نزلت من دبي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول: البيت اللي في آخر الشارع
طيارتي من دبي وصلت بدري، فقلت أعمل مفاجأة للتوأم بتوعي، عمر ومريم، وأمي حبيبتي “فاطمة”.
بس بدل المفاجأة الحلوة، دخلت على كابوس.
”أمك جاية هنا تشتغل وتخدم، مش عشان ترتاح وتصيف! لما تخلص عشا المحشي والبط تبقى تقعد ترتاح!”.. ده كان صوت حماتي “عفاف” طالع من الصالة بكل تجبر.
وقفت في مدخل الشقة ودمي اتجمد في عروقي.
كانت “عفاف” ممددة على الكنبة بفرندة، وبتشاور بإيدها ناحية المطبخ كأن أمي خدامة عندها بالجرام! وجنبها جوزي “شريف” قاعد بيتفرج على الماتش في التلفزيون، ماسك أزازة الحاtop وفي الإيد التانية الموبايل، ولا كأن في حاجة بتحصل!
وفجأة سمعت صوت “مريم” بنتي بتبكي بقهقرة.
جريت على المطبخ بسرعة.
لقيت أمي واقفة قدام البوتاجاز والصهد طالع في وشها، شايالة مريم على صدرها وبتقلب الحلة بالإيد التانية! وعمر ابن الصغير ماسك في جلابيتها ورجليه بتترعش من الخوف والتعب. وش أمي كان أصفر زي الليمونة، والعرق مغرق طرحتها، وصوابع إيدها الورمانة بالعافية ماسكة المعلقة.
أمي عندها روماتويد شديد في العظام، في أيام كتير مابتعديش غير لما أسنّدها عشان تقوم من السرير!
”أمي! أنتِ بتعملي إيه هنا؟!”
أمي بصت للأرض بكسرة وهي بتحاول تخبي وجعها: “عفاف هانم كانت عاوزة بط ومحشي.. وقالتلي بعد ما تخلصي انفضِي الملايات واغسلي بنطلونات شريف واكوي قمصانه.”
قربت عشان أخد مريم منها، بس أمي اتخضت واتحركت ورا خايفة!
وفي اللحظة دي.. شفت زرقان وورم واضح على خدها!
ولما ركزت، لقيت علامات صوابع معلمة أزرق في أحمر على معصمها وذراعها!
صوتي كان بيترعش من الصدمة: “مين عمل فيكي كده يا أمي؟!”
أمي شدت كم الجلابية بسرعة: “مفيش يا بنتي.. وقفت دخت ووقعت في المطبخ.”
بس عينها ما جتش في عيني أبداً.
من الصالة بره، صرخت عفاف: “قوليلها تخلي بالها متحرقش الأكل زي المرة اللي فاتت!”
وشريف ضحك ببرود: “ولسه مغسلتش الهدوم اللي على الكرسي كمان!”
في اللحظة دي.. حسيت بنار اتطفت جوايا واتحولت لثلج.
بقالي سبع سنين أنا اللي بدفع إيجار الشقة دي في التجمع، أنا اللي شارية العربيات، أنا اللي بدفع مصاريف السفر، وحتى عمليات ورك “عفاف” أنا اللي سددت حسابها في المستشفى الخاص! “شريف” عايش برنس وبيعامل الناس بفك مفصل عشان أنا اللي سمحتله بدس الفلوس في جيبه!
وفي الآخر، وفي غيابي.. يبهدلوا الست اللي باعت قيراطين الأرض بتوعها في البلد عشان تدخلني كلية الهندسة؟!
مسكت شنطة أمي، شلت عمر على دراعي وخدت مريم من إيدها.
”أحنا ماشيين من هنا.”
طلعت عفاف تجري من الصالة: “تمشي فين؟! دي لسه مخلصتش شغل البيت!”
وقف شريف في وشي وسد باب الشقة: “اعتذري لأمي فوراً وادخلي كملي شغل المطبخ مع أمك!”
طلعت موبايلي وفتحت أبلكيشن التحكم في البيت الذكي (Smart Home).
الكهربا: فصل.
المية: إغلاق.
الكارت البنكي والفيزا اللي معاه: إيقاف وتجميد.
التلفزيون طفى فجأة. النور اتقطع. شاشة التكييف اسودت.. وموبايل شريف بدأ يرن برسائل إلغاء الكروت وسحب الصلاحيات.
زقني وهو بيصرخ في الضلمة: “أنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟!”
بصيت في عينه ببرود: “رجعتك للحياة اللي تق his تقدر تدفع ثمنها من جيبك.”
مشيت وسبته، وورقت أمي والعيال، وعديت الشارع لغاية ما وقفت قدام الفيلا الكبيرة اللي في أول الشارع.. القصر اللي في التجمع اللي كل المنطقة بتتكلم عنه.
حطيت بصمة إيدي على الجهاز الذكي على البوابة.
البوابة الحديدية الضخمة اتفتحت ببطء.
شريف كان بيجري ورايا في الشارع حافي: “أنتِ بتعملي إيه؟! إزاي البوابة بتفتحلك؟! الفيلا دي بتاعة مين؟!”
لفتله والبوابة بتقفل بيني وبينه: “بتاعتي.. شرياها من تلات سنين ومدفوع ثمنها بالكامل.. واسمك مش مكتوب في ورقة واحدة فيها!”
الجزء الثاني: العلامات والآثار
جوا الفيلا، الهدوء كان مرعب.. مفيش صوت تلفزيون زعيق، مفيش شريف بيطلب شاي ولا عفاف بتأمر.
عمر بصلي بعيون واسعة: “ماما.. أحنا هنقعد هنا خلاص؟”
“أيوه يا حبيبي.. طول ما إحنا عاوزين.”
أمي قعدت على كرسي في الصالة، وشها كان رمادي من الخوف والوجع. قعدت العيال يتفرجوا على الكارتون ورجعتلها.
”أمي.. عاوزة الحقيقة، وماتخبيش عليا حاجة.”
حاولت تداري وتدافع عشان خراب البيت، بس أنا قطعت كلامها:
“شريف أبوا عيالي يا أمي.. بس أنتِ أمي اللي ملقتش غيرها.”
بالعافية، رفعت كم الجلابية.. علامات صوابع زرقاء دايرة داير حولين معصمها، وجنبها بقع صفراء قديمة من كدمات سابقة!
عفاف مسكتها بغشم ودركتها لما مريم دلقت العصير غصب عنها، وشريف كان واقف بيتفرج وقال لأمي: “لو اشتكيتي لبنتي ولا نكدتي عليها وهي في السفر، مش هخليكي تشوفي العيال تاني!”
بصيت لأمي في عينها: “وشريف؟ مدش إيده عليكي يا أمي؟”
ردت بسرعة وسرعة ردها كشفتها: “لا يا بنتي.. لا!”
”أمي.. بصيلي.”
حطت إيدها على خدها الموجوع..
“زقني زقة خفيفة أول أمس..”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.
قبل يومين، لما عفاف اشتكت إن العشا اتأخر، أمي قالت لشريف: “أنا مش خدامة عندكم هنا.” شريف ثار وقالها “متليطيش لسانك على أمي!” وزقها من كتفها، فاتكعبلت ودخلت بوشها في ضلفة المطبخ!
جوزي.. الراجل اللي أمنته على اسمي وعيالي.. مد إيده على أمي الست المريضة!
تليفوني رن.
شريف.
رديت بالرفض (Reject).
بعدها الرسائل نزل زي المطر:
افتحي البوابة دي!
لازم نتكلم فوراً.
مش هسيبك تاخدي العيال.
بلاش الجنان والتصرفات العبيطة دي!
وبعدها جت الرسالة اللي خلت إيدي اترعشت من الغضب:
”هتندمي يا ندى.. وحياة أمي هتندمي!”
بصيت في كاميرات البوابة، لقيت شريف واقف مع أمه عفاف بره بيصرخوا ويهددوا. فتحت الإنتركم وقلتلهم إن العيال كويسين ومش هيدخلوا.
عفاف صرخت: “الفيلا دي ملك ابننا! أنتِ كتباها باسمه إزاي تتصفي كده؟!”
رديت بثبات: “الفيلا دي مش ملك شريف ولا عمري كتبتله حاجة.. الفيلا دي ممتلكات خاصة ومسجلة باسمي عن طريق أصول وودايع قديمة من قبل ما أتجوزه أصلاً!”
وش شريف اتغير في لحظة من الغضب للذهول والطمع:
“أنتِ كان عندك أصول وودايع ومخبية عليا؟! فيها كام الفيلا دي والأصول دي؟!”
ما سألش: العيال عاملين إيه؟
ما سألش: طمنيني على أمك بعد الوقع؟
كل اللي فارق معاه: “فيها كام الفلوس دي؟!”
قفلت الإنتركم في وشهم وسكبت السكوت.
الجزء الثالث: الجواب اللي سابه أبويا
خدت أمي لجنح كامل في الفيلا، وقلتلها دي أوضتك ومش هتمشي من هنا أبداً.
دمعت وقالتلي: “يا بنتي أنا مش عاوزة أكون تقيلة عليكِ ولا أكون سبب خراب بيتك.”
مسكت إيدها: “أنتِ باعتي حتة الأرض اللي حيلتك عشان أدخل هندسة يا أمي.. اشتغلتي في البيوت وشلتي فوق طاقتك ولپستي نفس البالطو 9 سنين في البرد عشان تدفعي المصاريف.. أنا فاكرة كل حاجة.”
ابتسمت بتعب: “أنتِ فاكرة كتير أوي يا ندى..”
“أنا فاكرة كل حرف.”
ردت بصوت واطي ومكسور: “وأنا كمان فاكرة..”
وقبل ما ألحق أسألها تقصد إيه بكلمتها دي.. صوت إنذار الفيلا ضرب بصوت عالٍ!
حد فتح البوابة الخارجية ودخل باستخدام “كود الطوارئ الخاص”!
الكود ده ما حلتش غير تلاتة بس في الدنيا دي كلها: أنا، والمهندس المسؤول عن صيانة الفيلا.. والمحامي الخاص بأبويا الله يرحمه!الجزء الرابع: السر المدفون تحت الأرض
قدام الباب كان واقف الأستاذ توفيق، محامي أبويا الله يرحمه اللي شغال مع العيلة من أكتر من 25 سنة.
أول ما بص على وش أمي “فاطمة” ورأى الكدمات، ملامحه اتغيرت وشحب لونه..
“يا ساتر يا رب.. يا فاطمة، عملوا فيكي إيه؟”
أمي بسطله بصوت بيترعش: “أنت كنت عارف يا توفيق؟”
رد بأسى: “كنت خايف إن اليوم ده ييجي..”
فتح شنطته وطلع منها أظرف مغلقة بختم قديم. على ظرف منهم كان مكتوب بخط إيد أبويا الله يرحمه:
“لو فاطمة اتأذت في يوم من الأيام.. افتحي الظرف ده يا ندى.”
الأستاذ توفيق قالي إن أبويا ما عملش الوديعة والأصول دي بس عشان يؤمن مستقبلي.. ده عملها بالأساس عشان يحمي أمي!
وبعدها طلع عقد ملكية وعقود تنازل قديمة من 28 سنة..
الاسم اللي كان مكتوب في أول الصفحة فوق: عفاف عبد الجواد!
حماتي!
وكانت في صورة قديمة متدبسة في الورق: فيها أبويا، وأمي، وعفاف وهي أصغر في السن، وراجل تاني اسمه سامح.. جوز عفاف الأولاني!
وعلى ضهر الصورة، أبويا كان كاتب بخط إيده:
“فاطمة أوعى تقعد مع الناس دول في مكان واحد لوحدها أبداً.”
في اللحظة دي اتكشفت الحقيقة المرعبة: أمي كانت تعرف عفاف من زمان قبل ما أنا أتجوز “شريف”! وعفاف مثلت إنها ما تعرفهاش ولا عمرها شافتها!
“سامح” ده كان شغال زمان في شركة المقاولات بتاعة أبويا، واختفى فجأة بعد ما اتسرقت مبالغ ضخمة من الشركة.. وعفاف كانت هي الإيد الخفية في اللعبة دي كلها!
توفيق كملي الصدمة: “جواز شريف منك ما كانش صدفة يا ندى.. أمه عفاف هي اللي زقته عليكِ وزقت شركته عشان تتعامل مع شركة الاستشارات اللي كنتِ شغال فيها!”
كل ذكريات جوازي شريط ودار قدام عيني بتركيب جديد..
المقابلة “الصدفة”..
الضحكة الجذابة..
قصة الحب السريعة..
وأسئلته المستمرة عن أملاك أبويا وفلوسه!
وفجأة، شريف بعتلي صورة على الموبايل من شقتنا القديمة..
كان واقف جوة مكتبتي، جنب الخزنة القديمة اللي كنت بشيل فيها أوراق العيلة:
“كان لازم تقوليلي أبوكي سابلك إيه قبل ما يتكل..”
وراح باعت رسالة تانية: “أمي بتقول إن الفلوس دي حقنا إحنا.”
فتحت الجواب بتاع أبويا تاني، ولقيت سطر معمل عليه خط أحمر:
“عفاف ما كانش فارق معاها فلوسنا.. عفاف كانت بتدور على الحفظة والورق اللي سامح خباهم!”
في نفس اللحظة.. إنذار الفيلا صرخ بصوت يرعب!
السيستم أعلن: “حاولة اختراق: خزنة القبو السفلية!”
ما حدش في الدنيا كان يعرف إن الفيلا فيها قبو سفلي ومخبأ تحت الأرض.. غير أبويا.. وواضح إن عفاف كمان كانت عارفة!
الشاشة اتغيرت وكتبت: “تم قبول كود الفتح!”
أمي همست ورجليها مش شايلاها: “في سر في الفيلا دي أبوكي ما لحقش يقولك عليه يا ندى..”
كاميرات القبو اتطفت. أمن الفيلا جيه وجرينا على تحت..
باب الخزنة الحديدي كان مفتوح على آخره!
اللي دخل، هرب عن طريق نفق الصيانة القديم اللي بيبص على الشارع الخلفي.
جوة الخزنة، لقينا صندوق خشب قديم، وصورة لسامح مع أبويا، ومكتوب على ضهرها:
“سامح عارف مكان الحفِظة اللي عفاف سرقتها.”
تليفوني رن بصورة بعتها شريف.. عفاف كانت ماسكة في إيدها شنطة معدن سوداء صغيرة!
ورسالته كانت: “كان المفروض تفتحي الخزنة بدري.. اسألي أمك بقى سامح سرق إيه!”
أمي وقفت وبكت بحرقة واعترفت بالحقيقة:
“سامح ما سرقش حاجة من أبوكي يا ندى.. عفاف هي اللي سرقت الشركة ودبستها في جوزها سامح بورق مزور وتحويلات خفية! ولما سامح اكتشفها وكان رايح يفضحها ويقدم الأوراق الأصلية لأبوكي.. العقد الأصلي والورق اختفوا.. والشنطة اللي في إيد عفاف دي هي اللي فيها دليل براءته وإدانتها!”
الجزء الخامس: التسجيل الممسوح
جوة الصندوق الخشب لقينا شرايط كاسيت قديمة، كان في شريط مكتوب عليه بمسك أزرق:
“عفاف — ليلة اختفاء سامح.”
شغلنا الكاسيت..
صوت أبويا الله يرحمه ملا الأوضة، وبعده صوت “سامح” وهو بيتوسل لأبويا إنه يحمي أمي “فاطمة”..
وفجأة، طلع صوت عفاف وهي صغيرة.. صوت صريخ وزعيق! كانت بتتهم سامح إنه بيحاول ياخد ورق هيدمر مستقبل ابنها “شريف”!
وسامح بيصرخ فيها: “دي فلوس حرام وورق مزور أنتِ سرقتيه!”
وكان في صوت طفلة صغيرة بتعيط في الخلفية.. الصوت ده كان صوتي أنا لما كان عندي تلات سنين!
وفجأة عفاف قالت كلمة خلت الدم يتجمد في عروقنا:
“لو مشيت بالورق ده يا سامح.. هخرج للشارع وأقول للناس كلها مين هو الأب الحقيقي لشريف!”
بصيت لأمي وأنا مش مصدقة.. والتسجيل اتقطع فجأة لأن الباقي كان ممسوح!
أمي نزلت راسها في الأرض واعترفت بالسر الأخير:
زمان، قبل ما أتولد بكتير، وبسبب خلاف وسوء فهم بين أبويا وأمي، أبويا اتعرض لابتزاز وغلطة عمره مع عفاف.. وعفاف قعدت سنين تدعي وتفهم الكل إن “شريف” ابن أبويا، وإن ليها حق في كل ثروة عيلة “النحاس”!
بس بعد سنين، تحليل الـ DNA أثبت إن شريف ابن “سامح” بصورة قاطعة.. لكن عفاف فضلت تستخدم الشبهة دي عشان تبتز أبويا ولما سامح جوزها اكتشف سرقتها وفبركتها وقرر يفضحها.. اختفى وما حدش شافله أثر من يومها!
في اللحظة دي.. جالي لوكيشن (موقع) من شريف على الموبايل:
“تعالي لوحدك مخزن الشركة القديم في طريق السويس.. لو عاوزة تعرفي الحقيقة كاملة عن سامح وشغله.”
توفيق المحامي حذرني: “ده فخ يا ندى!”
قلتله: “عارفة.. بس لازم أعرف شريف شريك مع أمه في القذارة دي ولا مجرد لعبة في إيدها زي ما عملت مع الكل!”
الجزء السادس: الراجل اللي اختفى
الحراسة والأمن مشيوا ورايا من بعيد وبحرص لحد ما وصلت المخزن المهجور في طريق السويس..
دخلت، لقيت “شريف” قاعد على كرسي، وشه أصفر، مرعوب، والشنطة المعدن السوداء مفتوحة قدامه على الطاولة.
جوة الشنطة كان في تقرير تحليل الـ DNA الأصلي، وإقرار مكتوب وموقع من جوز أمه “سامح”!
شريف بصلي بعيون مكسورة وكأنه صحي من كابوس:
“ندى.. أمي بنت حياتي كلها على كذبة! فهمتني طول عمري إن أبوكي هو اللي رماني وما اعترفش بيا، وإن سامح ده مش أبايا.. طلعت هي اللي زورت وكل ده كان كذب!”
قلتله ببرود: “أنا عارفة..”
زق ورقة ثانية ناحيتي بإيد بتترعش.. ورقة من قسم الشرطة وبلاغ قديم متغطي بالتراب!الجزء السادس (تكملة): الراجل اللي اختفى
في الورقة اللي سحبها سامح وقدمها للشرطة، كان كاتب فيها كل التحويلات المزورة والحسابات السريعة اللي عفاف عملتها باسمه، ورغبته إنه يخرج من حياتها تماماً.
وفي آخر الفقرة كان كاتب:
“لو حصلي أي حاجة، عفاف مالهاش دعوة، أنا ماشي بمزاجي وبسيب كل حاجة ورايا.”
سامح ما ماتش زي ما عفاف فهمت الكل!
سامح اختفى بمزاجه عشان توقيعاته كانت على عمليات النصب اللي عفاف استغلته فيها.. ساب عربيته في حتة مهجورة، غير اسمه، وبدأ حياة جديدة من الصفر!
وفجأة.. طلع صوت من الضلمة في المخزن:
“أنا هنا يا شريف..”
خرج راجل كبير في السن تحت إضاءة المخزن..
دقن بيضاء هادية.. وعيون رمادية شبه عيون شريف بالظبط!
شريف همس بصدمة ودموعه نازلة: “بابا؟!”
سامح اعترف إنه هرب زمان من الخوف، وبنى حياة جديدة، وتجوز وخلّف بنتين وعند أحفاد كمان. وعفاف وصلتله من ست شهور وكانت عاوزة الإقرار والأوراق الأصلية عشان تدمر عيلة “النحاس”.. ولما رفض يديها الورق، راحت لأمي “فاطمة” وبدأت تضايقها وتستغلها لأنها كانت فاكرة إن أبويا سايب نسخ من الأوراق دي مع أمي!
عفاف ما كانتش بس قاسية مع أمي.. دي كانت بتفتش البيت وبتستغلها بعنف عشان تدور على المستندات!
سامح سلمنا فلابشة عليها نسخ من كل التحويلات والعقود. النيابة جيت، وعفاف اتحبست بتهم جرائم مالية وتزوير، بالإضافة للبلاغ الخاص بالأذى والاعتداء على أمي فاطمة.
شريف تعاون مع النيابة والشرطة، وما حاولش يحمي أمه ولا يغطي عليها.
الخطوة دي كان ليها قيمة كبيرة عندي.. بس ما لغتش ولا مسحت الوجع واللي عمله في أمي.
الجزء السابع: الأم اللي ما كنتش اعرفها
بعد كام أسبوع، الأستاذ توفيق المحامي اكتشف سر تاني جوة الوديعة اللي أبويا سايبها.
أبويا كان شاري بفرقية فلوس من زمان أرض البلد اللي أمي باعتها عشان تدفع مصاريف كليتي، وكتب الأرض باسم أمي فاطمة! الأرض دي قيمتها زادت جداً وركبت فيها محطة طاقة شمسية ومأجرة لجزء منها بتجيب دخل شهري كبير!
أمي لما شفت عقد الأرض بكت بحرقة:
“أنا كنت فاكرة إن الأرض دي راحت مني للأبد يا ندى..”
قلتلها: “أنتِ ضحيتي بيها عشاني يا أمي..”
ردت بدموع: “ولو طلبتيها تاني أضحي بأغلى منها!”
الحياة بدأت تهدى وتستقر..
شريف بدأ يروح لدكتور نفسي، وجاب شغل جديد، وبدأ يسدد اللي عليه، وكان بياخد باله من التوأم (عمر ومريم) بانتظام. اعتذر لأمي فاطمة من قلبه وما طلبش منها تسامحه فوراً. ورق الطلاق يفضل ما اتمضاش وقتها.. مش عشان رجعتله، بس لأني رفضت آخد قرار تحت ضغط وتوتر.
وبعدها بأيام.. سامح بعتلي صورة قديمة على الموبايل..
صورة فيها البيت القديم، وأبويا، وأمي فاطمة، وسامح، وعفاف.. ومعاهم بنت شابة صغيرة شايلة بيبي صغير.
وعلى ضهر الصورة سامح كتب:
“اسألي فاطمة مين هي (مريم) يا ندى.”
أمي فاطمة قعدت معايا وقالتلي الحقيقة كاملة..
مريم كانت أختها الصغرى.. والبيبي ده كان أنا!
أمي فاطمة ما كانتش هي اللي ولدتني.. أختها مريم هي أمي الحقيقية!
كانت عندها 19 سنة، خايفة ولوحدها في الظروف دي، وأبويا الله يرحمه أتبناني رسمياً لما كان عندي سنتين، وأمي فاطمة ربتني وكبرتني كأنني حتة منها!
مريم الأم الحقيقية كانت لسه عايشة وموجودة في الإسكندرية.
قعدت يومين ما بكلمش أمي فاطمة..
مش كره فيها ولا زعل منها.. بس عشان مشاعر الحب والصدمة كانت بتخبط في بعضها جوايا.
في اليوم التالت، لقيت أمي فاطمة سايبالي عنوان ورقة تحت باب أوضتي.
سافرت إسكندرية وقابلت “مريم”..
أول ما شافتني بكت وقالتلي: “أنتِ شبه أباكي جداً..”
أبويا البيولوجي (الحقيقي)، “جمال”، ما كانش يعرف عن وجودي أي حاجة لحد وقت قريب، وكان عايش في الساحل قريب من هناك.
قابلته هو كمان.. ما حضننيش ولا اتمسكن، بس قال بصوت صادق: “أنا آسف إني ما كنتش اعرف..”
وصدقته.
الجزء الثامن: البيت اللي بقى سكن بجد
بعد سنة كاملة من اليوم اللي رجعت فيه بدري من السفر وشفت الكابوس ده.. اتجمعنا كلنا تاني في بيت العيلة القديم اللي شهد كل الأحداث.
بس المكان اتغير تماماً..
الصالة اللي كانت عفاف بتقعد فيها وتأمر أمي وتذلها، بقت حيطانها بيضاء ودافية، مليانة رسومات لعمر ومريم، والشمس داخلة فيها بهدوء. أمي فاطمة عملت أوضة في البيت مكتبة صغيرة لأطفال المنطقة يقعدوا يقرأوا فيها. والمطبخ عدلنا فيه الرخام والمقابض عشان تكون واطية وسهلة لإيدها ومفاصلها المريضة.
كانت واقفة بتطبخ بنفسها.. لأنها عوزة تطبخ، مش لأن حد جبرها ولا أمرها!
شريف جيه وجاب الطلبات ورتبها في المطبخ من غير ما حد يطلبه منه. التغيير ما جاش بوعود كلامية.. جيه بالاستمرار والتزام والمحاسبة والصبر.
أنا في الآخر أمضيت ورق الطلاق..
كان لازم الجوازة القديمة والمريضة دي تنتهي تماماً قبل ما أي صفحة جديدة تبدأ.
بعدها بست شهور، بدأت أنا وشريف نتقابل من جديد وببطء شديد..
نشرب قهوة سوا..
نخرج نتمشى مع عمر ومريم..
كل واحد في بيته وبحدود واضحة وصريحة.
ما كانش بيسألني أبداً “هنرجع لبعض امتى؟”.. وده كان السبب الرئيسي اللي خلاني أستمر في المقابلة.
في عيد ميلاد أمي فاطمة، العيلة المعقدة دي كلها اتجمعت في البيت..
سامح جيه، ومريم جيت، وجمال جيه، والأستاذ توفيق جيه (والحمد لله ما كانش جايب معاه أي أظرف ولا عقود!).
شريف قرب مني واداني سلسلة فضة صغيرة فيها أربع فصوص لولي حولين شجرة صغيرة..
“فص ليكي.. وفص لأمي فاطمة.. وفص لعمر.. وفص لمريم.”
سألته: “وأنت؟”
ابتسم وقال: “أنا مش بطلب أكون موجود بشكل تلقائي.. أنا بحاول أستحق مكاني بس.”
ولأول مرة.. حسيت إنه فهم فعلاً.
بعدها، الأستاذ توفيق اداني آخر جواب من أبويا الله يرحمه، كان كاتب فيه:
“العيلة مش باللي بيملكك، ولا باللي ولدك، ولا باللي اسمه جنب اسمك في البطاقة.. العيلة هي اللي بيحمي قلبك وبيصون كرامتك من غير ما يطلب يمتلكك.”
بصيت من الشباك على الجنينة بره..
أمي فاطمة كانت بتضحك من قلبها مع أختها مريم.. وجمال كان بيعلم عمر يطير الطيارة الورق.. ومريم بنتي نايمة على كتف أمي فاطمة.. وشريف واقف قريب بيساعد ويضحك من غير ما يفرض نفسه.
لسنين طويلة، الأسرار والكذب كانوا بيهدموا فينا..
بس الحقيقة في الآخر وسعت المكان لعيلة أكبر وأصدق.
القصر والفيلا كانوا مجرد عقارات وفلوس..
والفلوس مجرد ورق..
لكن الميراث الحقيقي اللي طلعت بيه هو ده:
مفيش حد من حقه يملك حب حد تاني، ولا مجهوده، ولا صمته، ولا مسامحته، ولا مستقبله..
الحب اختيار.. والاحترام ممارسة يومية.. والبيت الحقيقي هو المكان اللي ما بتخافش فيه أبداً من الناس اللي عايشين معاك جوا.