وهم الام ج2 حصري لصفحة روايات رولا

​صدره كان بيعلى ويوطى والواقع المرعب أخيراً بيركب في مكانه. حتت البازل اتجمعت في عقله.
​”عربون المستشفى الطارئ…” محمود همس، وصوته بيترعش بمزيج مدمر من الحزن والغضب اللي بيفور. “التحويل اللي أنا بعته الصبح. ده مكنش لإدارة المستشفى. مكنش لفريق الجراحة. إنت سرقت فلوس معاشي عشان تسدد للبلطجية بتوعك.”
​هشام لزق في الحيطة، متحاصر تماماً بالنظرات القرفانة والغاضبة بتاعة لحمه ودمه. مفيش أي مفر. ولما أدرك إن خطته العبقرية اتفجرت في وشه تماماً، لف فوراً على شريكته عشان ينقذ جلده.
​”متبصوليش كده!” هشام زعق، وبيشاور بصباع بيرتعش مباشرة على سوسن اللي على السرير. “دي كانت فكرتها! هي اللي طلبت نسبة من النصبة دي عشان تشتري شنط ماركات وتحجز إجازة في حتة غالية! هي اللي دبرت الليلة دي كلها!”
​سوسن صرخت بغل، ودلدلت رجليها من على السرير، وكان شكلها بصحة زي الفل. “يا عاق يا جاحِد!” صرخت، وبتشاور عليه هو كمان. “إنت اللي شديتني في القرف ده عشان عليك فلوس لمجرمين وبلطجية! إنت اللي لبستني العمة!”
​الاتنين مسكوا في بعض ومزقوا بعض في نص الأوضة، بيشتموا وبيفضحوا جشع بعض أكتر. كانوا بيصرخوا فوق صوت بعض، بيحاولوا بيأس يرموا اللوم على أي حد تاني.
​الفصل السادس: تصفية الحسابات
​بالرغم من صريخ مراته وابنه اللي كان مسمع الممر كله، أبويا فضل واقف مكانه ساكت، وعينيه كانت فاضية تماماً.
​دوشة الخناقة بتاعتهم أخيراً جابت النتيجة المتوقعة. اتنين عساكر أمن مستشفى بأسلحتهم، معاهم مدير الإدارة، زقوا العيلة المصدومة ودخلوا.
​دكتور طارق طلع لقدام فوراً، وادى لمدير الإدارة السجلات المطبوعة وشيت الاستقبال الأصلي. واداله ملخص سريع وعملي للموقف.
​المدير بص في الورق، ووشه خشب وبقى ماسك من الغضب الإداري الصافي. لف مباشرة ناحية دكتور حاتم، اللي كان بيترعش في الكورنر.
​”سلم الكارنيه والبادج بتوعك،” المدير أمره بحدة. “إنت موقوف عن العمل بدءاً من اللحظة دي. الأمن هيطردك برة المبنى. الشئون القانونية بتاعتنا هتقدم السجلات دي لمباحث زايد. إنت هتواجه تهم جنائية بالتزوير الطبي والشروع في النصب على التأمين.”
​دكتور حاتم مجادلش. فك الكارنيه بتاعه بإيدين بتترعش، ورماه على البلاط، وساب الأمن يمشيه برة القسم، وراسه كانت موطية في فضيحة مطلقة.
​السحب الجسدي المفاجئ لشريكهم الطبي سكت سوسن وهشام فوراً. لفوا للعيلة، وبدأوا يستوعبوا الواقع القانوني والاجتماعي اللي بينهار فوق دماغهم.
​محمود أخيراً بربش بعينه، وطلع من حالة الصدمة. فرد ضهره، وكأنه بيسترد كرامته. مزعقش. معيطش. هو اتكلم بنهاية قاطعة وباردة عمري ما سمعتها منه قبل كده.
​”أنا هكلم المحامي بتاعي أول ما أطلع من باب المستشفى يا سوسن،” محمود قالها، وهو باصص مباشرة في عين مراته المرعوبة. “أنا هرفع ق\ضية طلاق. مش هتشوفي مني مليم أحمر تاني.”
​وبعدين نقل نظرته لهشام. “وإنت. إنت سرقت شقى عمري عشان تدفعه لمجرمين. أنا هشطب اسمك من الميراث النهاردة. إنت مبقتش ابني.”
​سوسن شهقت، وحطت إيديها على بوقها، وهشام رجع لورا وكأنه انضرب بمضرب بيسبول في وشه.
​الاتنين بصولي، عينيهم كانت واسعة بتوقع يائس ومثير للشفقة. أنا كنت حبل النجاة الأخير بتاعهم. أنا محامية الشركات. أنا اللي بحل المشاكل. أنا اللي دايماً بنضف وراهم وبدفع الفواتير.
​بصيتلهم هما الاتنين، ومحسيتش بأي حاجة خالص. لا شفقة، لا إحساس بالذنب، بس إحساس طاغي بالقفل والنهاية.
​”إياكوا حتى تفكروا تطلبوا مني حاجة،” قلتها بحزم، وقطعت كلام هشام قبل ما يفتح بقه عشان يشحت مني. “أنا مش هدفع فواتير المستشفى بتاعتكم. مش هدفع للبلطجية بتوعك. مش هترافع عن أي حد فيكم في المحكمة لما البوليس يوصل عشان يحقق في النصبة دي. بداية من اللحظة دي بالظبط، أنا بقطع أي دعم مالي ليكم. هعمل بلوك لأرقامكم إنتو الاتنين. إنتو بطولكم من هنا ورايح.”
​هشام مد إيد بتترعش. “شيرين، أبوس إيدك، البلطجية هيقتلوني—”
​”حل مشاكلك بنفسك،” قاطعته ببرود.
​لفيت لباقي العيلة. طنط سعاد هزت راسها بقرف شديد، وهي بتمسح دمعة. عمو حسن تف على الأرض جنب جزمة هشام. ومن غير ما ينطقوا كلمة وداع واحدة، العيلة كلها لفت وادتهم ضهرها. مشيوا في الممر ككتلة واحدة، وسابوا سوسن وهشام معزولين تماماً.
​محدش عرض عليهم توصيلة. محدش عرض يسلفهم. محدش حتى اتعاطف معاهم.
​أخويا وأمي فضلوا واقفين لوحدهم في نص ممر قسم الطوارئ. سوسن لسه لابسة قميص المستشفى البهتان، وبدأت تستوعب إنها هتتعملها خروج رسمي بفاتورة مستشفى ضخمة من غير تأمين عشان قعدت في أوضة مش محتاجاها، غير تحقيق البوليس اللي مستنيها. هشام كان باصص في تليفونه، والواقع المرعب بتاع الديانة المجرمين اللي مستنيين فلوسهم بدأ يلحقه.
​تحالف الجشع بتاعهم انهار، وسابلهم بس العواقب الكارثية لأفعالهم.
​مبصيتش ورايا عشان أشوفهم وهما بيترعبوا. مشيت لحد محمود وشبكت دراعي في دراعه بالراحة.
​”يالا بينا نروح يا بابا،” قلتله بهدوء.
​هز رأسه مرة، وعصر على إيدي. مشينا سوا في ممر المستشفى الطويل المعقم، زقينا الأبواب الإزاز الأوتوماتيك، وخرجنا لشمس بعد الضهر المنورة.
​ولأول مرة من يوم ما كبرت، تليفوني مرنش عشان مصيبة. أخدت نفس من الهوا النضيف المغسول بالمطر، وأخيراً.. بقيت حرة وخلصت من الحمل السام بتاع إني أكون ماكينة سحب فلوس عميا لعيلة عمرها ما حبتني بجد. الدفتر اتصفى.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *