خطيبي حصري لصفحة روايات رولا

​— يعني هي اللي عملتها؟ — نيرة طالعة بصوت مخنوق.
​— هي اللي نفذت — قال آسر — بس كان لازم تاخد صلاحية من حد.
​الإيميلات اللي استرجعوها كشفت المستور. مكرم لما كان مهندس صغير، اكتشف إن إيقاف الخط لتعديل المعدن هيكلف الشركة ملايين ويهد اسم عيلته. عشان كده أدى لميرفت الباسوردات وطلب منها “تظبط الأرقام” عشان المشروع يعدي.
​هم مكنوش يقصدوا يقت..لوا المهندس حسين كامل.
بس عملوا ما هو أوسخ: كانوا عارفين إن المعدن ينفجر، وعرفوا إن حسين كشفهم، وتجاهلوا أرواح الناس عشان الفلوس والمنظرة.
​وحسين كامل مات بعد التزوير ده بـ 3 شهور جوة الأوضة!
​نيرة أخدت نسخة من التقرير وراحت لبيت أمها. أمها قعدت في المطبخ، ومسكت كوباية الشاي اللي بردت في إيدها وقرت كل كلمة.
​— يعني… يعني حسين كان صح؟ — قالت أمها وهي بتترعش.
​نيرة هزت رأسها.
​أمها مدمعتش في الأول. مشيت إيدها على توقيع جوزها في آخر الورقة الأصلية:
— طول السنين دي كنت بقول يمكن هو اللي غلط في الحسابات وعشان كده الشركة اتكتمت على الموضوع… كنت بلومه في سري إنه سابنا ومشي.
​الكلام ده قطّع قلب نيرة:
— يا أمي… بابا كان بيحاول يمنع الكارثة.
​أمها حضنت التقرير على صدرها وعيطت بحرقة:
— أنا عارفة… ودلوقتي لازم الكل يعرف.
​في المحكمة، مكرم كان شخص تاني خالص. من غير البدلة الشيك، ومن غير نفوذ عيلته. ميرفت كانت بتعيط بتوسل.
​القاضي قرا الاتهامات: التزوير الفني، سرقة مجهود الغير، النصب، محاولة إتلاف أدلة، والقت..ل الخطأ والإهمال الجسيم الناتج عنه وفاة المهندس حسين كامل.
​مكرم بص لنيرة وقال بصوت مكسور:
— أنا مكنتش اعرف إن أباكي هيموت!
​نيرة بصت له ببرود:
— وبابا مكنش يعرف إنكم بتغيروا في أرقامه عشان شوية فلوس.
​— كانت غلطة!
​— الغلطة إنك تتلغبط في جمع رقمين… لكن إنك تشوف الصح وتمسحه بصلافة، دي جر..يمة.
​النيابة العامة أمرت بالتحفظ على أموال الشركة، وقف المشروعات، وجر ميرفت ومكرم للسجن.
الحاج إسماعيل رفض يتدخل أو يدفع كفالة لمكرم.
— العيلة اللي تخبي العار عشان اسمها، ماتستحقش تحمل الاسم ده من الأساس.
​حق المهندس حسين كامل رجع، ونيرة أخدت التعويض المالي وادت جزء لأمها، والجزء الثاني عملت بيه بؤرة ودعم للمهندسين الشباب اللي بيكشفوا الفساد في المصانع.
​لما اقترحوا يسموا المعمل الجديد باسم “الدمرداش”، نيرة رفضت.
— هيتسمى “معمل المهندس حسين كامل”.
​آسر ابتسم وقالها:
— ده الاسم الصح.
​بعد شهور، نيرة زارت أوضة الاختبارات القديمة اللي أتقفلت. كان محطوط قدامها لوحة رخام فيها اسم باباها وملخص للي عمله.
​قعدت على الدكة وعيطت… مش حزناً، لكن ارتياحاً.
آسر جه وقعد جنبها من غير ما يتكلم ولا يقول كلام ملهوش لازمة.
​بعد شوية، نيرة حطت رأسها على كتفه:
— كنت فاكرة إني لما أثبت حقه هيرجعلي.
​— وما رجعش؟
​— مش هيرجع لحضني… بس رجعت له كرامته.
​آسر مسك إيدها:
— واسمه يفضل مرفوع.
​الفرح مكنش في فندق 5 نجوم، ولا في فيلا التجمع. نيرة اختارت يكون في بيت أمها في منطقة شعبية هادية. كان في أكل بيتي، وأغاني دافية، والجيران معازيم.
​الحاج إسماعيل جه بدري، وقرب من نيرة قبل كتب الكتاب:
— أنا آسف يا بنتي. كنت فاكر إن مساعدتك هي إني أدخلِك عيلتنا… بس اكتشفت إن إحنا اللي كنا محتاجين نتعلم منكِ يعني إيه أصل وكرامة.
​نيرة بصت له باحترام:
— بابا كان بيحترم الراجل اللي بيعرف يرجع عن غلطه.
​لما جه وقت الوعود، آسر بص لنيرة وقالها:
— أنا دورت عليكِ ثلاث سنين من غير ما أشوف وشك… ولما لقيتك، عرفت إن الصعب مش إني ألاقيكِ، الصعب إني أكون راجل يستاهل يقف جنبك من غير ما يحاول يغيرك.
​نيرة ابتسمت:
— وده كلفك عربية هدايا رجعتلك في نفس اليوم!
​الناس ضحكت.
​نيرة مسكت إيده وكملت:
— وأنا اتعلمت إن العلاقات الحقيقية مش إن حد ينقذ الثاني… العلاقات الحقيقية إن محدش يصغّر نفسه عشان الثاني يبان كبير.
​بعد ما الفرح خلص، نيرة راحت للبلكونة الصغرة اللي فيها صورة باباها وهو لابس الخوذة وبيبتسم.
​من خمس سنين، مكرم فهمها إنها ولا حاجة من غيره.
وبعدين دفع لها فلوس عشان تختفي.
وبعدين حاول يسرق عرقها وشغلها.
​وفي الآخر… العيلة اللي كانت شايفاها “أقل من مستواهم”، اكتشفت إن مجدها كان مبني على حساباتها هي، وعلى حقيقة حماها باباها بدمه.
​نيرة حطت إيدها على الصورة وابتسمت.
باباها رجع له اسمه…
شغلها رجع لصحابته…
واللي ظلموا أخدوا جزاءهم.
​وهي… اختارت الراجل اللي يحترمها ويصونها من غير ما يستغيث بفلوسه ولا بنيابه.
​آسر جه وقف وراها:
— جاهزة يا نيرة؟
​نيرة بصت لصورة باباها للمرة الأخيرة، ولفّت لآسر وهي مسكة إيده:
— جاهزة.
​عشان في ناس فاكرة إن الفلوس والنفوذ بيحددوا قيمة البني آدم… بس في الآخر، الحقيقة هي اللي بتتكلم، والكدب بيموت، وأي حد حاول يصغّرك، بيكتشف في الآخر إنه كان أصغر بكثير من إنه يفهم قيمتك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *