ابني حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول – عيلتي خدمت كل الناس إلا ابني صاحب الـ 6 سنين، لحد ما أخيرًا بطلت أكون البنت اللي بتدفع دايماً
​نورهان أختي زقت سبت عيش ناشف على الترابيزة وقالتلي بمنتهى البساطة إنهم ما طلبوش عشا لابني اللي عنده ست سنين. وقبل ما ألحق أرد، بابا (فاروق) كمل أكل في حتة الستيك بتاعته وقال لي إن كان المفروض أجيب لأدهم حاجة معاه من البيت عشان طبق بألفين جنيه يعتبر رمي فلوس في الأرض على عيل صغير.
«إحنا مطلبناش أكل لابنك.»
«كان المفروض تلفي له أي حاجة معاكي من البيت.»
​بصيت لأدهم اللي قاعد جنبي على ترابيزة كوكتيل صغيورة جنب باب المطبخ. كان لابس قميصه الأزرق الكحلي المفضل، وطول الأسبوع كان طاير من الفرحة عشان رايح يحتفل بخروج جده على المعاش، ودلوقتي قاعد بالراحة ماسك لقمة عيش ناشفة، في حين إن بقية العيلة بياكلوا عشا فاخر وفخم على بعد كام متر بس مننا.
​الحفلة كانت معموله في نادي اليخت على النيل في المعادي، وأمي (نادية) قعدت ست شهور تجهز للحفلة دي عشان تحتفل بمرور 40 سنة على شغل بابا كمستشار قانوني في شركة كبيرة. كل حاجة في السهرة كانت متظبطة بالمسطرة، وده اللي خلى من الصعب أوي أصدق إن قعدتنا المهانة دي جنب المطبخ كانت مجرد غلطة أو بالصدفة.
​الترابيزة الرئيسية كان متأجر فيها ست أماكن لبابا وماما، ونورهان وخطيبها، وعمي رفعت ومراته. أما أنا وأدهم، فحطونا لوحدنا جنب ترابيزة الخدمة والبار، قريبين كفاية إننا نشوف العيلة وهي بتحتفل، بس بعاد كفاية عشان يبان للكل إننا مش محسوبين من القعدة أصلاً.
​في الأول، قلت لنفسي أكيد فيه لخبطة في الأماكن. بس شوية والويترية بدأوا ينزلوا صواني السي فود الفاخرة، والعصائر والمشروبات، ولحم الـ “واغيو”، وذيول الاستكوزا بالزبدة، وبيخدموا كل اللي على ترابيزة العيلة بينما بيمروا من جنبنا أنا وأدهم مراراً وتكراراً من غير ما يحطوا طبق واحد قدامنا.
«ماما.. هو أكلنا هييجي إمتى؟»
جبرت نفسي على ابتسامة وناديت على ويتر.
«لو سمحت، أظن الأوردر بتاعنا نسيوه.»
الويتر بصلنا بإحراج وقالي بصوت واطي إنه أخد تعليمات مخصصة إنه ماينزلش المنيو الثابت على الترابيزة بتاعتنا. وعلى كلامه، بابا كان مأكد عليه إن أنا وابني مش تبع المنيو ده.
​قمت مشيت لحد الترابيزة الرئيسية وسألت بابا ليه حفيظه سابوه مقصود من غير عشا. بصلي بالعافية وهو بياكل وقال لي بلاش تعملي مشكلة وشوشرة على أكل غالي عيل عنده ست سنين مش هيفهم قيمته أصلاً.
«الطبق بألفين جنيه!»
«ده مش هيفهم يعني إيه زيت طرطوف حتى!»
​نورهان زقت سبت العيش ناحيتي كأنها بتحل المشكلة:
«عدي اليوم واديه ده..»
«العيال بتحب العيش.»
​وفجأة.. لمحت هي بتعمل إيه تحت المفرش بتاع الترابيزة.
​نورهان كانت بتقطع حتة من حتة اللحمة الفيليه بتاعتها وبتأكلها لـ “كوكو”، كلبها الفرينش بولدوج اللي قاعد مرتاح جوه الشنطة الماركة بتاعته. كلب أختي بياكل ستيك فاخر في الوقت اللي ابني صاحب الست سنين بيترمى له عيش ناشف لأن عيلتي قررت إنه ما يستاهلش ثمن وجبة!
​المنظر ده غير حاجة جوايا للأبد.
على مدار ست سنين، كنت أنا الشخص اللي نورهان بتكلمه كل ما حتة من حياتها تقع أو تتكرب. كنت بدفع لها الفواتير لما تتزنق، وبغطي إيجارها المتأخر، وأصلح عربيتها، وأمول كارثة مالية ورا التانية.. لأن كل ما كنت بتردد، كان أبويا وأمي يفكروني إن أختك بتعافر ولازم تقفي جنبها وإن العيلة لبعضها.
محدش عمره سألني إذا كنت أنا كمان بعافر ولا لأ.
كنت بربي أدهم لوحدي وبحاول أحوش أي قرش لمستقبله، ومع ذلك تعبي وإرهاقي عمرهم ما اتصنفوا كـ “ظرف طارئ”. مشاكل نورهان كانت دايماً بتبقى مسؤولية الكل، ولأني البنت الجدعة اللي بيعتمد عليها، كان المتوقع مني أصلح كل البلاوي من غير ما أسأل التصليح ده بيكلفني كام من صحتي وفلوسي.
​رجعت لأدهم وشيلت سبت العيش بالراحة من قدامه. وبعدين رفعت إيدي وناديت على الويتر تاني.
«لو سمحت، عايزة أطلب أوردر خاص (à la carte).»
«لابني.. هات له أستراليان ريب آي، وذيل استكوزا، وماك آند تشيز بالتروفل، وأكبر سوفليه شوكولاتة عندكم.»
​أمي رأسها اتلفتت ناحيتي بذهول:
«نادين!»
«أنتِ عارفة ده هيكلف كام؟ أكتر من خمس تلاف جنيه!»
​بصيت في عينها مباشرة:
«حطهم على حساب العيلة المفتوح في النادي.»
​بابا على طول أخد كرسيه لورا وقام وقف:
«أنتِ معندكيش صلاحية تستخدمي الحساب ده!»
«أنت اللي ضفتني عليه من ثلاث سنين عشان أجي أستلم لك أوردرات الكاترينج.»
بصيت له بثبات:
«وأنت عمرك ما شلت اسمي.»
​وقبل ما يلحق يرد، لفت وشي للويتر وقلت له بهدوء ينزل يلغي أي حاجة لسه ماتعملتش للترابيزة الرئيسية.. بما فيها المشروبات الإضافية، وصواني السي فود، والأربع أطباق حلويات اللي لسه منتظرين ينزلوا.
​القعدة كلها جنب النيل بقت ساكتة سكون الموت.
«أنتِ مجنونة؟! ما تقدريش تعملي كده!»
وش بابا بقى أحمر من الغضب.
«أنا عملت خلاص.»
بصيت لأدهم وقلت:
«والنهاردة.. هتقعدوا تتفرجوا على حفيدكم وهو بياكل.»
الجزء الثاني – الدفتر الأسود أثبت إن أهلي كانوا بيحاسبوني بالقرش من وأنا طفلة
​وصل أبويا وأمي الساعة تسعة الصبح بالضبط بعربية فاروق المرسيدس. من الشباك، شفت نادية أمه بتعدل العقد اللؤلؤ بتاعها قبل ما تمشي ناحية باب البيت، كأن مظاهر الشياكة الخارجية تقدر تداري البشاعة اللي مستنياهم جوه.
​أدهم كان قاعد في أوضته جوه بأمان بيتفرج على الكارتون، وأنا أخدت وقتي ورتبت صور الدفتر الأسود بتاع فاروق، مع كشوفات حساباتي بالبنك، وجواب المطالبة المالية الرسمية على ترابيزة السفيرة. لما الجرس رن، فتحت الباب بس وقفت على العتبة وقصدت ما أوسعلهمش سكة.
​«إحنا محتاجين نتكلم جوه يا نادين.»
أبويا قالها بصوت ناعف وهو بيحاول يزق الباب بكتفه ويدخل، بس أنا فضلت واقفة مكاني وزي الحديد.
​«أتفضلوا ادخلوا، بس الحوار مش هيطول.»
​نادية دخلت وشافت الورق المرصوف على الترابيزة، حواجبها اترقوا فوق واستنكرت:
«إيه المهزلة دي كمان؟ أنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ بوظتي حفلة خروج أباكي على المعاش وكسفتينا قدام نادي اليخت كله، وجاية دلوقتي تحطي ورق وكلام فارغ؟»
​«الكلام الفارغ ده هو الحقيقة يا أمي.»
رديت بأهدى درجة صوت عندي، وبصيت لفاروق اللي كان لسه ما نطقش ولا كلمة.
«الدفتر الأسود بتاعك لقيته في الكراكيب اللي في الجراج يا فاروق بيه. الدفتر اللي كاتب فيه بالقرش والمليم كل حاجة صرفتها عليا من وأنا عندي ست سنين.. مصاريف تقويم السنان، معسكر الصيف، وحتى مصاريف كلية الحقوق! كاتبهالي كـ ‘ديون ومستحقات لازم أردها’!»
​وش فاروق اتقلب وأصفر، وخطوتين لورا خدها وهو مش مصدق إن سره اتكشف:
«أنتِ افتلشتي في حاجتي الشخصية؟!»
​«لا، أنا اكتشفت الحقيقة اللي حاولتم تخبوها سنين!»
صرخت فيه بالراحة بس بقمة الحسم.
«أنا طول عمري فاكرة إنكم بتفضلوا نورهان عني حب وكره، بس طلع الموضوع عندكم حسبة برمة ودفاتر! نورهان رحلاتها لفرنسا مكتوبة ‘استثمار وتثقيف’، وعربيتها الجديدة ‘هدية’، وأنا كل جنيه اتصرف عليا مكتوب قصاده ‘دَين واجب السداد’! وفي الآخر رايحين تأكلوا كلبها ستيك فيليه وأنا ابني أكلتوه عيش ناشف؟!»
​نادية حاولت تتدارك الموقف وتغير الموضوع بسرعة:
«سيبك من الدفاتر القديمة دي دلوقتي! أبوكي محتاج توقيعك هنا على ضمانة الشقة عشان نجدد قرض البيت، والموضوع ده ما يتحملش تأخير.»
​ضحت ضحكة استهزاء هزت الصالة:
«توقيعي؟ أنتم مش جايين تعتذروا لابني، ولا جايين تردوا الـ 180 ألف جنيه اللي دفعتهم لنورهان من جيبي على مدار السنين اللي فاتت عشان أنقذها من بلاويها.. أنتم جايين عشان فلوسي وفلوس ابني خلصت، وجايين تستغلوني لآخر نقطة!»
​مسكت الدفتر الأسود وكشوفات البنك ورميتهم قدامهم على الترابيزة:
«التوقيع ده مش هيحصل. والـ 180 ألف جنيه بتوعي هاخدهم للقسط الأخير، ويا إما نورهان تنقل القرض بتاع عربيتها باسمها خلال 30 يوم، يا إما عمي رفعت المحامي هو اللي يتولى رفع القضايا وفضح الدفاتر دي في المحاكم.»
​فاروق اتجنن وشتم بصوت عالي:
«أنتِ بتهدديني بـ رفعت أخويا؟! أنتِ بنت قاسية وما بيبانش فيكي الخير!»
​«الخير بيبان في اللي بيقدره يا فاروق بيه.. ومن النهاردة، البنت اللي كانت بتدفع وتصلح قرفكم ماتت.»
​شاورات لهم على الباب المفتوح:
«أتفضلوا برة بيتي. ومن هنا ورايح، الكلام مش هيكون غير مع المحامي.»
​فاروق ونادية وقفوا مصدومين، مش عارفين يصدقوا إن البنت المطيعة اللي كانت دايماً بتتحمل الإهانة وتسكت، هي نفسها اللي واقفة قدامهم دلوقتي وبتمشيهم من بيتها مرفوعة الرأس. أخدوا بعضهم وخرجوا يجروا أذيال الخيبة، وأنا قفلت الباب وراهم بالمفتاح.. ولأول مرة من سنين، حسيت إن صدري اتنفس حرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *