وهم الام ج2 حصري لصفحة روايات رولا

​”كل اللي طلبتيه جوة هنا،” طارق قالها بهدوء، وموطي صوته. “سحبت الشيت بتاع الاستقبال اللي ماضيه دكتور الطوارئ الأولاني. مكتوب فيه بوضوح إنها حالة روتينية لالتهاب زايدة دودية خفيف. وطبعت كمان السجل الإلكتروني الكامل (الـ Audit log). فيه التواريخ بالساعة والدقيقة، والملاحظات الطبية اللي اتعدلت، وبيانات دخول حاتم الشخصية وهو بيمسح التشخيص الأولاني وبيكتب مكانه أزمة قلبية حادة.”
​كسرت البرشام الأحمر بصباعي وطلعت الورق الأبيض النضيف. العلامة المائية بتاعة إدارة المستشفى كانت مطبوعة بوضوح على كورنر كل صفحة. ده كان دليل مادي، ملموس، ولا يقبل الشك على جر\يمة تزوير وجناية فكدرالية (جناية كبرى).
​”شكراً يا طارق،” قلتها وأنا برجع الورق بحرص جوة الظرف وبحطه تحت باطي. “إنت أنقذت حياتي.”
​هز رأسه مرة واحدة، ولف عشان يرجع للباب. “اعملي اللي لازم تعمليه يا شيرين. احرقيهم.”
​الباب التقيل قفل وراه. وقفت لوحدي في الممر الهادي، ماسكة الظرف بقوة على ضلوعي. الس\لاح القانوني بقى متذخر، متوثق، وجاهز للضرب. الإعدام هيبدأ.
​الفصل الخامس: حُكم محامية الشركات
​بالظبط الساعة حداشر الصبح، الأبواب الإزاز الأوتوماتيك بتاعة قسم الطوارئ بدأت تفتح وتقفل على طول مع هجوم الناس اللي داخلة.
​طنط سعاد، وعمو حسن، وكذا حد من ولاد عمي جريوا في الممر، وشوشهم كانت مخطوفة وشاحبة من القلق، وبيهمسوا لبعض برعب. حجم الناس عمل زحمة وخنقة عاطفية برة غرفة 412. وقفت بهدوء جنب محطة التمريض، براقبهم، وحاضنة الظرف المقفول في جنبي كأنه درع.
​جوة الأوضة، سوسن كانت بتقدم أداء عمرها. كانت نايمة مسطحة تماماً على السرير، ومغمضة عينيها بقوة كأن نور النيون بيوجعها. كانت بتطلع أنات ضعيفة ومقطعة كل ما حد من القرايب يقرب من السرير يلمس إيدها.
​هشام كان واقف جنب مخدتها بالظبط. كان ماسك كتفها بمسكة حماية وطمأنينة، وبيهز رأسه بحزن لقرايبهم اللي بيوصلوا، وبيهمس لهم قد إيه هي صابرة وقوية. لعب دور الابن البار المخلص بامتياز.
​وبعدين، الحاج محمود شق الزحمة ودخل.
​أبويا كان باين عليه إنه كبر عشر سنين عن الصبح. صدره كان بيعلى ويوطى وهو بيجري جوة الأوضة، والجاكيت بتاعه مبهدل. انهار على الكرسي البلاستيك اللي جنب سوسن، ومسك إيدها وباسها وحطها على جبهته بيأس. كان مكسور القلب تماماً، وبيترعش ومش قادر يسيطر على نفسه وهو بيهمسلها إن كل حاجة هتبقى كويسة، وإنه مش هيسيبها تروح منه.
​وفي اللحظة المناسبة بالظبط، دكتور حاتم دخل الأوضة ماسك اللوح الطبي الرسمي بتاعه. على صوته عشان يخاطب المكان الزحمة واللي كله عياط، وأعلن بسلطة قاطعة إن فريق الجراحة جاهز تماماً، بس محتاجين تصريح الدفع الفوري قبل ما ينقلوا المريضة للعمليات.
​الحاج محمود وقف فوراً، ووقع الكرسي وراه بصوت عالي. إيديه كانت بتترعش بعنف وهو بيمد إيده في جيبه اللي ورا وبيطلع محفظته الجلد. طلع منها فيزا كارت ودفتر شيكات مكرمش.
​”محتاج كام دلوقتي حالاً؟” محمود زعق، وصوته كان مليان دموع ويأس. “هدفع العربون كله النهاردة. خد الفيزا. خد شيك. بس دخل مراتي أوضة العمليات دي قبل ما قلبها يقف! مش فارق معايا هتكلف كام!”
​هشام ودكتور حاتم اتجمدوا تماماً.
​لمحة من الرعب الحقيقي غير المتصنع ظهرت على وش هشام. هو عارف إن حسابات أبوه مربوطة بفلوس المعاش اللي هو لسه سارقها بحوالة بنكية مزيفة. لو محمود حاول يدفع مبلغ ضخم دلوقتي على كاونتر الحسابات، العملية هتترفض فوراً (هتباونس). الرفض ده هيعمل إنذار سرقة، وهيكشف إن فلوس المعاش اتبخرت قبل ما نصبة العملية الكدابة تخلص والفلوس تتغسل.
​دكتور حاتم خطى لقدام بسرعة، ورفع إيده عشان يمنع محمود جسدياً إنه يخرج من الأوضة.
​”يا فندم، لو سمحت شيل محفظتك. مش هينفع تدفع إنت،” حاتم أمره.
​”يعني إيه مش هينفع أدفع؟” محمود زعق، ولخبطته قلبت بغضب. “دي مراتي! اسحب الفيزا الزفت دي!”
​”سياسة حسابات المستشفى صارمة جداً بخصوص العمليات عالية المخاطر،” دكتور حاتم كدب، وحافظ بنعومة على شخصيته الطبية السلطوية. “الأستاذة شيرين مضت بالفعل على إقرار المسؤولية المالية بصفتها الضامن الأساسي. وحسب قوانين الرعاية الصحية، بمجرد ما يتسجل ضامن قانوني على السيستم، المصاريف لازم تتسحب مباشرة من حساباته الموثقة. لو قبلنا دفع من طرف تالت دلوقتي هنضطر نلغي العقد الجراحي، ونعمل ورق جديد، وده هيأخر العملية ساعات.”
​هشام مسك دراع أبوه فوراً، وشده بعنف لورا ناحية السرير. “يا بابا، اسمع كلام الدكتور! شيل دفتر الشيكات ده. إنت راجل على المعاش. معندكش سيولة تغطي 155 ألف دولار النهاردة. العملية هتترفض وهنضيع وقت غالي مش عندنا! عايز تكون إنت السبب لو ماتت هنا؟”
​هشام لف وشاور بصباعه زي السيف ناحيتي، وأنا واقفة على باب الأوضة.
​”شيرين بتقبض فلوس محامين شركات،” هشام هوهو. “هي مضت الورق خلاص. هي التزمت بالدفع. سيبها هي تشيل الحمل المالي التقيل ده. إنت بس ركز في إنك تمسك إيد ماما.”
​راقبت الحوار ده من على الباب، ومسكتي زادت على الظرف البني لحد ما الورق كرمش. حجم الخبث والشر في خطتهم بقى مكشوف ومرعب تماماً. هشام سرق شقى عمر أبوه خلاص. ودلوقتي، بيمنعه بشراسة إنه يكتشف إن حساباته فاضية، وفي نفس الوقت بيحشرني في الكورنر عشان أتدبس في دين طبي ضخم.
​محمود بصلي، وإحساس بالذنب مالي وشه المتغرق دموع. حاسس إنه ملوش لازمة، ومش فاهم أصلاً إنه اتدبح مالياً خلاص.
​”شيرين!” هشام زعق بصوت عالي، بيطلب انتباه العيلة المصدومة كلها. “الجراح مستني! هاتي الفيزا بتاعتك وادفعي الفاتورة عشان يلحقوا ينقذوا أمنا!”
​وفي اللحظة بالظبط اللي هشام زق فيها إيد أبويا عشان يمشيني أنا ناحية كاونتر الحسابات، أخدت خطوة محسوبة لورا في الممر ورفعت الظرف البني المقفول عالي في الهوا.
​قطعت اللزق، وطلعت رزمة الورق المطبوع.
​الهمهمة والعياط بتوع العيلة سكتوا تماماً وفي لحظة. كله لف يبصلي، حاسين بتغيير مفاجئ وعنيف في الجو. حرارة الأوضة نزلت عشر درجات.
​”محدش هيدفع لعمليات النهاردة،” أعلنتها. صوتي مكنش بيترعش. كان مصلوب من حديد بارد، وبيرن بحدة في الممر.
​دكتور طارق خطى من وسط الزحمة، ووقف جنبي بالظبط. بادج الإدارة بتاعه كان واضح على صدره. بص لمحمود مباشرة، وبعدين وجه كلامه لدايرة القرايب المتلخبطين.
​”أنا رئيس قسم إدارة المعلومات الصحية في المستشفى دي،” طارق قالها بنبرة شايلة سلطة مطلقة ومفيهاش فصال. “أنا راجعت بنفسي أشعة الاستقبال الأصلية وملاحظات دكتور النبطشية. المريضة معندهاش أزمة قلبية. عندها التهاب بسيط في الزايدة. محتاجة أدوية عادية، مش أوضة عمليات. هي مش في أي خطر على الإطلاق.”
​شهقة جماعية شقت الزحمة. طنط سعاد حطت إيديها الاتنين على بوقها. عمو حسن رجع خطوة لورا من الصدمة. هشام اتجمد، وإيده لسه متعلقة في الهوا.
​دكتور حاتم نفخ صدره فوراً، ووشه قلب أحمر دم، وفتح بقه عشان يدي إنكار طبي معقد وصوته عالي عشان يكدب طارق.
​ماديتلوش الفرصة دي أصلاً.
​طلعت تليفوني من جيبي، عليت الصوت للآخر، ودوست بلاي على ملف الصوت.
​التسجيل ضرب بوضوح جوة الصمت الخانق والمشدود اللي في الأوضة.
​”إنت متأكد إن الفلوس مضمونة؟” صوت دكتور حاتم المتسجل قالها بتوتر.
​”هتمضيلك على إقرارات المسؤولية. هي دايماً بتدفع،” صوت هشام المغرور رد عليه.
​وبعدين، صوت سوسن اللي ميتوهش ملى الهوا، بينقط استحقاق وجشع.
​”خليك فاكر تخلي نسبتي على جنب. أنا مش هقعد على السرير المقرف ده طول اليوم ببلاش.”
​العيلة كلها اتسمرت مكانها مشلولة.
​على السرير، عينين سوسن فتحت على آخرها. الست اللي كانت بتموت قعدت مصلوبة، والإرهاق المزيف اتبخر فوراً. كانت بتبص على التليفون اللي في إيدي، والدم هرب من وشها، وفكها سقط من الرعب.
​وقبل ما دكتور حاتم يحاول حتى يرتب دفاع قانوني أو يهرب من الأوضة، رزعت سجل البيانات المطبوع (الـ Audit log) على الترابيزة اللي بعجل جنب السرير.
​”دي الميتاداتا بتاعة المستشفى،” قلتها ببرود، وأنا بخبط بصباعي على سطور الأكواد والكلام المتظلل. “دي بتثبت إن دكتور حاتم استخدم اليوزر والباسورد بتوعه عشان يمسح تشخيص الزايدة ويكتب بإيده تشخيص أزمة قلبية حادة. هو ارتكب جناية تزوير طبي فكدرالية من 42 دقيقة بالظبط، فوراً بعد ما اتفق على الرشوة الكاش بتاعته.”
​الدم كله اتسحب من وش دكتور حاتم. الغرور المهني بتاعه انهار واتحول لرعب حيواني خام. رجع لورا بظهره، وخبط في أجهزة القياس، ومش قادر ينطق كلمة واحدة مفهومة. هو عارف إن مستقبله انتهى للأبد.
​محمود فضل باصص على الورق المطبوع اللي على الترابيزة. بص على تسجيل الصوت اللي لسه شغال على تليفوني، وبعدين لف ببطء وعذاب عشان يبص لابنه.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *