وهم الام ج١ حصري لصفحة روايات رولا
دكتور حاتم كان بينقل وزنه من رجل للتانية بتوتر. كان عمال يبص كل شوية على الشباك اللي باصص على الممر، وواضح جداً إنه بيعرق من حجم المخاطرة في العملية اللي هو بيسهلها دي.
”إنت متأكد إن الفلوس مضمونة؟” دكتور حاتم سأل، صوته كان واطي بس مشدود من القلق. كان بيخبط بقلم فضي على كليب بورد (لوح ورق طبي) فاضي بنغمة ثابتة. “دي مسؤولية كارثية يا هشام. تزوير حالة طوارئ قلب بالشكل ده، وتخطي بروتوكولات الطوارئ… لو نقابة الأطباء شمت خبر، هيسحبوا رخصتي وهلبس ق\ضية توديني السجن.”
هشام ضحك ضحكة قصيرة ومغرورة. وسند على الحيطة المعقمة بثقة ترعب.
”قلتلك امبارح يا دكتور، الفلوس مش هتبقى أزمة. أختي دي محامية شركات تقيلة. بتعمل فلوس تغطي الـ 150 ألف دولار وأكتر من غير ما تفلس. هتمضيلك على إقرارات المسؤولية المالية أول ما تحطها في وشها. دي متبرمجة إنها تحل مشاكلنا. هي دايماً بتدفع.”
دكتور حاتم أخد نفس حاد، وزق نضارته على مناخيره. “ماشي. بس أنا محتاج الإمضاء قبل ما أسجل التشخيص على السيستم.”
موجة من الغثيان والقرف ضربتني وأنا في الضلمة جوة الأوضة. أخويا شخصياً بيرشي دكتور بشري عشان يزور تشخيص يهدد الحياة! وأنا كنت الهدف.. أنا مكنة الـ ATM الساذجة اللي معمولة عشان تمول التشكيل العصابي ده.
لكن الأسوأ والأبشع كان لسه جاي.
سوسن (أمي) مسكت كوباية مية بلاستيك من على الترابيزة اللي جنبها بعفوية تامة. أخدت بق مية عشان تبل ريقها، ومش فارق معاها بربع جنيه جر\يمة الابتزاز اللي بتحصل عند رجل سريرها. بصت لابنها مباشرة، ووشها اتحول لماسك من الجشع الصافي.
”خليك فاكر تخلي نسبتي على جنب،” قالتها بتبجح وهي بتنضف ضوافرها. “أنا مش هقعد على السرير الناشف المقرف ده طول بعد الضهر، واكل جيلي مستشفيات ملوش طعم، عشان ولا حاجة في الآخر. أنا عايزة الـ 30 ألف دولار بتوعي يتحولوا على حسابي الجاري بكرة الصبح.”
الكلمات دي رنت في ودني زي مطرقة قاضي بتنزل على خشب.
نسبتي!
أمي مكنتش عروسة لعبة في إيد هشام بيستغلها. دي كانت شريكة أساسية وبكامل إرادتها! كانوا بيخططوا يسرقوا مني أكتر من 155 ألف دولار. الواضح إن هشام كان هياخد أغلبهم يسدد بيهم ديونه المخفية التقيلة، وسوسن كانت بتطالب بفلوس تدلع بيها نفسها لمجرد إنها لعبت دور المريضة اللي بتموت.
كل السنين دي. كل الأسابيع اللي كنت بشتغل فيها 80 ساعة. الإجازات اللي اتلغت، المواعيد اللي اتضربت، الإرهاق البشع اللي استحملته عشان أضمن إن عيلتي ميعوزوش أي حاجة—كل ده مكنش ليه أي قيمة عندهم. أنا كنت مجرد أصل مالي مستنيين يسيّلوه.
البنت المرعوبة الملهوفة اللي جت تجري في ممرات المستشفى ماتت جوة أوضة المستلزمات الضيقة دي. وفي مكانها، اتولدت محامية باردة، بتحسبها بالورقة والقلم، وما بتعرفش الرحمة.
أنا حافظة القانون صم. عارفة إني لو رفست الباب ده دلوقتي ودخلت واجهتهم، هينكروا كل حاجة فوراً. دكتور حاتم هيقول إني فهمت استشارة طبية معقدة غلط بسبب الهيستيريا. هشام هيطلعني مجنونة. وسوسن هتمثل فوراً إن جالها أزمة تنفس عشان تلم الناس وتكسب تعاطفهم.
كنت محتاجة دليل إلكتروني صلب وقاطع لا يقبل الشك. كنت محتاجة أسيبهم يمشوا بكل ثقة جوة الفخ اللي نصبوه بنفسهم.
مديت إيدي ببطء في جيب البليزر بتاعي. صوابعي عدت مفاتيح العربية ومسكت التليفون. طلعته، وسحبت الشاشة بسرعة عشان أخلي الإضاءة صفر. مكنش ينفع أخاطر بلمحة نور أزرق واحدة تكشف مكاني.
فتحت برنامج تسجيل الصوت المتشفر. صباعي فضل متعلق فوق زرار التسجيل الأحمر لجزء من الثانية قبل ما أدوس عليه. العداد الديجيتال بدأ يعد.
لزقت المايك في الشق بتاع الباب بالظبط. لقطت كل حرف بيتقال. التليفون سجل الزنة الثابتة لتكييف المستشفى، وصوت خروشة ورق التأمين المضروب اللي دكتور حاتم بيقلب فيه، والصوت البارد المغرور بتاع أخويا وهو بيأكد الخطة.
وقفت ثابته تماماً في الضلمة، بوثق اللحظة بالظبط اللي أهلي ودمي اتحولوا فيها لخصومي في المحكمة.
مرت كام دقيقة، والكلام برة أخد منحنى مفاجئ خلى الدم يتجمد في عروقي.
هشام طلع تليفونه من جيبه، ولف الشاشة لدكتور حاتم بابتسامة انتصار سمجة. “متقلقش من ناحية الكاش المبدئي بتاع أتعابك الشخصية،” هشام قالها بنعومة. “العربون قاعد في أمان في حسابي المتداري. الديانة بتوعي هياخدوا فلوسهم على الضهر.”
دكتور حاتم كشر، وكان باين إنه متلخبط بجد. “أنا افتكرتك قلت أختك هي اللي هتمول الليلة دي كلها.”
”هي هتدفع فاتورة المستشفى،” هشام رد وهو بيضحك ضحكة قاسية ومقرفة. “لكن الكاش بتاع ديوني أنا، ورشوتك اللي من تحت الترابيزة؟ أنا سحبتهم خلاص من مصدر تاني. أنا كلمت أبويا من ساعة.”