خدي عيالك واطلعي بره حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
​—غوري من بيتي. وخديلك عيالك معاكي. أنا مش فاضي أشيل شيلتك.
​دي كانت أول كلمة تسمعها مريم لما عربية المستشفى وقفت قدام بيتها في التجمع الخامس. كانت لسه قاعدة على كرسي بعجل، رجليها تقريباً مش حاسة بيهم بعد ست أسابيع محجوزة في المستشفى، ولسه الحظاظة البلاستيك بتاعة المستشفى في إيدها. قدام باب الفيلا، كانت شنط هدومها مرمية فوق بعض، زي ما يكون حد فرّغ حياتها كلها ورمى الكراكيب على الرصيف.
​جوزها، شريف، كان واقف عند الباب وفاعل دراعاته. ولا حتى فكر ينزل السلم عشان يسندها أو يستقبلها.
​مريم معيطتش. ولا صرخت. بصتله كام ثانية كده… وابتسمت.
​شريف حواجبة اتعقدت وبصلها باستغراب:
—إيه؟ هي دي كل ردة فعلك؟ مش هتسأليني ليه؟
​ردت بهدوء شديد:
—مش محتاجة أسأل… أنا فهمت كل حاجة خلاص.
​من تلات سنين، مريم كانت تحلف إن حياتها زي الفل. كان عندها 34 سنة، طفلين زي الورد، فريدة 8 سنين، وياسين 5 سنين. كان عندها مكتب تصميم ديكور صغير في المعادي، وجوازة من برة تبان هادية ومستقرة. شريف كان شغال في العقارات، ملسون وبيعرف يثبت أي حد قدامه ويحسسه إنه أهم واحد في الدنيا.
​كانوا أيام الجمعة بيصحوا يفطروا فول وطعمية وجمعة عائلية، مريم تودي فريدة تمرين السباحة، وتقعد تسمع ياسين وهو بيرغي بالساعات عن الديناصورات. شريف كان بيتأخر ساعات بالليل، بس دايماً عنده حجة جاهزة: اجتماع شغل، عميل تقيل، ولا بيقفل بيعة عقارات.
​لحد ما جه يوم أربعاء شوم… نقل كسر الإشارة ودخل في عربية مريم وهي راجعة.
​لما فاقت في المستشفى، دكتور جراحة الأعصاب فهمها إن إصابة العمود الفقري شديدة، ومفيش أي حد يقدر يضمنلها إنها تقف على حيلها تاني.
​أول أسبوع، شريف كان حنين وموجود. جابلها ورد، مسك إيدها، وقال للعيال إن مامتهم بطلة وهتقوم بالسلامة. بس بعد كده، زياراته بدأت تقصر. بقى يرد على التليفونات في الطابق، ويوطي صوته وهو بيتكلم. وفي الأسبوع الخامس، الممرضة قالتلها معلومة غريبة: شريف سألها مرتين بالظبط هيحددوا معاد الخروج المظبوط إمتى بكام يوم؟
​مريم وقتها افتكرته بيجهز البيت ويظبطه عشان استقبالها.
​حتى فريدة رسمتلها رسمة فيها رمبة صفرا عند باب البيت عشان الكرسي المتحرك.
​بس لما رجعت، كانت الشنط هي اللي مستنياها عند الباب… والرمبة مفيش ليها أثر.
​من جوة البيت، صوت فريدة طلع وهي بتصرخ بفرخة:
—هي ماما جيت؟
​وياسين بيسأل أبوه ليه لعبه محطوطة في كراتين.
​مريم حست بكسرة وجع رهيبة من جوة، بس رفضت تبين نقطة ضعف واحدة قدام شريف.
​قالتله بثبات:
—تمام… ماشي.
​بعد ساعة، اختها ندى وصلت مع جوزها. حملوا الشنط، والكرسي المتحرك، والطفلين في العربية. شريف ممدش إيده يساعد بقشة، ولا حتى حضن عياله يودعهم.
​الفيلا دي بالليل في بيت ندى في الشروق، مريم غمضة عين متغفلتش. كانت بتراجع كل مكالمة، كل زيارة خطف، كل بصلة تهرب منها.
​مع أول ضوء للصبح، رفعت التليفون وكلمت حازم، زميلها بتاع زمان في الكلية والنهارده من أكبر محامين الأحوال الشخصية.
​حازم سكت شوية على الناحية التانية من الخط.
​بعدين قالها:
—مريم… في حاجة أنا مكنتش حابب أقولهالك غير لما أتأكد 100%.
​—قول يا حازم، متخبيش.
​—شريف بقاله شهور ماشية مع واحدة… اسمها ياسمين.
​مريم عصرت التليفون في إيدها:
—من إمتى؟
​حازم اتنهد وقال:
—من قبل الحادثة بفترة طويلة.
​في اللحظة دي، مريم استوعبت كل حاجة. الكرسي المتحرك مكسرش جوازها ولا حاجة… ده بس أدى لشريف الكارت الأبيض والحجة اللي كان بيتحينها من زمان.
​بس اللي شريف مكنش يعرفه ولا يحلم بيه… إنه وهو بيرميها برة بيتها وفاكرها مكسورة وملهاش ظهر، كان لسه متكتك لأكبر غلطة هيتدفع ثمنها بقية حياته.الجزء الثاني
​مريم مبعتتش الصورة. كتبتله: “نزلت السوبر ماركت، أول ما أرجع هبعتهالك.” شريف رد في أقل من 10 ثواني: “ضروري ومتتأخريش.” بصت للشاشة وحست بحاجة كانت نايمة جواها من سنين: غل وغلَيل. مش خوف، ولا حزن، ولا حيرة… غل صافي. طول 17 سنة، شريف كان يدير وجعها وحزنها زي ما يكون بيحرس خزنة. في كل سنوية للوفاة المزعومة لبنتها، كان بياخدها ويجيب ورد ويروحوا يقفوا قدام مدافن فاضية. كل ما مريم تعيط، كان ياخدها في حضنه، وكل ما تسأله وهي بتقطع في نفسها إن كان المفروض تصمم تشوف البيبي وقتها، كان يقولها:
—بلاش تعذبي نفسك تاني يا مريم، ادعيلها بالرحمة.
​وطول الوقت ده… كان عارف.
​مريم نظفت الصالة، ونزلت جابت زهرية شبهها من مشتل في المعادي، ونقلت زرعة “قشطة أدم” بإيديها وهي مليانة طين وغبار. التاني يوم الصبح، صورت الصورة من زاوية ضلمة ومظبوطة وبعتتها لشريف. رد عليها بإيموجي قلب. القلب ده جابلا قرف وغثيان. شالت الحظاظة، والسلسلة، والتكت، والكارت الميموري جوة علبة سمنة قديمة. وبعدها راحت على بيت رضا، أقرب صحابها، خياطة في شبرا مبتسألش أسئلة زيادة عن اللزوم.
​—لو حصلي أي حاجة —مريم قالتلها وهي ماسكة إيدها— تسلمي العلّبة دي للأستاذ حازم صلاح المحامي بنفسه. هو بس.
​رضا بصتلها بملامح مشدودة وقاسية:
—شريف؟
—شريف وناس تانية معاه.
​الأستاذ حازم استقبلها في مكتبه في نفس اليوم بالليل. أول ما شاف الفيديو بتاع الممرضة وردة، بطل يكتب ملاحظات وقفل الأجندة.
—الكلام ده خطير يا مريم… خطير جداً. بس إحنا محتاجين أدلة قانونية قاطعة. التسجيل بيساعد، والحظاظة بتساعد، بس الليلة دي لوحدها مش كفاية قدام النيابة.
—الست وردة جابت سيرة عيلة اسمها عيلة الشربيني.
​حازم ضم شفايفه وسكت شوية.
—في عيلة الشربيني معروفة جداً هنا في القاهرة… عندهم بنت عندها 17 سنة، اسمها فريدة.
​إيدين مريم ثلجت في ثانية.
​في نفس الليلة، قعدت تدور على الاسم على الفيس بوك والإنستجرام. لقيت صورة من معرض مدرسي في مدرسة إنترناشونال في التجمع. بنت شعرها أسود وموج، ماسكة شهادة تقدير في التصميم. بتدحك بكسوف. وفي رقبتها سلسلة ذهب رفيعة. مريم كبّرت الصورة على الشاشة… عند الترقوة الناحية الشمال، كان في حسنة طويلة صغيرة، نفس الحسنة اللي عند مريم بالظبط.
​كتمت بوقها بإيدها وقعدت تعيط في الصمت عشان صوتها ميعلاش.
​تاني يوم الصبح راحت قدام المدرسة. وقفت الناحية التانية من الشارع، لابسة نظارة شمس سودا، حاسة بالذنب والجنون في نفس الوقت. فريدة خرجت مع اتنين صحابها، بيضحكوا وشايلة فايل مليان رسومات. في حركاتها وطريقتها كان في حاجة من مريم وهي عندها 20 سنة… وفي طريقة مشيتها، حاجة من شريف. مشيت وراها لحد كافيه قريب. فريدة سابت شنطتها مفتوحة على الكرسي، وكان طالع من الجيب الجانبي فرشة شعر بنبي.
​مريم كانت عارفة إن اللي بتعمله ده غلط. عارفة إن المحامي حازم كان هيزعق ويقولها بلاش. بس برضه كانت عارفة إنها مش هتقدر تعيش يوم واحد زيادة وهي مش متأكدة. قربت، سحبت الفرشة بسرعة، ومشيت وهي بتجري تقريباً.
​معمل تحاليل خاص أكد اللي قلبها كان عارفه ومبتديهوش شك: نسبة الأمومة البيولوجية قاطعة. فريدة بنتها.
​مريم كان نفسها تجري تاخدها في حضنها، تحكيلها كل حاجة، تطلب منها السُماح إنها مدورتش عليها من زمان. بس لما راحت قدام فيلا عيلة الشربيني عشان تشوفها بس من بعيد، اتفاجئت بلمحة قطعت قلبها نصين.
​فريدة دخلت الجنينة، وست —هالة الشربيني— خرجت تستقبلها. البنت رمت نفسها في حضنها زي العيلة الصغيرة التعبانة. هالة حضنتها بحنية طبيعية جداً، حنية أم بجد، لدرجة إن مريم اضطرت تستخبى ورا شجرة عشان متقعش على الأرض من طولها.
​فريدة حية يرزق… بس مش لوحدها. عندها أم تانية.
​بالليل، مريم اتكلمت مع طارق الشربيني، الأب المربي، برة مكتبه. ورته صور من الحظاظة والسلسلة ونتيجة تحليل الـ DNA اللي عملته.
​—أنا مش جاية أخدها منكم —مريم قالت بصوت مبحوح— أنا بس عايزاها تعرف إني عمرى ما رميتها ولا استغنيت عنها.
​طارق وشه جاب ألوان وعرق.
—إحنا اتقالنا إن أمها الحقيقية اتخلت عنها ورspace مكتوبة تنازل! دفعنا للمحامين والمكاتب مصاريف وأتعاب… عمر محد قالنا إنها مسروقة!
—أنا ممضيتش على ورقة واحدة في حياتي.
​الراجل سكت، وكان باين عليه إن حياته كلها بتهد فوق دماغه في ثواني.
​بعدها بساعات، هالة كلمت مريم في التليفون وصوتها بيترعش من الغضب:
—أنتي مالكيش أي حق تظهري دلوقت وتدمرى حياتنا!
—أنتم سرقتوا بنتي مني!
—أنا اللي ربيتها! أنا اللي وديتها للدكاترة، أنا اللي سهرت جنبها في السخونية، أنا اللي حضرت كل حفلاتها ومراحل حياتها! أنتي كنتي فين طول السنين دي؟!
​مريم قفلت عينيها والدموع نازلة:
—كنت بتعذب وببكي قدام قبر فاضي.
​الناحية التانية سكتت خالص ومردتش.
​تاني يوم، حماتها —حكمت— ظهرت في الشقة من غير ما تستأذن. دخلت بفرعنتها كأنها لسه صاحبة البيت والمتصرفة فيه.
​—بطلي نكش ودعس يا مريم… اعقلي.
—يبقى الكلام صح… أنتوا اللي عملتوها.
​الحماة ابتسمت باحتقار وسخرية:
—البنت دي عاشت حياة نضيفة وأحسن بكتير من اللي كانت هتعيشها معاكي. بلاش تخربي عليها وعينك الفارغة دي تطولها بسبب أنانيتك.
—قبضتم كام فيها؟ كام التمن اللي بعتوا بيه بنتي؟
​القلم نزل على وش مريم بصوت فرقعة مكتومة. مريم مرجعتش خطوة ورا. سحبت تليفونها من جيبها وشغلت مسجل الصوت.
​—قوليها تاني كده؟
حكمت اتسمرت مكانها والدم هرب من وشها.
—أنتي اتجننتي ولا إيه؟
—كرري اللي قولتيه تاني… وعودي فكريني أنتي عرفتي منين أنا بتكلم عن أنهي بنت؟ أنا عمري ما جبتلك سيرة إن اسمها فريدة!
​لون وش حكمت اتخطف تماماً. مريم فهمت في اللحظة دي إنها زنقتها في خانة اليك ومسكت عليها الدليل.
​في نفس الليلة، جيلها إشعار على الإيميل المشترك: شريف غير معاد الطيران بتاعه. حجز على أول طيارة وراجع بكرة الصبح.
​وقبل ما مريم تلحق تجمع أفكارها أو تتصرف، سمعت صوت المفتاح بيدور في باب الشقة…الجزء الثالث والأخير
​الباب اتفتح. شريف دخل الشقة، وعينيه على طول جات على مريم. كان شكله متوتر ووجهه شاحب، باين عليه إنه جايب أخبار من أمه ومخضوض.
​سحب الشنطة ورماها على الأرض، وقرب منها بصوت مشحون:
—مريم… أمي كلمتني. إيه الكلام الفارغ والتهاريف اللي بتقوليها دي؟ أنتي اتجننتي رسمياً ولا إيه الحكاية؟
​مريم كانت قاعدة على الكرسي، هادية، أهدى من أي وقت عدى في حياتها. رفعت عينها فيه وبصتله بمنتهى الثبات:
—أنا متجننتش يا شريف. أنا بس لسه فاقت من غيبوبة عشتها معاك 17 سنة.
​شريف زعق وفقد أعصابه:
—غيبوبة إيه وزفت إيه! أنتي رايحة تتبلي على الناس وتدوري ورا عيلة الشربيني وترهبيهم؟ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ أنتي حتة واحدة مكسورة على كرسي بعجل، مالكيش أي قيمة ولا تقدري تعملي حاجة!
​مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وسحبت التليفون من جيبها. ضغطت على تشغيل الصوت.
​صوت أمه “حكمت” طلع من السماعة واضح ونقي: “البنت دي عاشت حياة نضيفة وأحسن بكتير من اللي كانت هتعيشها معاكي… بلاش تخربي عليها بسبب أنانيتك.”
​وش شريف اصفرّ، والكلمات اتجمدت في زوره.
​مريم كملت بثبات:
—المكالمة دي، مع تسجيل الست وردة الممرضة، مع نتيجة الـ DNA القاطعة، مع إقرار طارق الشربيني في النيابة إنكم أخدتم فلوس تحت مسمى “مصاريف إدارية وتنازل”… كل ده مع الأستاذ حازم صلاح المحامي دلوقت. والنيابة العسكرية والمدنية اتبلغت بقضية خطع وتزوير وأتجار بالبشر.
​شريف هجم عليها وكان هيسحب التليفون:
—هاتي التليفون ده يا مجنونة!
​في نفس اللحظة، الباب اتفتح بقوة. دخل الأستاذ حازم ومعاه اثنين من رجال الشرطة بزي رسمي.
​الملازم أول قرب من شريف وقال بصرامة:
—أستاذ شريف رمضان؟ مطلوب القبض عليك وعلى السيدة حكمت عبد السلام بتهمة التزوير في أوراق رسمية والاتجار بالأطفال والتستر على جناية. اتفضل معانا من غير وش.
​شريف بصلها ووشه كله رعب، حاول يتكلم:
—مريم! أنتي بتعملي إيه؟ أنا جوزك! أنا شريف!
ردت عليه وهي بتبصله بقرف:
—أنت كنت الكابوس اللي صحيت منه يا شريف.
​بعد ستة أشهر…
​في قاعة محكمة جنايات القاهرة بالتقسيم الخامس.
​الست حكمت كانت قاعدة في قفص الاتهام ووشها في الأرض، وشريف جنبها انكسرت عينيه وشعره شاب في شهور القضايا والتحقيقات. القاضي نطق بالحكم: السجن المشدد 15 سنة لشريف وحكمت، مع سحب رخصة ممارسة المهنة للممرضة وردة وحبسها 10 سنين، ومصادرة كل أموالهم وممتلكاتهم لصالح التعويض.
​خارج القاعة، كانت مريم واقفة على حيلها بفضل جلسات العلاج الطبيعي المكثفة، ماسكة عكاز بسيط بتتسند عليه.
​طارق وهالة الشربيني كانوا واقفين بعيد ومعاهم فريدة.
​فريدة قربت بخطوات بطيئة من مريم. عينيها كانت مليانة دموع، بس فيها نظرة إدراك وفهم. بصت للحسنة اللي عند ترقوة مريم، وبعدين بصت في عينها.
​مريم كانت بتترعش، بس مسكت نفسها وقالت بصوت واطي:
—أنا عمري ما بعتك… ولا عمري نسيتك يوم واحد.
​فريدة قربت خطوة ودمعة نزلت من عينها:
—أنا عرفت كل حاجة… وعرفت إنك فضليتي تحاربي عشان الحقيقة.
​هالة الشربيني قربت بحذر، وقالت لمريم:
—فريدة بنتك يا مريم… وبنتنا. إحنا مش هنقدر نلغي السنين اللي فاتت، بس مش هنحرمك منها أبداً بعد النهارده.
​مريم هزت رأسها بالقبول، وفريدة أخدتها في حضن دافي… حضن انتظرته مريم 17 سنة كاملة.
​خرجت مريم من باب المحكمة للشمس والهوا النظيف. كانت عارفة إن الطريق لسه طويل عشان ترمم جروح السنين، بس لأول مرة من 17 سنة… كانت بتتنفس وهي حرة، وبنتها جنبها، والحق رجع لأصحابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *