وهم الام ج١ حصري لصفحة روايات رولا
مسكتي في حلق الباب قفشت بعنف لدرجة إن ضوافري غرزت في الخشب.
أبويا، الحاج “محمود”، كان لسه طالع على المعاش بعد أربعين سنة طفح كوي وكسر ضهر في مصنع حديد وصلب. فلوس مكافأة نهاية الخدمة والمعاش بتاعه كانوا هما شبكة الأمان الوحيدة بتاعته. كان عايش على القد، بيحوش كل قرش عشان يعرف يرتاح أخيراً.
هشام كمل تفاصيل خطته القذرة، وصوته بينقط فخر مقرف. “كلمت الراجل العجوز وأنا في قمة الرعب. قلتله إن إدارة المستشفى رافضة تجهز أوضة العمليات إلا لو دفعنا كاش فوري ضخم تحت الحساب. حتى ماسألش في التفاصيل. من رعبه إنه يخسر مراته، حول جزء ضخم من فلوس معاشه بمحض إرادته على رقم الحساب المضروب اللي اديتهوله. التحويل سمّع من عشر دقايق.”
سوسن ضحكت ضحكة مكتومة واطية. “أبوك طول عمره ساذج بزيادة،” قالتها، ومش هاممها خالص إن جوزها اللي بقاله معاها 35 سنة لسه مسروق منه شقى عمره كله. “عمره ما بيعرف يتصرف تحت ضغط. كانت دي أحسن دخلة للخطة.”
غمضت عيني بقوة. دمعة من الغضب الصافي الحارق نزلت على خدي. محمود ده راجل طيب وأصيل. أكيد قاعد في حتة دلوقتي بيعيط على دركسيون عربيته، ومصدق إن حب عمره بتموت، ومش عارف أصلاً إن ابنه لسه مدمر مستقبله المالي كله.
دكتور حاتم اتنحنح بصوت عالي، ورجع الكلام للمشكلة القانونية اللي قدامهم. طلع رزمة ورق تخينة متدبسة في اللوح الطبي بتاع المستشفى وادى قلم لهشام.
”دي الاستمارة الرسمية للضامن المالي،” حاتم بدأ يوجهه بنبرة رجعت للجدية والمهنية المطلقة. “فلوس أبوك غطت مشاكل القمار بتاعتك وأتعابي اللي برة الدفاتر. لكن عملية قلب مفتوح مضروبة بالحجم ده هتطلع فاتورة رسمية من المستشفى معدية الـ 150 ألف دولار. لازم حد يشيل الليلة دي ويبقى مسؤول قانونياً عن الرصيد ده في نظام الحسابات بتاع المستشفى، وإلا الإدارة هتراجع العملية وتعمل جرد.”
هشام أخد الورق، ومشى صباعه لحد سطر الإمضاء اللي تحت خالص. “وده بالظبط دور شيرين. هي عمرها ما بتقرأ الكلام الصغير اللي تحت لما بتكون منهارة عاطفياً.”
”بالظبط،” دكتور حاتم أكد وهو بيظبط البالطو. “لما توصل، هتبقى عاطفية جداً، ومرعوبة، وضعيفة. استغل الرعب ده. ارزع الورق ده في إيديها واطلب منها تمضي فوراً. قولها الدكاترة مش هيقدروا يدخلوا يتعقموا من غيرها. بمجرد ما تمضي على السطر الأخير ده، إدارة حسابات المستشفى هتدبسها في الدين ده قانونياً.”
سماعي لميكانيكا الفخ بتاعهم بالمللي ولّع نار حسابية باردة في عقلي. بصفتي محامية شركات، أنا بتعامل مع العقود الملزمة، والإكراه، وبنود المسؤولية كل يوم. كنت عارفة كويس أوي الورقة دي بتمثل إيه في القانون.
بمجرد ما أمضي كضامن أساسي، هبقى مسؤولة كلياً وبشكل لا يمكن الهروب منه عن دين طبي مزور. لو رفضت أدفع للمستشفى بعدين، هيقدروا بسهولة يحجزوا على مرتبي في الشركة، ويحطوا حجوزات قانونية تقيلة على ممتلكاتي الشخصية، ويدمروا تصنيفي الائتماني تماماً.
عيلتي كانت بتدير هجوم مدمر ومزدوج بمنتهى الدقة. أولاً، دمروا أبويا مالياً، وسلبوه الفلوس اللي شقي فيها 40 سنة. ثانياً، كانوا بيجهزوني عشان ألبس أنا الحيطة القانونية الكارثية لباقي فاتورة عمليتهم المضروبة. كانوا بيفلسوا لحمهم ودمهم عشان يمولوا إدمان قمار ومستوى معيشة مرفه.
نزلت التليفون شوية، واتأكدت إن برنامج التسجيل لسه بيلقط كل نفس بياخدوه. العداد الديجيتال عدى الست دقايق.
كنت جمعت كل الأدلة الصوتية المادية اللي محتاجاها عشان أثبت الابتزاز، والاحتيال البنكي اللي اتعمل على أبويا، والجري\مة الطبية الشنيعة. حفظت ملف الصوت، وعملتله باك أب فوراً على سيرفر سحابي آمن ومتشفر.
أخدت نفس بطيء وعميق في الضلمة، ولجمت غضبي. الفخ اتنصب. دلوقتي، جه الوقت إني أخرج من الضلمة وأمشي برجلي جوة بق الوحش.
الفصل التالت: الشيطان في التفاصيل الإلكترونية
لما خطوات دكتور حاتم اختفت في آخر الممر، شيماء أخيراً فتحت السقاطة النحاس التقيلة بتاعة الأوضة. زقيت الباب وخرجت للممر المعقم واللي نوره كان بيعمي العين.
أخدت بالظبط تلات ثواني أظبط فيهم وضعي. أجبرت نفسي يكون سطحي، وسريع، ومقطوع. بربشت بعيني بقوة، وركزت في لمض النيون لحد ما الدموع اتجمعت في عيني وزغللت رؤيتي. رخيت كتافي، وحولت نفسي للأخت الصغيرة المرعوبة واليائسة اللي هما متوقعين يشوفوها بالظبط.
جريت على أوضة سوسن، وطلعت شهقة عياط مرتعشة ومحسوبة بالمللي وأنا بزق الباب على آخره.
هشام لف وشه فوراً، وبدأ يقدم أداء يستاهل عليه أوسكار للابن المنهار والمفجوع. مسك كتافي، وبص في عيني بعمق وبماسك من العذاب المزيف.
”شيرين، الحمد لله إنك وصلتي أخيراً،” قالها وهو بيخنق صوته. “قلبها بيقف. الصمامات بتنهار. محتاجين يدخلوها عمليات دلوقتي حالاً وإلا هنخسرها.”
خليت صوتي يشرخ، وسندت بتقل جسمي عليه كأن ركبي مش شيلاني. “فين الدكتور؟ المفروض نعمل إيه يا هشام؟ قولهم ينقذوها أرجوك!”
دكتور حاتم خطى لقدام من كورنر الأوضة، ووشه كان ماسك مثالي للاهتمام الطبي الجاد. مد إيده باللوح الطبي التقيل، وفيه قلم أزرق مشبوك فوق.
”إحنا بنخسر وقت غالي جداً،” دكتور حاتم قالها بنعومة، صوته كان فيه سلطة بس متعاطف. “فريق الجراحة جاهز في أوضة عمليات رقم 4، بس سياسة المستشفى بتحتم علينا وجود ضامن مالي أساسي في الملف قبل ما نقدر ندخل نتعقم. دي مسألة مسؤولية قانونية. امضي على الإقرار المالي هنا، ونقدر ننقذها.” شاور مباشرة على السطر الأخير تحت، وخبط عليه مرتين.
مابصيتش حتى على البنود. خطفت القلم من إيده وشخبطت فورمتي على الورقة بإيد بترتعش بعنف.
وأنا بردله اللوح، هشام طلع نفس طويل. ابتسامة انتصار ميكروسكوبية ظهرت على وشه لجزء من الثانية. الفخ قفل رسمياً. لقوا كبش الفدا القانوني بتاعهم.
”هاخد الورق ده للإدارة فوراً وأجهز أوضة العمليات،” حاتم قالها وهو بيحط اللوح تحت باطه وبيمشي بخطوات سريعة لبرة الأوضة.
هشام طبطب على ضهري، وعصر كتفي. “أنا هطلع برة أكلم بابا تاني. ده منهار خالص،” كدب بمنتهى السلاسة. “خليكي هنا. متزعجيهاش. هما مدينها مهدئات تقيلة ومحتاجة تحافظ على طاقتها.”