدكتور نفسي.
ما رديتش.
—عارف إن ده مش بيمحي حاجة.
—أكيد.
—ومش جاي أطلب نرجع.
كان بيدور على الكلام:
—بس كنت عايز اعرف.. هو فيه أي أمل إننا نبدأ من جديد في يوم من الأيام؟
​بصلته ثواني.
مكنتش حاسة بغضب.. وده فاجئني.
كان فيه وقت بتخيل الموقف ده وأقول هصرخ فيه، وهفكرة بالبلكونة، والكيكة، والفوطة، والـ 72 مكالمة.
بس مبقتش محتاجة أعمل كده.
​—لا يا أدهم.
هز راسه بالراحة:
—فاهم.
—أتمنى تتغير بجد.
بصلي:
—بجد؟
—أيوه.
—حتى لو مش عشان نرجع؟
ابتسمت:
—بالذات عشان مش هنرجع.
​أدهم مشي بعد دقائق.
قفلت باب مكتبي ووقفت وراه.
افتكرت الصبحية بتاعة الطلاق.. لما جمع مدراء وعيلة عشان يثبت إني طالعة من عنده شحاتة.
كان عايز يشوفني ضعيفة، جعانة، ولابسة فوطة.
وكان فاكر إنه كسب.
​هو أخد اللي يخصه.. بس مكنش فاهم يعني إيه ست تخرج “من غير حاجة”.
أنا متخرجتش فاضية.
أنا أخدت اسمي، أفكاري، اختراعاتي، وقدرتي إني أبدأ تاني.
وأهم حاجة استرديتها.. كرامتي اللي كنت بسيب حتة منها كل ما أعدي إهانة عشان أعدي اليوم.
​كنت فاكرة إن خسارة الجواز معناه الفشل.. بس فهمت إن فيه أبواب مش بتبان إنها نجاة غير لما تخرج منها.
نادين هي اللي قفلت باب البلكونة بايدها.. بس أدهم هو اللي كان حابسني بطرق تانية طول السنين: إني أثبت إني مش بغير، إني مش بنكد، وإني أستاهل أتمسمع.
​اليوم اللي وقعت فيه الطلاق افتكرت إني بخسر بيت.. وبعد شهور فهمت إني كنت برجع حياتي.
أوقات العدالة مش بتيجي لما اللي أذاك يتخرب بيته.. بتيجي لما مبقتش محتاج تشوفه بيتخرب عشان تحس إنك كامل.
​أدهم كمل في شركته.. وأنا كملت في شركتي.
ونادين شالت شيلتها القانونية.
والست اللي طلعت من البلكونة عريانة وجعانة اختفت بالتدريج.. وجت مكانها واحدة اتعلمت درس مش هتنساه:
لما حد يقولك إنك ماشية “من غير حاجة”.. افتكري كويس أوي إن نص المكان اللي هو واقف فيه ده مكنش هيتبنى من غيرك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *