الساعه كانت حصري لصفحة روايات رولا
السؤال طلع من بقي بصوت واطي ومذهول.
آسر هز راسه:
— أيوا، عن طريق مكتب التسويق العقاري.
أنا لما قررت أبيع الشقة، جاتلي معروضة سريعة وجادة جداً وكاش، والمكتب قال إن المالك مش عايز يفصح عن هويته غير بعد التسجيل والتسليم.
ما سألتش في التفاصيل، كان كل همي أنقذ مالي وحقي وأمشي من البيئة دي.
حازم قرب خطوة وهو متجنن:
— أنت مين أنت كمان؟!
آسر بص له بكل ثبات:
— أنا زميل قديم لمريم.
”زميل” دي كانت أسهل كلمة لوصف اللي كان بينا.
أنا وآسر اتعرفنا وأحنا في العشرينيات، قعدنا سنتين بينا إعجاب وتفاهم شديد بس ما تحولش لجواز رسمي.
هو كان هادي، منظم، وعقله موزون.
وأنا وقتها كنت فاكرة إن الهدوء ملل، والفرقعة والشقاوة هي الحب.. لحد ما ظهر حازم بكلامه المعسول ووعوده اللي في الهواء.
أهلي كانوا بيفضلوا آسر جداً، وده خلاني أعاند أكتر وأتمسك بحازم.
يااه.. قد إيه بني آدم بيبقى أعمى لما يفتكر إن اللي بينصحه عايز يتحكم فيه، قبل ما يدفع تمن أخطائه!
— يعني أنتوا متفقين ومخططين للبيعة دي مع بعض؟! — حازم سأل بغل.
— لا — رديت أنا فوراً.
آسر أكد كلامي وقال:
— مريم ما كانتش تعرف مين المشتري اصلاً.
وبعدين بصلّي وشرح لي إن فيه صديقة مشتركة بيننا قالت له إني ببيع شقتي ومحتاجة أخلص بسرعة. هو شاف إعلان الشقة وعرف المنطقة، وسأل بذكاء.
— الشقة كانت فرصة استثمار ممتازة — قال آسر — ولما عرفت إنها شقتك، قدمت عرض ندي ونظيف كاش من غير فصال ولا شروط تعجيزية.
— عشان صعبت عليك؟ — سألته.
نبرته اتغيرت:
— عمرك ما تصعبي عليا يا مريم. أنا عارف إنك لو بتبيعي بالسرعة دي، يبقى بتاخدي خطوة مهمة في حياتك.. أنا بس سهلت عملية كانت بالنسبة لي استثمار ناجح.
حازم ضحك بمرارة:
— يا سلام! بالبساطة دي؟!
لفيت وربعت إيدي وبصيت لحازم:
— البساطة الحقيقية هي إنك عشت أربع سنين في شقة بمدفعش فيها جنيه قسط، وسايب أهلك فاكرين إنك أنت اللي جايبها!
هدى اتدخلت تاني:
— بس بقى يا مريم! كفاية جرح وإهانة في ابني!
بصيت لها بعين حامية:
— أنا ما افتريتش على حد ولا تبليت على حد.. أنا ما عزمتش تمان تنفار في بيت مش بيتي، وما عشتش أربع سنين باكل وبشرب من خير غيري، وما سبتش عيل صغير يبوظ عربيات الناس في الشارع!
عم طارق صرخ:
— ده كان حادثة وغصب عنه!
آسر رد بثبات:
— أنا مش بحاسب الطفل.. أنا بحاسب الكبار اللي سايبينه من غير رقابة.
دي كانت المشكلة في العيلة دي، ديماً فيه حد تاني مفروض يشيل الشيلة!
حد تاني يستضيف، حد تاني يصرف، حد تاني يحل المشاكل.
ولأربع سنين كاملين.. الحد التاني ده كان أنا!
مندوب شركة التأمين وصل، صور التجريح، وأخد البيانات، وبلغ عم طارق بالإجراءات الرسمية.
محدش اتكلبش ولا اتعملت هيصة، بس كان فيه حاجة أصعب عليهم من الكلبشات: ورقة رسمية ومحضر برقم، وتكلفة هتتدفع يعجبهم ولا ما يعجبهمش.
التكلفة في التوكيل كانت معدية الستين ألف جنيه!
طارق وشة اصفَر وبص لحازم:
— حازم.. تصرف وادفع معانا.
حازم انفجر بصوت هز العمارة:
— أدفع منين يا عمي؟! أنا كل قرش كنت بكسيبه كنت بديه لأمي!
الهدوء نزل على المكان زي الصخرة.
هدى اتسمرت مكانها، وعم طارق استغرب:
— كل فلوسك؟!
حازم كان بياخد نفسه بصعوبة:
— أيوا! عشان تصليح الشقة، وعشان ديون أخويا، وعشان علاج ستي، وعشان المشروع الفاشل اللي ما نجحش! عشان الفسح والعزومات!
أمه حاولت تسكته:
— يا ابني بس…
— لا مش هسكت يا أمي! مريم كانت بتدفع قسط الشقة وأنا بحول لك مرتبي عشان قلتيلي “الابن البار ما يسيبش أمه”!
— ما أنا أمك!
— وفريدة بنتي!
الكلمة دي وجعتني جداً.. لأنها الحقيقة.
بنتنا فريدة كانت بتطلب جزمة جديدة للتمارين أو مصاريف نشاط في المدرسة، وحازم كان يقعد يتحسسر ويقول “الشهر الجاي يا فريدة”، وفي نفس الوقت بيبعت ألفات لأمه وأهله.
حازم قعد على الرصيف وبكى زي العيل الصغير.
— أنا عملت إيه في نفسي وفي بيتي…
ما رديتش عليه.. لأن فيه إجابات بتيجي متأخرة أوي.
أخدت فريدة ورحت شقتنا الجديدة في المعادي.
كانت شقة صغنونة، أوضتين وصالة وبلكونة صغيرة.. بس أول ما فريدة دخلت أوضتها ولقيت ألعابها وكتبها ورصت حاجتها، ضحكت وقالت لي:
— يا ماما.. هي دي الشقة اللي هنعيش فيها أنا وانتِ بس؟
وطت ومسكت إيديها: