أقساط شقتي حصري لصفحة روايات رولا
شكلها اتغير وقالت بتوتر:
― طبعاً عيلة!
― طب فهميني حاجة واحدة بس..
قربت من الترابيزة، ومسكت ورق التنازل اللي كانوا جايبينه معاهم.
― لو إحنا عيلة بجد.. كنتم جايين لي بالورق ده ليه؟
محدش فتح بؤه.
― كنتم جايين تاخدوا مني اللقمة والبيت اللي طفحت الدم 10 سنين عشان أمنه لبنتي!
أبويا نفخ بضيق:
― بلاش دراما بقى وما تعمليش فيها ضحية!
بصيت في عينه.
ولأول مرة في حياتي كلها، ما حسيتش بخوف منه.
― كنتم عايزين ترموني أنا وبنتي في الشارع عشان خاطرها!
― هند كان قدامها مستقبل أفضل!
― هند حتى الماجستير ما كملتوش!
أبويا جاب أخره وزعق:
― ضحكت علينا وخدعتنا!
― وإنتو جايين تحاسبوني أنا وتطلعوا عقدتكم فيا عشان هي خدعتكم؟!
أمي وشها خشب:
― مش وقت تصفية حسابات ويا أنا يا أنتِ دلوقتي!
― لأ.. بالنسبة لي ده أصح وقت.
مسكت عقد التنازل وشقته نصين.
وبعدين أرباع.
ورميت الفتافيت على الترابيزة قدامهم.
أمي برقت:
― أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟!
― بنهي المهزلة دي.
― مريم!
― برة بيتي.
أبويا وشه بقى أحمر زي الدم:
― أنتِ اتجننتي؟! مش هتعلي صوتك علينا ولا تتكلمي بالطريقة دي!
― لأ هعلو وهتكلم.
― أنا أبوكي!
― وده بيتي وملكيتي الخاصة!
هند قامت وصصرخت:
― أنتِ بجد هترمينا في الشارع في ظروفنا دي؟! إيه القسوة دي؟!
بصيت لها بقرَرف:
― أنتِ داخلة من نص ساعة بتقولي هتهدي حيطاني وتاخدي أوضتي تعمليها دريسنج!
― ما كنتش اعرف اللي حصل لبابا وماما!
― أنتِ اللي عملتي في بابا وماما كده!
أمي شاورت على بنتي مريم بغل:
― كل ده بسبب البت دي! أنتِ عمرك ما كنتِ بقلب قاسي كده، البت دي هي اللي ملتك!
مريم بنتي ما اتهزتش.
بس أنا اتهزيت.
وقفت قدام بنتي وسددت الطريق بينها وبين أمي:
― إياكي تجيب سيرتها على لسانك تاني!
أمي ضحكت ضحكة مكسورة ومريرة:
― بقيتي شجاعة فجأة يعني؟
― لأ.. بقيت قرفانة وتعبانة.
طلعت موبايلي وطلبت 122.
أبويا قرب مني بتهديد:
― نزلي الموبايل ده من إيدك بدل ما أتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك!
ما اتهزتش، وطلبت النجدة بوضوح: بلغتم إن فيه 3 أشخاص اقتحموا بيتي ورافضين يخرجوا والموضوع بيتطور لمشادة.
لما قفلت، أبويا كان هيموت من الصدمة:
― بتطلبي شرطة لأبوكي وأمك وأختك؟!
― الناس اللي دخلوا بيتي النهاردة ما تصرفوش كأهلي.
أمي بدأت تصرخ وتصوت، وهند اتهمني إني شمتانة فيها، وأبويا هددني إنه هيرفع عليا قضايا.
أنا ما رديتش بكلمة.
قعدت جنب بنتي مريم، ومسكت إيدها.
وفضلنا مستنيين.
لما بوكس الشرطة وصل والظباط دخلوا، أمي حاولت تفرش الملاية وتقول دي خناقة عيلية.
أنا طلعت عقد الملكية المسجل بتاع الشقة، ووريتهم إني المالك الوحيد، وشرحت إنهم مش مقيمين معايا ورافضين يخرجوا.
مريم بنتي كانت عايزة توريهم الفولدر بتاع هند، بس أمين الشرطة رفع إيده وقال:
― موضوع التزوير والنصب ده قصة تانية، لو فيه تزوير ورخص مباني وقروض، تعملوا بيه بلاغ رسمي في النيابة أو الأموال العامة. لكن دلوقتي، أصحاب البيت مش عايزينكم، تفضلوا معانا برة بالمعروف.
أبويا بص لهند بكسرة، وهي وطت رأسها في الأرض.
في اللحظة دي أنا فهمت حاجة مهمة قوي.
مريم بنتي ما دمرتش العيلة دي.
مريم بس فتحت النور في الأوضة الضلمة.
كل الخراب ده كان موجود أصلاً.
الكذب، والديون، والكره، والأسرار.
إحنا بس قررنا نوقف تمثيل وما نعيش في الضلمة تاني.
أفراد الشرطة خرجوا بابا وماما وهند لبرة العمارة.
قبل ما تقفل الباب، أمي اتلفتت وقالت بصوت مغلول:
― هتندمي يا مريم.. وهتجيلي زاحفة.
قربت من الباب وقلت بهدوء:
― يا أمي.. لما اتصلتي بيا إمبارح بالليل، أنا كنت لسة دافعة آخر جنيه في ثمن الشقة دي.
ملامحها اتغيرت سنة.
― 10 سنين بشتغل أوفار تايم وبمسح شقق عشان اللحظة دي.. وأنتِ ما كملتيش دقيقة واحدة عشان تقرري إن شغلي وتعبي يروحوا لهند بارد مريح.
أمي فتحت بؤها تتكلم، بس أنا ما إديتهاش فرصة:
― ده كل اللي كنت محتاجة أعرفه عن مكاني عندكم.
وقفلت الباب.
دبيت التربيعة، وسندت ضهري ورأسي على الخشب.
مريم كانت واقفة ورايا:
― أنتِ كويسة يا ماما؟
دموعي نزلت.. بس المرة دي كانت غير.
ما كانتش دموع قهرة إن أبويا قال عليّ خيبة أمل.
ولا دموع حزن إن أمي فضلت هند عليّ تاني.
كانت دموع راحة.. لأني أخيراً فهمت إني عمري ما هكسب في لعبة معمول أساساً عشان أخسر فيها.
لفيت لبنتي وبصيت لها:
― أنتِ عرفتي كل ده منين ومن إمتى؟
مريم ابتسمت نص ابتسامة:
― شاكة فيها من شهور.
― إزاي؟
― كانت بتقول إنها مقفول عليها في المعمل في الجامعة بتعمل أبحاث، وفي نفس اليوم نزلت ستوري على الإنستجرام وهي في الشاليه في الساحل!
ما قدرتش أمسك نفسي وضحكت:
― وقعدتي تدوري وراها؟
― دورت في الحاجات المتاحة العامة، محركات البحث، وصور السجلات، والورق اللي كانت بتسيبه مرمي لما تجيلنا.. كنت عارفة إنها هيجي يوم وتكذب كذبة كبيرة أوي، وكان لازم أكون جاهزة عشان أحميكي.
حضنتها بقوة:
― ما كانش المفروض أنتِ اللي تحميني يا مريم.. أنتِ لسة صغيرة.
مريم سكتت وماردتش.
والسكوت ده وجعني.. بنت عندها 12 سنة اضطرت تتعلم الإثباتات والتدقيق عشان أمها كانت أضعف من إنها تدافع عن نفسها.
في اليوم ده، عملت حركة كان المفروض أعملها من سنين.
عملت بلوك لأرقام بابا وماما وهند.
وفي الأسابيع اللي بعدها، جالي كمية رسائل وتليفونات من قرايب وعمام وأخوال عمري ما شوفتهم.
ناس بتقول «الدم عمره ما يبقى مية ولازم تقفي جنب أختك»، وناس بتتهمني إني جرحت كرامة أبويا وأمي.
ما رديتش على ولا مخلوق.
أبويا وأمي اضطروا يعملوا بلاغ رسمي في هند لما أدركوا حجم الكارثة والورق المزور اللي يوديهم في داهية.
الق\ضية ما اتحلتش بسحر.
كان فيه محامين، ونيابة، وتحقيقات، وخبرة خطوط، وموال قعد شهور.
بس لأول مرة في حياتي.. كل القرف ده كان بيحصل برة بيتي.
بعد 6 شهور، كنت بعمل شاي في المطبخ، والتليفون رن من رقم غريب.
ما رديتش.
نزل فويس نوت.
كانت أمي.
كانت بتقول إن هند داخلة على ق\ضية حبس ونصب.
وإن أبويا جاله الضغط والسكر من كثرة التفكير والهم.
وإنهم قاعدين إيجار جديد في شقة صغيرة على أد حالهم.
وبعدين قالت الجملة اللي سمعتها طول حياتي:
― يا مريم.. أنتِ الوحيدة اللي تقدري تنقذي العيلة دي وتلمينا عندك.
بصيت للشاشة.
استنيت أحس بالذنب.
بالخوف.
بالواجب العائلي.
ما حسيتش بأي حاجة خالص.
مسحت الفويس.
وعملت للرقم بلوك.
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ومريم دخلت تجري وشنطة المدرسة في ظهرها:
― ماما!
― إيه يا حبيبتي؟
رمت ورقة على الترابيزة بفخر:
― أقبلت في نادي المناظرة والمحاماة في المدرسة!
ابتسمت:
― يا ساتر.. ده هيبقوا في خطر!
― الميس قالتلي إني ممتازة في إنها أطلع التناقضات في كلام اللي قدامي.
― دي ما تعرفش حاجة لسة!
مريم فتحت التلاجة:
― هناكل إيه النهاردة بقى؟
بصيت حواليا..
الترابيزة البسيطة.
التلاجة اللي صوتها عالي شوية.
الحيطان اللي هند كانت عايزة تهدها.
الصالة الصغيرة اللي أمي شافتها ما تليقش بيهم لحد ما احتاجوا ملجأ.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الشقة ما كبرتش ولا بقت قصر.
أنا اللي كبرت.
مشيت ناحية الدرج اللي بشيل فيه الورق المهم، وطلعت عقد الشقة المسجل.
اسمي كان مكتوب فيه بوضوح.
اسمي أنا بس.
لسنين طويلة، كنت فاكرة إن أعظم إنجاز في حياتي هو إني أخلص أقساط البيت ده.
بس طلعت غلطانة.
أعظم إنجاز عملته هو إني اتعلمت إن السقف مش بس بيحميك من المطر..
السقف والباب دول حدود.
باب أنتِ اللي بتحددي مين يدخله.. ومين يفضل برة طول العمر.
شيلت العقد مكان تاني، ومريم نادت من المطبخ:
― ها يا ماما، هناكل إيه؟
ابتسمت من قلبي وقلت:
― اللي إحنا عايزينه.
ولأول مرة في حياتي، الكلمة دي كان معناها الحقيقي كده بالضبط.
اللي إحنا عايزينه.. في بيتنا.