وهم الام ج١ حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​الفصل الأول:
​ترابيزة الاجتماعات الخشب الفخمة كانت ساقعة تحت إيديا. كنت في نص جلسة مفاوضات تقيلة لصفقة اندماج شركات، وبفصص بند مسؤولية قانونية طوله ستين صفحة، لما تليفوني كسر الصمت المرعب اللي في أوضة الاجتماعات. اسم أخويا “هشام” نور على الشاشة. أنا في العادة بتجاهل أي مكالمات شخصية وقت الشغل، بس الرعشة المتواصلة بتاعة التليفون خلت حتة تلجة تنزل في عمود الفقري.
​استأذنت وخرجت وقفت على السجاد الفخم بتاع ممر الإدارة.
​”أمك في الطوارئ يا شيرين، ومحتاجة 155 ألف دولار لعملية قلب مفتوح حالاً!” هشام صرخ في التليفون. صوته كان مليان رعب هستيري، وبيرن في الممر الإزاز بتاع شركتي. “لو محولتيش الفلوس خلال ساعتين، قلبها هيقف. مش هتلحق تعيش.”
​أنا شيرين، محامية شركات عندي 30 سنة. بقالي حوالي عشر سنين أنا العمود المالي الوحيد لعيلتي. بدفع أي فواتير تطلع فجأة، بطلع هشام من مصايب “مشاريع استثماراته” المضروبة، وبسد ديونهم من غير ما أطلب وصل واحد. كنت بالنسبة لهم خزنة البنك اللي مابتخيبش. بس الأزمة دي كانت في حتة تانية خالص. دي مسألة حياة أو موت.
​سبت ملفات الموكلين بتوعي على ترابيزة الاجتماعات زي ما هي، وطلعت أجري على جراج العربيات، ودورت عربيتي وطرت.
​الطريق لمستشفى زايد التخصصي كان عبارة عن شريط بيجري قدامي وأنا مرعوبة. المطر كان بيخبط في إزاز العربية بعنف. إيديا كانت ماسكة دركسيون العربية الجلد بقوة لدرجة إن عقل صوابعي ابيضت. عقلي كان شغال زي المكنة في حالة رعب صافي، بحسب إزاي هقدر أفك صناديق الاستثمار بتاعتي في أسرع وقت. كان لازم أوصل هناك قبل ما قلبها يقف تماماً.
​حرفياً كنت هكسر أبواب قسم الطوارئ وأنا داخلة، صوت كعبي كان بيخبط على البلاط بسرعة مجنونة وأنا عيني بتدور على أرقام الأوض الحمرا المنورة. غرفة 412… أخيراً لمحت اليافطة.
​لكن، ولسه إيدي بتتمد عشان تزق الباب الخشب التقيل، لقيت إيد حنينة بس ماسكاني بقوة كأنها كلبش.
​قبل ما ألحق حتى أشهق، ممرضة طوارئ شدتني لورا. كان فيها قوة غريبة ويائسة، وسحبتني مباشرة جوة أوضة مستلزمات طبية ضيقة وضلمة قصاد الأوضة على طول.
​”اقفلي بوقك خالص،” همستلي بخوف. البادج بتاعها كان مكتوب عليه ‘شيماء’. حطت صباعها اللي بيرتعش على شفايفها، وعينيها كانت واسعة ومزيج بين الرعب والتحذير. “لو عايزة تحمي شقى عمرك، وتحافظي على عقلك، إياكي تطلعي صوت واحد. بصي بس من الفتحة اللي عند مفصلة الباب. وكمان دقيقتين بالظبط، هتفهمي كل حاجة بتحصل جوة.”
​اتصلبت مكاني وسندت ضهري على الحيطة الساقعة، وصدري كان بيحرقني من كتمة النفس. الأوضة كان ريحتها بيتادين وملايات مستشفى نضيفة. لزقت وشي في شق النور الرفيع اللي خارج من مفصلة الباب.
​الأصوات اللي سمعتها بعد كده دمرت كل حاجة كنت فاهماها عن واقعي، وأجبرتني أنصب فخ قانوني قاسي جداً لدمي ولحمي.
​إضاءة النيون اللي طالعة من أوضة المستشفى كانت رامية نور شاحب وممرض على الأرضية. كنت مجهزة نفسي أشوف كابوس. كنت متوقعة أشوف دكاترة بيجروا حوالين نفسهم، أو بركة دم، أو أسمع الصوت المرعب لجهاز القلب وهو بيدي خط مستقيم.
​بدل كل ده، المنظر اللي شفته شل تفكيري تماماً.
​أمي، “سوسن”، كانت قاعدة ساندة ضهرها على سرير المستشفى ومستريحة على الآخر. وشها كان مورد، ونفسها هادي ومنتظم. مكنتش متوصلة بأي جهاز رسم قلب، ولا جهاز قياس أكسجين، ولا حتى متعلّقلها محلول. في الحقيقة، كانت ريلاكس جداً، وعمالة تنفش المخدة ورا ضهرها وتظبط ياقة قميص المستشفى البهتان براحتها.
​مفيش أي قلب بيقف. مفيش أي أزمة طبية. المصيبة دي كلها كانت تمثيلية متألفة ومتخرجة بالمللي.
​هشام كان واقف جنب السرير، وقفته مسترخية، وعمال يقلب في تليفونه ببرود. وجنبه كان واقف راجل طويل لابس بالطو أبيض نضيف جداً وسماعة دكتور ملفوفة حوالين رقبته. البادج المطرز بتاعه كان مكتوب عليه ‘دكتور حاتم’.
​مكنوش بيتناقشوا في نسب النجاة ولا مخاطر العملية. دول كانوا بيقفلوا ديل مالي. وأول ما دكتور حاتم فتح بقه عشان يتكلم، أدركت العمق المرعب للفخ اللي أنا لسه ماشية برجلية جواه.
​الفصل التاني: تمن خيانة الأم

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *