مرات ابني حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
أول ما ابني قال كلمة “بيتي”، عرفت إني بقالي تلات سنين بخدم في بيت ناس مسحوني منه خلاص. كان واقف الناحية التانية من ترابيزة المطبخ بيهرب ببيانه بعيد عني، وجنبه مراته عمالة تلاعب أظافرها الحمراء على شاشة تليفونها، وكأنها ماسكة سر ومستنية اللحظة اللي تطلعوه فيها.
​— “لو مش هتروحي تقعدي في دار مسنين يا أمي”، قالها هاني بصوت ملوش ملامح، “يبقى تلمي هدومك وتطلعي بره بيتي.”
​في لحظتها، السكوت ساد المكان، ومكانش مسموع غير صوت الحنفية وهي بتنقط… تك… تك… تك في الحوض المليان بطباق زفرة مطرح صينية الفراخ بالبطاطس اللي كنت لسه طبخاهالهم. الكلمتين دول بالذات — “بيتي أنا” — نزلوا عليا أتقل من أي شتيمة. مكانوش مجرد كلمة بيطردوني بيها، دول كانوا بيمسحوا وجودي كله.
​هاني كان مستني مني دموع.. ونورهان كانت فاكرة إني هعتذر وأوعدهم إني مش هضايقهم تاني ولا هبان في المكان. كانت ساندة على الرخامة وباصالي بابتسامة خبيثة، وغوايش أمي الله يرحمها بتلمع في إيدها تحت نور المطبخ وكأنها ببتحداني.
​بدال كل ده، بصيت في عين ابني الراجل اللي عنده اتنين وأربعين سنة وقلتله بصوت ثابت زي الحديد: “لو أنت شايف بجد إنك تقدر ترميني بعد كل اللي عملته عشانك وعشان بيتك، يبقى على الأقل خلي عندك الشجاعة وتقولها في وشي وأنت باصص في عيني.”
​فك حنكه اتشد، وبص للأرض وللبلاط المكسور بنفس نظرة العيل الذليل اللي كان بيبصهالي وهو عنده تسع سنين لما كسر طقم الصيني بتاعي وحاول يكنس القزاز تحت السجادة.
​من ساعة واحدة بس، كان يوم حد عادي جداً. جلابيتي البيتي الخفيفة كانت ملزوقة في ضهري من صهد المطبخ. ريحة التومة والتقلية ملية المكان. غسلت، وقطعت، وسبكت، وغرفت، وبعد ما أكلوا وقاموا دخلت ألم الطباق وأغسلها، وفي الوقت ده كان صوت الغسالة في الحمام شغال بيلف بهدومهم كلها. في اللحظة دي، هاني قرر يغلف قسوته في شكل خضة وخوف عليا. قال وهو بيبصلي ببرود: “العيال كبروا ومحتاجين الأوضة يا أمي. وأنتِ كبرتي والتعب زاد عليكي. فيه دار مسنين نظيفة أوي في التجمع… فيها جنينة، وتمريض، وستات كبار تقعدي تتكلمي معاهم.”
​ومن وراه، نورهان مكلفتش نفسها حتى تداري الفرحة اللي في عينها. تليفونها كان ينور وينفي، وكأن الجهاز نفسهزهق من تفاصيل حياتي الصغيرة. وقالت من غير ما ترفع عينها من الماشية: “جرى ايه يا طنط! بلاش دراما بقى.”
​دراما.. بلعت الكلمة وكأنها زلطة. من تلات سنين، بعت شقتي الصغيرة اللي في شبرا واديت هاني كل جنيه طلع منها عشان يفتح المحل التاني بتاعه في العتبة. مسك إيدي الاتنين ساعتها والدموع في عينه وقال لي: “تعالي عيشي معانا يا أمي، هشيلك في نني عيني وهنخلي بالنا من بعض.” وصدقته.. كنت محتاجة أصدقه.
​بس بعد ما نقلت معاهم، اكتشفت إن الناس مابتشوفش الشخص اللي بيخدمهم طول الوقت. الأوضة الصغيرة اللي فوق السطوح بقت هي دنيتي. كنت بكوي قمصانه، وأدعك بلاط حمامهم على ركبي. أنزل السوق في الحر أجيب الطلبات، وأجيب يوسف وجنى الصغيرين من المدرسة، وأسهر بالليل أعملهم كمادات لما يسخنوا وأبوهم وأمهم نايمين جوه. عملت كل تورته عيد ميلاد اتعملت في البيت ده — كيكة الشوكولاتة ليوسف، والكيكة اللي بالفراولة لجنى — وكنت بمسح اسمي من كل فرحة عشان محدش يتضايق من وجودي.
​ضيوفهم لما كانوا بيجوا، كانوا بيطلعوا عليا “طنط”. مش أم هاني، ولا تيتة. مجرد الست اللي بتساعد في البيت.
​والإشارات كانت واضحة من بدري.. نورهان كانت بتضحك مع صاحبتها في التليفون وتقولها إنها هتقلب أوضتي لـ “درِسينج روم” وتكبر دولابها. غوايش أمي الفضة انختفت من علبتها الخشب، وبعدها بأسبوع شفتها في إيد نورهان في صور رحلتهم لجمصة. لما سألتها، ابتسمت وقالتلي أكيد تاهت منك ولا نسيتي شيلتيها فين. وحتى يوسف الصغير، جيه في مرة ووشوشني ببراءة الأطفال المرعبة: “ماما بتقول إنك قاعدة معانا هنا مؤقتاً بس يا تيتة.”
​وبرضه سكت.. الأمهات بيستحملوا حاجات محدش غيرهم يستحملها. بنسامح في أعياد ميلادنا اللي بتتنسى، وبنفوت الكلمات الدبش، وبنعمل نفسنا مش شايفين لما الجميل يتحول لفرض، والحب يتحول لمنفعة.
​بس وأنا واقفة في المطبخ ده، وسط ريحة الزفر والدهن، فهمت أخيراً إن الموضوع ده متخطط له من زمان. كانوا بيمسحوني واحدة واحدة — أوضتي، غوايشي، فلوسي، حتى الحنية البسيطة اللي في عيون أحفادي.
​هاني رفع راسه وقال بصوت جاف: “ها؟ هتلمي حاجتك ولا ألمها أنا؟”
​نورهان شفايفها اترسمت عليها ابتسامة النصر. كانت لابسة الفرحة زي ما كانت لابسة الغوايش — وكأن الحق ده حقها هي.
​كانوا فاكرين إن ماليش حتة أروحها. فاكرين إن الفلوس اللي خديةا من شقة شبرا طارت خلاص. وأهم من ده كله، كانوا فاكرين إن الست الكبيرة اللي لابس جلبية دبلان دي مفيش في إيدها أي قوة.
​قفلت الحنفية. نشفت إيدي بالراحة، وطويت الفوطة وحطيتها مكانها. شباك المطبخ كان بيتهز بشويش مع هوا الليل؛ وصوت عربية معدية في الشارع تحت كان مسموع بالراحة. في صدري، وجع قديم صحي تاني — افتكرت الليلة اللي جوزي الله يرحمه سابني فيها وخد شنطته ومشي، وسابلي سكوت قعدت عشرين سنة أفسره على إنه غلطتي أنا. بس المرة دي، مش هسمح لحد يخليني أحس إني غلطة.
​بصيت لابني.. وبعدين بصيت للست اللي لابسة غوايش أمي.
​ومديت إيدي ورا علبة الدقيق، وطلعت ظرف أزرق تقيل مكانوش يعرفوا عنه أي حاجة، وحطيته في نص الترابيزة بينهم… وابتسمت.
​نورهان أخيرًا رفعت عينها من التليفون وسألت: “إيه ده؟” صوتها كان بيحاول يظهر بمظهر المتجاهل والمستخف، بس خانها وطلع أقرب للخوف.
​قلتلها ببساطة: “ده التأمين بتاعي.”
​هاني طلع منه صوت ضحكة مكسورة ومكتومة: “يا أمي أرجوكي.. الموضوع مش مستاهل كل الـ…”
​قاطعته بصوت هادي جداً: “خليك حذر يا هاني.. أنت بقالك فترة بتتمرن تظهر إنك خايف عليا، كمل تمثيل ومتقفش دلوقتي.”
​وشه أحمر، وإيده راحت لرقبته من ورا يهرش فيها، بنفس الطريقة اللي بيعملها لما يتزنق: “إحنا بس بنحاول نعمل الأحسن.. ليكي وللعيال.”
​رديت وكلمة الأحسن دي طالعة من بؤي زي الزلطة: “الأحسن..”
​فتحت الظرف الأزرق وسحبت منه ورق ورميته قدامه على الترابيزة. الورق عمل صوت وهو بيتزحلق على الخشب.
​أول حاجة فوق كانت صورة: نورهان على البحر في مارينا، الشمس ضربة في عينها وغوايش أمي الفضة بتلمع في إيدها. مكنتش معلمة على حاجة ولا حاطة خط تحت حاجة.. مكنتش محتاجة. الخدش الصغير اللي جنب القفل — اللي أمي الله يرحمها عملته لما الغويشة اتشبكت في مسمار وأنا صغيرة — كان باين وواضح زي التوقيع.
​شيلت الصورة من على الوش وطلعت اللي تحتها.. إيصال وفاتورة قديمة من البنك. اليوم اللي بعت فيه شقتي في شبرا، كتبت لهاني شيك مقبول الدفع، وهو أملى عليا أكتب في خانة الملاحظات: “قرض لفتح الفرع التاني”. ساعتها حضنني جامد لدرجة إن أضلعي اتعصرت، وكتبلي بإيده على نفسه وصل أمانة وإقرار بدين، أختي سعاد ربنا يمسسيها بالخير خلته يكتبه بصيغة قانونية ومبسطة: إنه يتعهد يردلي الفلوس بفوائد بسيطة لما المحل يكسب، أو لو أنا طلبتها في أي وقت أحتاجها.
​زقيت وصل الأمانة والإقرار الموثق عبر الترابيزة. اسمه وتوقيعه.. نفس اللفة المعوجة في حرف الهه اللي بيعملها من يوم ما اتعلم يكتب. قعد يبص للورقة وكأنه باصص لصورة حد ميعرفوش.
​نورهان أظافرها خبطت على التليفون، وابتسامتها اختفت تماماً: “ده.. يا طنط أنتِ كنتِ قايلة إن الفلوس دي…”
​رديت عليها: “قلت إني واثقة في ابني.. والتدبير والثقة مبيتنعارضوش.. مكنتش غبية عشان أنسى أحمي نفسي.”
​هاني مد إيده عشان يمسك الورقة بس إيده وقفت في النص: “إحنا دايماً كنا بنقولك إننا مقدرين…”
​قاطعته بصوت جاف وبارد: “أنت نسيت تقول للناس إني أمك.. نسيت تقولهم إنكم كنتوا بتتفقوا تقلبوا أوضتي لدريسينج روم.. ونسيت تستأذن قبل ما مراتك تاخد غوايش أمي.”
​نورهان عينها راحت لغوايشها، وبصت للخدش الصغير، وبعدين بصت في وشي: “دي كانت في الدولاب ورامية.. افتكرتها…”
​كملت بدالها: “افتكرتيها بتاعتك! زي جهدي، وزي وقتي، وزي سكوتي.”
​صوت باب الشقة اتقفل. يوسف الصغير كان بيضحك وهو داخل من الطابق اللي تحت، وصوته قطع فجأة لما حس إن البيت مخنوق وواقف على حيله.
​طلعت تليفوني من جيبي وطلبت رقم أنا حافظاه عن ظهر قلب. أول ما سعاد اختي ردت، شغلت السبيكر.
​صوتها جه دافي وثابت: “إيه يا سوسو؟ جاهزة؟”
​قلتلها وأنا مش شايالة عيني من على ابني: “جاهزة يا سعاد. فكري هاني كده إحنا عملنا إيه من تلات سنين بعد ما صرف الشيك بتاع الشقة؟”
​سعاد ردت من غير تردد: “كتبنا وصل أمانة وإقرار دين، وسجلنا رهن رسمي في الشهر العقاري على بضاعة ومعدات المحل الجديد في العتبة لحسابك.. عشان نضمن حقك لو الزمان دار.”
​السكوت كل الأوضة. نورهان إيدها نزلت جنبها. هاني بصلي، وبعدين بص للظرف، وبعدين بص للطرقة اللي العيال واقفين فيها.
​قال بصوت مكسور: “أمي.. إحنا عمرنا ما قصدنا…”
​قلتله ببرود: “عارفة قصدكم إيه.. وعارفة أنتوا عملتم إيه.”
​نورهان رفعت وشها بتحفز: “يعني إيه؟ هترفعي الوصل وتخربي بيت ابنك وتقفليله المحل؟ شكلنا هيبقى إيه قدام الناس ولما العيال ميعرفوش يروحوا ناديهم؟”
​قلتلها وأنا بمد إيدي: “شكلكم هيبقى حلو أوي وأنتِ بترجعيلي الغوايش دي دلوقتي.. حالا.”
​ترددت. فضلنا واقفين — أنا بجلابيتي الدبلانة والفوطة المبلولة في إيدي، وهي بكل شياطتها وثقتها — لحد ما شفت النظرة اللي في عينها.. نظرة الخوف وحساب الخسائر. قلعت الغوايش وحطتها في إيدي وكأنها جمرة نار.
​قفلت صوابعي عليها، وحسيت بريحة أمي، وبكل سنة عاشتها.. حطيتها في جيبي وتنفست براحة.
​قلت بصوت صارم: “أنا مش ماشية النهاردة.. ومحدش هيلملي هدومي. لو عاوزين تطلعوني من هنا، تروحوا المحكمة وتجيبوا حكم إخلاء. ولحد ما ده يحصل، إحنا عندنا شروط واتفاقات هنكتبها.”
​هاني أكتافه نزللت: “اتفاقات إيه؟”
​— “أنت وأنا متفقين على فلوس. من حقي أطالب بالقرض كله فوراً. مش هعمل كده لو وقعت النهاردة على جدول سداد بمبالغ وتواريخ محددة، ولو بطلتم تتعاملوا معايا على إني قطعة عفش ملهاش لازمة في البيت ده.”
​نورهان طلعت صوت زي الضحكة السخرية: “أنتِ مفيش في إيدك تجبرينا نوقع على…”
​هاني قاطعها بصوت واطي ومكسور: “نورهان.. بس.. اسكاتي شوية.”
​الإنكار كان بيحارب الخوف في وش هاني، وبعدين جه التفكير الحسابي.. لأن الباب العقباني خبط وسعاد اختي دخلت ومعاها محامي جيراننا في شبرا.
​سعاد دخلت المطبخ بطلتها وقوتها، وبصت لهاني: “أزيك يا هاني.. مش حلو اللي بيحصل ده يا ابن اختي.”
​نورهان اتسمرت مكانها وحطت التليفون على الترابيزة.
​قلت بثبات: “اللي هيحصل كالتالي: هنقعد على الترابيزة دي، ونتفق على تلات حاجات: جدول سداد للفلوس بتاريخ ومبالغ شهرياً، وإقرار مكتوب بحقي في الإقامة هنا لحد ما أنا أقرر أمشي أو المحكمة تحكم، وعهد موقع إنكم متبصوش للعيال وتفهموهم إني تقيلة عليكم.”
​نورهان قالت بحدّة: “أنتِ مش هتعرفي تجبرينا نوقع!”
​حطيت إيدي في جيبي ولمست الفضة: “صح.. أنا بقدملكم خيار. توقعوا، ومش هطالب بالوصل النهاردة. ترفضوا، سيدة والأستاذ المحامي هيطلعوا معايا على الإسم ونعمل محضر امتنان عن سداد ونحجز على المحل في العتبة بكره الصبح. وطبعاً التجار والزبائن في العتبة هيتبسطوا أوي لما يعرفوا. ولو حاولتوا ترموا هدومي الشارع النهاردة، هطلب النجدة واعملكم محضر طرد تعسفي وإثبات حالة.. وهم هيجوا يقفوا في المطبخ ده ويقولولكم القانون بيقول إيه.”
​هاني همس: “مش هتعملي كده يا أمي..”
​رديت عليه بثبات: “جربني.”
​ساد السكوت في المكان. صوت يوسف الصغير وهو بيلعب فوق كان مسموع.
​نورهان شفايفها جفت، وبصت للظرف الأزرق بغل: “تمام.. فين الزفت القلم؟”
​هاني مثرش.. مقامش زعق ولا رمى الكرسي. قعد على الكرسي وكأنه ما صدق يقع، وحط إيده على عينه. لما رفع وشها، كانت عينيه دموع.
​— “يا أمي.. أنا عمر المكنت عاوز الموضوع يوصل لـ…”
​— “عارفة يا هاني.. عارفة.” وأنا فعلاً كنت عارفة. شفت نورهان وهي بتزقه عشان المنظرة، وشفت ضعفه وهو بيبيع أمه عشان يشتري دماغه. أنا نفسي كنت شريكة في ده لما سكت كتير. بس خلاص.. اللعبة خلصت.
​المحامي طلع النموذج المطبوع، وبدأنا نكتب البنود. ونورهان مضت بخط صغير ومقهور.
​لما وصلنا لبند إقامتي، نورهان زفرت: “يا طنط إحنا دارسين خططنا للمكان هنا!”
​رديت عليها: “عارفة.. سمعتك وأنتِ بتتكلمي عن الدريسينج روم.”
​سكتت وشفايفها أبيضت.
​العيال نزلوا من فوق.. يوسف وجنى. بصوا للترابيزة وللورق: “ماما.. هو فيه مشكلة؟”
​نورهان اترسمت عليها الابتسامة المزيفة بتاعة الشارع: “لا يا حبايبي.. مفيش حاجة.”
​قلت ليوسف بصلابة وحنية: “يوسف.. خذ اختك واطلعوا كملوا لعب فوق، وأنا طالعة أقعد معاك كمان شوية.”
​العيال طلعوا، وهاني كمل إمضاءه وإيده بـترعش.
​أخدت الورق، وحطيته جوه الظرف الأزرق تاني.
​هاني بصلي وسأل: “بقالك قد إيه بتجهزي للظرف ده؟”
​— “من اليوم اللي سمعت فيه مراتك بتضحك على أوضتي وتسميها دولابها الجديد.. اتعلمت من زمان أستنى الخير، بس أكون جاهزة للشر.”
​شيلت الظرف تحت دراعي وقمت: “أنا هنام هنا النهاردة. وبكره هانزل أدور على شقة صغيرة في المقطم أو المعادي. ولما أمشي، همشي بمزاجي وللمكان اللي أختاره.. مش عشان اتطردت.”
​هاني حاول يتكلم: “أمي…”
​— “يا هاني.. أنت ابني وستظل ابني.. بس أنا مش الخدامة بتاعتكم.”
​في الأيام اللي بعد كده، كل حاجة اتغيرت. الكلام في المنطقة وعند القرايب بيطير زي النار في القش. الناس عرفت إن الست اللي كانت بتخدم في البيت هي اللي فتحت لابنها المحل في العتبة فلوسها. نورهان حاولت تطلعني في صورة الست الكبيرة المفتيرة، بس محدش أكل معاه الكلام ده.
​يوم الجمعة، ركبت الأتوبيس وروحت شفت شقة صغيرة هادية في المعادي.. فيها بلكونة شمسها حلوة وبتطل على جنينة صغيرة.
​أول ما دخلتها، حسيت براحة ونفس عميق مأخدتوش من سنين. قلت للمؤجر: “أنا هأجرها.”
​رجعت البيت وقلت لهاني: “أنا عزلت خلاص وهنقل كمان 3 أسابيع. المدفوعات والكماليات هتوصلني كل أول شهر زي ما اتفقنا.”
​هاني كان قاعد لوحده.. نورهان مكنتش موجودة، كانت راحت تقعد عند اختها في التجمع شوية بعد ما الخناق زاد بينهم.
​هاني بصلي وقال بكسرة: “أنا آسف يا أمي.. آسف على كل كلمة.”
​رديت عليه: “أنا مصدقاك يا هاني.. بس ده مش هيغير اللي هيحصل.”
​مرت الأسابيع، ونقلت شقتي الجديدة. بقى عندي بيتي.. ترابيزتي.. وشباكي. العيال يوسف وجنى بقوا يجوا يزوروني كل أسبوع، يقعدوا في حضني ونزرع ورد في البلكونة.
​وهاني بقى يجيلي كل جمعة، يقعد معايا يشرب الشاي، ونتكلم بالراحة. الصلح بياخد وقت، والجسور بتبنى طوبة طوبة.
​أما الغوايش.. فبقت في إيدي دايماً.
​أنا دلوقتي كاترين.. أم، وست ليها كرامة، ومش مجرد شخص بيمسحوا بيه البلاط لما يخلصوا منافعهم منه. والظرف الأزرق؟ شيلته في درج مكتبي.. فكرى دايماً إن كرامة الست مالهاش ثمن، وإن الحقوق بتتاخد مش بتتوهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *