القاضي

​— لو خايف أوي كده، لم حاجتك وامشي!
​وقفلت السكة في وشه.
​حاتم حس بعقدة في بطنه من القلق.
​بالليل رجع وهو معزّم إنه يلم حاجته ويمشي، بس وهو بيحط المفتاح في الباب، جارتها اللي قصادها، الحجة نادية —ست تعرف مريم من سنين— فتحت الباب وبصلته بالشك.
​— مؤاخذة يا ابني، أنت مين؟
​حاتم ما كدبش عليها. حكالها كل حاجة.
​ملامح نادية اتغيرت وبقت صلبة:
— مريم ما قالتليش إن فيه حد هيقعد هنا.
​— عشان كده أنا محتاج أكلمها.
​طلعت نادية تليفونها:
— أنا معايا رقمها.
​مريم ردت تقريباً في ساعتها.
​ولما حاتم شرح لها إزاي ثرية فتحت الشقة بمفتاح قديم، مريم افتكرت نفسها سمعت غلط من الصدمة.
​— كررلي اللي قلته تاني معلش… حماتي القديمة قالتلك إنك تقدر تعيش في بيتي أسبوع؟
​— أيوه. في الأول قالتلي إن مصطفى ابنها هو اللي أذن بكده. بس دلوقتي أنا حاسس إن حضرتك ما تعرفيش أي حاجة.
​مريم اتسمرت مكانها.
​أول رد فعل ليها كان إنها تركب عربيتها وترجع في نفس الليلة، تطلب الشرطة وتغير تهاليل الكوالين كلها.
​بس بعدين فكرت في ثرية… عارفة كويس هي هتقول إيه: “أنا كنت مجرد بساعد واحد مالوش حتة ينام فيها، ومريم بتهول الموضوع عشان تقوِّم ابني عليا!”
​فعملت تصرف ما كانش حاتم نفسه مستنيه.
​— أنا هجي بكرة لوحدي. عايزة أشوف الشقة عاملة إزاي وأتكلم معاك.
​على الضهر، دخلت مريم ومعاها الحجة نادية.
​لقيت الصالة نظيفة، وملايات السرير متطبقة، وأوض عيالها محدش قرب لها. وفي التلاجة، حاتم كان حاطط حاجته كلها في رف واحد بس.
​— لو تحبي، أنا ألم حاجتي وأمشي حالاً —قال حاتم.
​هزت مريم رأسها بالنفي:
— لا، الأول أنا عايزة أفهم ثرية عملت كده ليه.
​اتكلموا تقريباً ساعة كاملة. بعد كده مريم كلمت المحامي اللي كان معاها في قض\ية الطلاق. كلامه كان واضح: المفتاح القديم ما يديش لثرية أي حق قانوني إنها تدخل أو تتصرف في الشقة.
​مريم قررت إنها هتغير الكوالين، بس مش دلوقتي.
​— ثرية قالت إنها جاية يوم الإثنين عشان تشوف الوضع بقى عامل إزاي، صح؟
​— أيوه.
​— يبقى أنا عايزاه تيجي وتشوف بنفسها.
​حاتم قطم حواجبه:
— أنا مش عايز أكون جزء من فخ أو لعبة.
​— ولا أنا بطلب منك كده. ما تستفزهاش، ما تطلبهاش، ما تعملش أي حاجة. كل اللي عايزاه إنها لما توصل ما تعرفش تتظاهر إن الموضوع كان مجرد غباء أو سوء تفاهم.
​وقبل ما تمشي، مريم سألت سؤال واحد:
— هي ثرية كانت تعرف أنت كنت في السجن ليه؟
​حاتم ضحك ضحكة مفيهاش أي صحة:
— هي حتى ما سألتش!
​— طب أقدر أعرف؟
​— مشاجرة… ضربت راجل وأذيته جامد. كنت غلطان، وشلت عقوبتي وخدمت مدتي، ومش فخور بلي حصل. بس العقوبة مش معناها إن الإنسان يفضل عايش طول عمره على إنه أسوأ نسخة الناس بتتخيلها عنه.
​مريم جتلها قشعريرة في جسمها.
​وساعتها بس فهمت الجزء الأكثر ظلاماً في الخطة.
​ثرية ما كانتش تعرف حاتم اصلاً!
​هي بس سمعت كلمة “مسجون قديم”، فراهنت على أنه هيكون وسخ، وخطر، وما بيحترمش حرمة بيوت.
​بعد تلات أيام، ثرية كلمته في التليفون:
— إيه يا ابني؟ عزمت صحابك ولا لسه؟
​— لأ.
​— ولسه قاعد بتنظف ورا منك؟
​— أنا سايب كل حاجة زي ما لقيتها.
​ضحكت ثرية ضحكة خفيفة:
— يا سيدي ما تجهدش نفسك أوي كده! لو البيت اكركب شوية ولا بقى فيه قذارة، عادي ما يجراش حاجة.
​حاتم سجل الكلام ده كويس في دماغه.
​يوم الحد بالليل، ثرية اتصلت تاني:
— أنا جاية بكرة على الساعة حداشر كده، عشان أشوفك عشت إزاي.
​حاتم استناها لما قفلت وكلم مريم.
​المعاد اتحدد خلاص.
​وثرية كانت لسه فاكرة إنها يوم الإثنين هتلاقي بيت متهدم، ومرات ابنها القديمة مكسورة ومتهانة.
​ما كانش عندها أدنى فكرة مين اللي هيقعد مستنيها جوة الصالة!
​الجزء الثالث
​يوم الإثنين، مريم وصلت الشقة الساعة تسعة ونصف. يوسف ونور سابتهم في رأس البر مع جدهم وجدتهم؛ ما كانتش عايزة عيالها يشوفوا خناقة ممكن تقلب بقلة أدب.
​حاتم كان خلاص لم شنطه:
— أول ما الموضوع ده يخلص، أنا ماشي.
​— بس هما لسه ما سلموكش الأوضة في البنسيون!
​— مش مهم. أنا عايز أخرج من هنا وأنا عارف إني ما استغليتش حضرتك ولا استغليت ظروفك.
​على الساعة عشرة، وصل مصطفى وهو متلخبط ومقلق:
— فهميني بقى فيه إيه بالظبط؟
​مريم شاورت على الراجل اللي قاعد في الصالة:
— ده حاتم. أمك دخلته هنا بالمفتاح القديم.
​مصطفى افتكر إنها بتهزر، لحد ما سمع الحكاية كاملة: ثرية فهمت حاتم إن مصطفى هو اللي سمح له، وفتحت الباب من غير إذن مريم، وطول الأيام اللي فاتت كانت بتحثه إنه يستعمل كل حاجة ويعزم أصحابه وما يهتمش بنظافة المكان.
​— أنا عمري ما أذنت لحد! —قال مصطفى وهو مصدوم.
​حاتم حط المفتاح على الترابيزة:
— والدتك فتحت بالمفتاح ده. وقالتلي إن طالما البيت ده كان بتاع ابنها، يبقى ابنها هو اللي يقرر.
​مصطفى اتعرف على نسخة المفتاح:
— أنا كنت فاكر إن مريم استردت النسخة دي بعد الطلاق!
​— وأنا كنت فاكرة إن ثرية ما بقتش تستخدمه —ردت مريم—. عشان كده طلبت منك تيجي. مش عايزة بكرة ولا بعده تقول إني بلّفت كلام عشان أوقع بينك وبين أمك.
​مصطفى نزل راسه في الأرض:
— أنا مش محتاج أختار بينك وبين أمي عشان اعرف إن اللي حصل ده قلة أدب وغلط.
​على حداشر وخمس دقايق، جرس الباب رن.
​حاتم فتح.
​— أيوه يا معلّم! —اتسمع صوت ثرية العالي وهي داخلة—. إيه، عشت عيشة الملوك ولا إيه؟
​دخلت وفي إيدها كيس ب any نوع من الحلويات وبدأت تبص حواليها. كانت متوقعة تلاقي زبالة، أزايز، عفش متكركب، أي علامة تؤكد اللي كانت متخيلاده في دماغها.
​بس ما لقيتش أي حاجة من ده!
​الصالة كانت زي الفل. جزمة حاتم محطوطة بالنظام جنب شنطته. ما فيش ريحة سجاير ولا حاجة واحدة مش في مكانها.
​— إيه ده؟ أنت مالك مكشر ومتنشن كده ليه؟
​حاتم مشي ناحية الصالة.
​ثرية مشيت وراه، واتسمرت مكانها زي الصنم أول ما شافت مريم ومصطفى قاعدين وشهم في وش بعض!
​— أنتِ رجعتِ إمتى؟ —سألت بصوت متهدج.
​— رجعت في الوقت المناسب عشان أعرف أنتِ دخلتِ مين بيتي وليه —ردت مريم.
​ثرية بصت لحاتم بغل:
— أنت اتكلمت؟ أنت كلمتها؟
​— أيوه. لما فهمت إنها ما تعرفش أصلًا إني هنا.
​ثرية اتلفتت لابنها:
— مصطفى! أنا بس كنت بساعد واحد ما عندوش مكان ينام فيه!
​— أمي، جابيلي على سؤال واحد —قال مصطفى بحدة—. أنتِ دخلتِ بمفتاح قديم شقة ما بقتش ملكي، وسبتِ فيها بني آدم مريم ما تعرفهوش؟
​— ما تقولهاش بالطريقة دي!
​— عايزني أقولها إزاي؟
​— الشقة دي كانت بيتك!
​— كانت! ودلوقتي ما بقتش!
​ثرية ضغطت على كيس الحلويات اللي في إيدها:
— أنت اتسبت تتاخد منك كل حاجة! كان لازم حد يجيبلك حقك!
​مريم حست إن الكدبة أخيرًا اتكشفت بالكامل:
— يعني ما كانش عمل خير ولا زفت.
​— ما تعمليش فيها ضحية! أنتِ خدتِ الشقة، وخدتِ العيال، وعايشة مرتاحة!
​— مصطفى أخد حقه وتعويضه بالكامل!
​— ما أخدش اللي يستحقه!
​مصطفى خبط على الترابيزة بإيده بقوة:
— الكلام ده إحنا اللي اتفقنا عليه وقفلناه! أنتِ ما كانش ليكي أي حق تنتقمي نيابة عني!
​ثرية اتلفتت لحاتم وهي بتصرخ:
— وأنت طالع فيها إيه في التمثيلية دي؟ أنا مش وفرتلك سقف ببلاش؟
​— طالع منها بإن محدش يقدر يقول إني دخلت بجهلي أو إني دمرت حاجة —رد حاتم بقوة—. حضرتك كنتِ مستنية إني أعمل مصيبة وإعادة كركبة.
​— أنت خيالك واسع أوي!
​— حضرتك قلتيلي اعزِم أصحابك. وسألتيني بنظف ولا لأ. ولما قلتلك إني سايب كل حاجة زي ما هي، قلتيلي إن مش هيجرى حاجة لو لقيتِ البيت وسخ!
​ثرية وشها اصفرّ تماماً.
​— أنت بتلوي كلامي!
​— مش محتاج يلوي حاجة —قالت مريم بصلابة—. إحنا فهمنا خلاص.
​مصطفى بص لأمه بذهول:
— أنتِ كنتِ تعرفي حاتم من إمتى قبل ما تجيبيه هنا؟
​سكتت وما ردتش.
​حاتم هو اللي رد:
— بقالها تلت أيام.
​— تلت أيام؟! —كرر مصطفى—. وكنتِ تعرفي عنه إيه؟
​— كنت أعرف اللي يلزم! —تمتمت ثرية.
​— إيه هو اللي يلزم؟
​حاتم بص لها في عينها مباشرة:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *