قومي يا حيلتها حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
«قومي يا حيلتها من على السرير واطبخي لابني!».. دي الجملة اللي حماتي صرخت بيها في وشي قبل ما ألطمها على وشها بفشّة غل أربع سنين.. بس لما فتحت شنطة السفر اللي كنت مخدياها تحت السرير بقالي أسابيع، جوزي أدرك إن المرار اللي كان بيعديهولي، والست اللي كان فاكر إنه كاسر عينها ومتحكم فيها، هي الوارثة الوحيدة للثروة والعز اللي عليلته كانت عايشة فيه وبتاكله بالحرام!
​الحلة الصاج التقيلة اترمى بيها على لحافي بصوت يرعب الحجر، صدمة المعدن صحّتني مرعوبة الساعة ستة الصبح في عز البرد والتكتكة بتاعة طوبة، في شقتنا اللي في التجمع الخامس.
​وقبل ما استوعب حتى إيه اللي بيحصل، كانت حماتي، الحجة “ماجدة”، هجمت عليا ووشها متغيّر من كتر الغل والشر. صوابعها بمتطليها الأحمر مسكت في حرف روبي الستان وتلّتني من على حرف السرير بقسوة.
​«قومي يا حيلتها، فزّي من على السرير دا بدال ما أجيبك من شعرِك! انزلي المطبخ اعملي الفطار لسي “شريف” قبل ما ينزل اجتماعه في الشركة، ولا فاكرة نفسك هانم جاية ترتاحي عندنا؟!» صرخت ماجدة بصوتها الصرصور اللي كان بيرن في السقف العالي بتاع أوضة النوم.
​رفعت إيدي وبصيت في عينها بثبات وقلت ببرود يرعب: «شيلي إيدك القذرة دي عن هدومي يا ماجدة احسنلك».
​طبعاً متصنطتش.. بالعكس، مسكتها زادت وجرّت القماش لحد ما اتشرق من عند رقبتي. عيونها كانت بتطلع شرار، غرور واحدة عاشت أربع سنين كاملة فاكرة إنها مالكة روحي ومتحكمة في كل نفس بتنفسه.
​بس في اللحظة دي، ولأول مرة بعد أربع سنين من المرار والسكوت والإهانة تحت جزمة العيلة دي.. فيه حاجة جوايا اتقطعت.
​رفعت إيدي اليمين، ونزلت بيها على وشها بقلب جامد.. طاخ!
​قلم نزل على خدها سمع في البيت كله.
​الأوضة كلها سكتت.. السكون كان يرعب.
​ماجدة اتكعبلت لورا ووقعت على السجادة القشيفة، إيدها على خدها اللي بقى نار حمرا، وبقها مفتوح على آخره مش مصدقة.. عقلها الصغير مش قادر يستوعب إن “الغلبانة” اللي كانت بتدوس عليها، تجرأت وضربتها!
​الصوت جاب جوزي “شريف” بيجري في الطابق.
​ظهر عند باب الأوضة وهو بيلبس قميصه الأبيض، وشه كان أصفر وزي الميت، عينيه بتنقل بذهول بين أمه اللي مرمية على الأرض وبيني وأنا واقفة جنبي السرير.
​«أمي! فيه إيه؟!» شريف صرخ وهو بيجري ويقوم أمه، وصوته كان مكسور بفرقعة الخوف والذهول.
​بس خلاص.. كان الوقت فات.
​ما بكيش..
ولا صرخت..
ولا دخلت في مناهدة ولا ضيعت نقطة طاقة واحدة عشان أشرح كمية القهر والظلم اللي عشته في بيتها.
​مشيت من جنبهم ببرود وسبتهم بيتفركوا.
​وطيت على ركبي جنب شنطة جلد كشمير تقيلة، كنت مخدياها ورا الهدوم في آخر الدولاب من تلات أسابيع.. وحطيت الشفرة: ٣-١-٧.
​تك.
​القفل المكتوم اتفتح بصوت واضح زي الس/كينة.
​الأوضة كأنها اتشفط منها الهوا.
​جوة الشنطة، كان فيه الباسبور بتاعي، خمسين ألف جنيه كاش، مفاتيح عربيتي الخاصة، وتذكرة طيران ذهاب فقط لدهب.
​بس فوق كل دا.. وعلى وش الحاجات دي كلها.. كان فيه ملف أسود تقيل ومختوم بختم النسر.
​عقد شركة محترم.. العقد اللي ماجدة بقالها سنين مخبياه جوة الخزنة الحديد بتاعة جوزها المرحوم في فيلا المعادي، وهي فاكرة إني عبيطة، خايبة، ومكسورة الجناح ومش هعرف أوصل بيا الحال إني أفتش ولا ألاقيه.
​كانت غلطانة.. وغلطتها كانت بخراب بيتهم.
​العقد كان فيه إمضاء شريف على كل ورقة، ومتعلق بصورة مباشرة بجميع أصول ومصانع والدي الله يرحمه في المنطقة الصناعية في ٦ أكتوبر.
​وف وسط الملاحق المالية المعقدة دي، كان فيه بند واحد بس.. بند مالي قاتل.
​بند كفيل إنه يهد إمبراطورية شريف والشركة اللي بيتباهى بيها قدام مصر كلها في ظرف ثانية واحدة.
​أربع سنين وهم فاكرين إنهم كاسرين عين ست غلبانة ومقطوعة من شجرة..
ما كانوش يعرفوا إنهم بيلعبوا مع الست اللي بينها وبين العز والثروة اللي عايشين فيها وفي خيرها.. ورقة واحدة بس!مسكت الباسبور بتاعي ببطء، وقفت، وبصيت في عينين جوزي شريف السرحانة والميتة من الرعب:
​«خلاص يا شريف.. مبقاش فاضيلك حد تتحكم فيه تاني.. انتهت خلاص.»
​صوتي ما كانش فيه لا كره ولا غل ولا حتى دفا.. كان برود تام يرعب.
​كنت فاكرة إني مجرد باخد شنطتي وبلم هدومي وبمشي وبنهي جوازة توكسيك ومؤذية نفسياً..
بس طلع عقلي صغير ومُغيبة تماماً عن الواقع!
​عشان في ظرف ثلاث ساعات بس من وقت ما دورت عربيتي وخرجت بيها من بوابات الفيلا، جالي إشعار مالي سري وعاجل على تليفوني، بيكشف إن ماجدة كانت بتراقب وبتسحب مبالغ ضخمة من حساباتي البنكية الخاصة بيا بقالها أكتر من أربع سنين من ورايا!
​وف نفس الوقت، إمضاء شريف وبصمته بدأت تظهر على عقود بيع وتنازلات مزورة عن عقارات وممتلكات، العقود دي كان حلفلي على المصحف من سنين إنه عمره ما شافها ولا سمع عنها ولا مضى عليها.
​وفجأة، تليفوني رن برقم غير معروف.. وصوت من الماضي، صوت المحقق القانوني ورئيس الشؤون القانونية القديم بتاع والدي الله يرحمه، قطع السكوت وقال كلمتين شقلبوا كياني ونسفوا عالمي كله في ثواني.
​كل ما كنت بأفحس وأغرق أكتشف تفاصيل أكتر جوة الملفات المشفرة اللي جوة الشنطة الجلد، كل ما كنت بكتشف إن جوازي من شريف ما كانش مجرد صدفة رومانسية حالمة في كافيه أيام الجامعة زي ما أوهمني!
​دا كان فيه حد ممرن ومخطط للقصة دي بالمليم..
حد اختارني بالاسم ورتب كل حاجة عشان شريف يظهر في طريقي وأنا عندي اتنين وعشرين سنة، وأنا مكسورة ومصدمومة بعد حادثة العربية الأليمة اللي راحت فيها أمي وأبويا!
​وكانوا مستنيين بفارغ الصبر وبصبر أربع سنين كاملة، عشان أوقع على تنازل رسمي واحد عن الإرث.. تنازل كان هينقل شركة أبويا للخدمات البحرية والشحن واللوجستيات – اللي بتملا الملايين – لملكيتهم ولإيد ماجدة للأبد وبشكل قانوني!
​بس السؤال اللي كان بيرعبني وهد حيلتي وأنا قاعدة في مكتب المحامي بتاعي في وسط البلد بعد الظهر.. ما كانش إيه اللي ماجدة سرقته مني..
​السؤال الحقيقي: ليه الوصية الأصلية بتاعة والدي كان فيها بند سري ومقفول بالشمع الأحمر، بيصنف عيلة ماجدة وشريف على إنهم “خطر أمني ومالي شديد على الشركة”؟!
التفصيلة دي بالذات كانت بتثبت إن أبويا الله يرحمه كان عارف حقيقتهم وعارف نيتهم الوسخة من قبل ما يموت!
​المحامي بتاعي، الأستاذ “رفعت بليغ”، راجل عجوز شعره أبيض زي التلج وشاطر زي الس/كينة الحامية، بص في العقود اللي أخدتها من الشنطة، عدل نظارته، وطلع منه صفير واطي وطويل ملا الأوضة.
​«يا جوليانا..» الأستاذ رفعت بصلي وعليه نظرة تركيز حادة زي الموس، وقال: «دي مش مجرد قضية نصل وقضايا شركات وخلاص.. دي مؤامرة جنائية متكاملة الأركان ومقفولة بالضبة والمفتاح! اللحظة اللي ماجدة خليت شريف يمضي فيها على الاتفاقية الموازية دي، هي ارتكبت ج*ريمة سرقة بالإكراه، وتزوير عقود، وتتهرب ضريبي، وغسيل أموال.. لو وقعتيلي على الأوراق الطارئة دي حالا، أنا أقدر أجمد كل أصولهم وشركاتهم وأرفع عليهم التحفظ قبل ما البورصة والبنك المركزي يفتحوا الصبح!»
​ما ترددتش ولا ثانية.. مسكت القلم ووقعت باسمي الثلاثي بخط واضح في آخر الصفحة.خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتميد بيا، بس جوة صدري نار شاعلة ومش هتهدى غير لما تجيب حق كل سنين الظلم.
​قبل ما البورصة تفتح الصبح، كانت التحفظات الرسمية وأوامر المنع من السفر نزلوا على راس شريف وأمه زي الصاعقة.
​تليفوني ما بطلش رن.. شريف كان بيكلمني وهو بيبكي بكا هستيري:
«جوليانا أرجوكي! البنك جمد كل حساباتنا، وشرطة الأموال العامة واقفين على باب الفيلا! أستحلفك بجميلنا عندك افتحي الباب ونتكلم، أمي جتلها ذبحة صدرية ومش قادرة تتنفس!»
​رديت عليه بكل جفاف الدنيا: «الجميل الوحيد اللي بيني وبينكم هو الأربع سنين اللي سرقتوهم من عمري.. والآن، القانون هو اللي هيردلي باقي الجمائل يا شريف.»
​وقفلت السكة في وشه.
​بعد أسبوع واحد بس من بداية التحقيقات، ظهرت المفاجأة الكبرى اللي زلزلت القض/ية كلها:
المحققين اكتشفوا إن حادثة العربية اللي مات فيها أبويا وأمي من أربع سنين ما كانتش قضاء وقدر زي ما فاكرين!
ماجدة كانت متفقة مع الميكانيكي الخاص بعيلتنا عشان يعطل الفرامل، وكان الهدف إنهم يخلصوا من أبويا قبل ما ينفذ البند السري في وصيته ويطرد عيلتها من إدارة الموانئ واللوجستيات!
​أول ما شريف عرف بالتحقيقات وبإن الموضوع دخل في جناية ق/تل عمد، وشه جاب ألوان ونهار نهائياً. وفي لحظة الجبن الأخيرة، راح للنيابة وباع أمه بالرخيص، واعترف إنها هي اللي خططت لكل حاجة، وإنها أجبرته يستغلني ويمضي على التنازلات المزورة عشان يغطوا على سرقاتهم.
​ماجدة اترمت في السجن بلبس الحبس الاحتياطي، تتنقل بين أقسام الشرطة والمحاكم وهي شايفه كل عزها وثروتها المنهوبة بيرجعوا لأصحابهم الحقيقيين. وشريف، اللي كان فاكر نفسه راجل أعمال كبير، انكسر وراح عليه كل شيء، وبقى مطرود من الشركة ومطلوب في قضايا تزوير وشيكات بدون رصيد.
​أما أنا.. فقفت من تاني في قلب المنطقة الصناعية بـ ٦ أكتوبر، واستلمت إدارة مجموعة شركات والدي رسمياً.
​رجعت العز لأصحابه، وقفت على رجليا بكرامتي وقوتي، وأدركت إن القلم اللي ضربته لـ ماجدة في الصباح الباكر دا ما كانش مجرد ضربة على وشها.. دا كان إعلان بداية لحياتي الحقيقية، والنهاية المحتومة لكل إنسان افتكر إن حلم الضعيف ومسكنته ممكن يستمروا للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *