جوزي قالي حصري لصفحة روايات رولا

​مريم عرفت خط خالتها.
​فتحت الجواب:
​”غالباً أنتِ مش هاتفهمي في العقود ولا في شغل الأغاني والمزيكا، وهايجي حد يحاول يقنعك إنه لازم يفكر ويقرر بدالك عشان مصلحتك. بلاش تصدقيه. أنا غلطت الغلطة دي زمان، وخسرت أغانيي، واسمي، وسنين طويلة من عمري وأنا بحاول أرجعهم. افتحي الكراريس بتاعتي. بلاش تسلمي صوتك وحقك لحد يدعي إنه عارف مصلحتك أكتر منك.”
​مريم قعدت تعيط.
​مش عشان الفوس.
​عيطت لأن الست اللي كانت فاكراها بتغني لوحدها في قعدات العيلة الكبيرة كانت عارفة وفاهمة نوعية الراجل اللي ممكن يظهر في حياتها في يوم من الأيام.
​— أنا مش هحضر ولا أوقع على أي توكيل —قالت مريم أخيرًا—. أنا عاوزة كل حاجة تفضل باسمي وأنا اللي هعمل كل الإجراءات بنفسي.
​المحامية هزت رأسها بالمرضاة.
​وفضلوا الساعات اللي بعد كده بيثبتوا إجراءات الوراثة وبيمنعوا أي تصرف أو تعامل غير بتوقيع مباشر من مريم.
​وقبل ما تمشي، مريم طلبت طلب أخيرة:
​— لو شريف اتصل، بلاش تقوليلو إن أنا جيت هنا.
​الساعة ستة جه شريف وهو متأنق ومتروق على الأخر.
​— جاهزة؟
​— مش هنروح.
​ابتسامته اختفت.
​— يعني إيه مش هنروح؟
​— كلموني قالوا عندهم مشاكل إدارية والميعاد اتأجل.
​شريف حاول يداري توتره، بس مريم شافت إيديه وهي بتعصر كوباية المية.
​— خلاص… الأسبوع الجاي.
​— الأسبوع الجاي —ردت هي.
​تاني يوم، أول ما نزل الشغل، مريم فتحت الصناديق أخيرًا.
​لقيت فساتين، وصور، وبكرات تسجيل، وشرايط كاسيت، وكراريس مليانة نوت موسيقية.
​على غلاف أول كراس، وبخط إيد خالتها، كان مكتوب:
​”لؤلؤة سرور — الأغاني — الجزء الأول”.
​مريم افتكرت أسامة، مهندس الصوت.
​وصلتله عن طريق الاستوديو اللي كان شغال مع المطعم.
​— أنا محتاجة اعرف لو الأشرطة دي ينفع تتسمع وتتسجل تاني ولا لأ.
​أسامة وافق يساعدها.
​في نفس الأسبوع بدأوا يفرغوا ويسترجعوا أول التسجيلات.
​وفي نفس الليلة دي، شريف دخل أوضة الضيوف، رفع البطانية، وشاف إن في صندوق من الصناديق اتفتح، ووقف في مكانه متثبت ومش قادر يتحرك.
​ولأول مرة فهم إن مريم شكلها عرفت كل حاجة.
​اللي مكنش يتخيله بقى… هو هي عرفت قد إيه بالضبط.
​الجزء الثالث

​شريف ماقالش ولا كلمة الليلة دي.
​رجع حط البطانية مكانها بالضبط وخرج من الأوضة.
​بس مريم بدأت تلاحظ إنه بقا بيراقبها طول الوقت.
​ساعات كانت تصحي في نص الليل وتلاقيه في المطبخ، وهي حاطة سماعات كبيرة أسامة كان معيرهالها، وبتسمع على موبايلها التسجيلات اللي اتسجلت ديجيتال لخالتها.
​مكنتش بتسمع أغاني بس.
​كان في بروفات، ومحادثات مع موسيقية، وتجارب صوت، ومقاطع صغيرة خالتها بتتكلم فيها بين التسجيل والتاني.
​في تسجيل منهم سمعت صوتها وهي لسه صغيرة:
​— تاني من الأول. لو في يوم من الأيام ينشروا الكلام ده، ياريت يكتبوا اسمي كاملاً.
​مريم اضطرت تشيل السماعات من على ودنها.
​الجملة دي كان بقالها أكتر من ثلاثين سنة.
​أسامة جاب مساعدة من عم صابر، كبر مهندسين صوت متقاعد كان لسه محتفظ بأجهزة قديمة تقبل شغل البكرات ده. وهما الاتنين بدأوا يرمموا الأرشيف.
​— في شغل هنا قيم أوي —أسامة شرحلها—. وأنا مش بتكلم عن الفلوس بس. الأغاني دي بالنسخ دي مش موجودة في أي مكان تاني.
​مريم بدأت هي كمان تدور وتبحث.
​اكتشفت إن لؤلؤة سرور كانت صوت معروف أوي في إذاعة صوت العرب وفي الإذاعة المصرية في السبعينات. مكنتش نجمة شباك الأولى، بس أغانيها عاشت والناس كانت بتغنيها بأصوات مطربين تانيين.
​المشكلة إن لسنين طويلة محدش كان بيجيب سيرتها ولا يذكر اسمها.
​بعد مشكلة كبيرة مع متعهد حفلات، إلهام خسرت عقودها، والتسجيلات، وحق التصرف في أغانيها.
​وقضت سنين تجمع في الإثباتات والورق.
​وقدرت تجيب حقها قبل ما تموت بوقت قصير.
​شريف في الوقت ده بدأ يتجنن ويتوتر.
​الأول اتصل بمكتب المحامية.
​السكرتيرة ردت عليه:
​— بخصوص ملف المرحومة إلهام سرور، المعلومات بتتقدم للوريثة الشرعية بس.
​الكلمة دي خضته.
​”الوريثة”.
​مش “مدام شريف”.
​وبعدها بدأت تغييرات تانية تحصل.
​مريم بطلت تسأله يومه كان عامل إيه.
​بطلت تستناه وهي صاحية.
​بطلت تتنهد لما يرجع متأخر.
​هدوئها ده بدأ يخوفه أكتر من أي خناقة.
​بعد خمس أيام دخل عليها ببوكيه ورد أبيض كبير.
​مريم كانت بتكره الورد الأبيض لأنه كان بيفكرها بالمدافن والمآتم.
​وشريف عمره ما أخد باله من نقطة زي دي.
​— إحنا لازم نتكلم —قالها.
​مريم قفلت الكتاب اللي كانت بتقراه.
​— سامعاك.
​شريف قعد قدامها.
​— يمكن أنا اتصرفت غلط في موضوع خالتك.
​— موضوع إيه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *