القاضي
— إني لسه طالع من السجن.
السكوت نزل على الشقة زي الصخرة.
مريم فهمت إن دي كانت القطعة الناقصة في البازل كله.
— عشان كده اختارتيه —قالت مريم—. افتكرتِ إن واحد رد سجون هيوسخ، ولا هيسرق، ولا هيكسر الشقة.
— أنا عمري ما قلت كده!
— أنتِ حتى ما سألتنيش أنا دخلت السجن ليه! —رد حاتم—. كان كفاية بالنسبة لكِ كلمة “سجن”.
ثرية قطمت حواجبها:
— ما تعمليش فيها ملاك أنت كمان!
— أنا مش ملاك. أنا اتخانقت مع راجل وأذيته جامد. غلطت وشلت عقوبتي. بس إني أعمل حاجة وحشة مرة واحدة في حياتي، ده ما يحرمنيش ولا يلمني إني أتحول طول عمري لأسوأ حاجة الناس مستنياها مني!
ثرية حودت عينها بعيد.
حاتم كمل كلامه:
— السخرية في الموضوع، إنك جبتيني هنا عشان تثبتي إن حد زيي ما بيحترمش حدود. وفي الآخر البني آدم الوحيد اللي عدى باب ما كانش المفروض يعديه… هو أنتِ.
مصطفى أخد نفس عميق بوجع:
— يا أمي… أنتِ ليه وصلتي لنفسك لكده؟
— عشان أنت خسرت!
— جوازي انتهى يا أمي، ده مش معناه إني خسرت حرب!
— خسرت بيتك وعيالك!
— أنا ما خسرتش عيالي، أنا لسه أبوهم! اللي خسرته هو جواز ما كانش ينفع يكمل. أنتِ بقالك ست شهور عايزة تحولي الموضوع لمعركة ويا قاتل يا مقتول!
— عشان هي اللي كسبت! —أصرت ثرية.
— الموضوع عمره ما كان مسابقة!
مريم اتكلمت برود وثبات هدوءه كان أصعب من أي زعيق:
— أنتِ دخلتِ راجل تعرفيه من تلت أيام البيت اللي عايش فيه أحفادك. ما كنتيش تعرفي هل هيعمل نسخة من المفتاح، هل هيجيب حد معاه، هل هيعبث في أوراق، ولا هيعرف عيالك بيدرسوا فين. انتِ كنتِ محظوظة إن حاتم راجل عنده ضمير وبيفهم.
ثرية بصت لحاتم.
— بس هو ما عملش حاجة!
— ده عرفتيه النهاردة —قالت مريم—. مش اليوم اللي فتحتِ فيه الباب.
ثرية قعدت على الكرسي ببطء. ولأول مرة، ما لقيتش كلمة واحدة ترد بيها.
مريم حطت ملف على الترابيزة فيه ورقة من المحامي.
— المفتاح القديم ده ما يكيش أي حق تدخلي ولا تقرري مين يعيش هنا. النهاردة الكالون هيتغير، وأنتِ مش هتاخدي نسخة تاني أبداً.
— وأحفادي؟
— تقدري تشوفيهم، أنا عمري ما منعتك. بس عشان تدخلي بيتي، لازم تستأذني مني الأول.
ثرية بصت لمصطفى بتترجاه:
— هترضى تخليني أتعامل كأني غريبة؟
— الاستئذان قبل ما تدخلي بيت مش ملكك مش معناه إنك غريبة يا أمي —رد مصطفى—. ده اسمه احترام.
— أنا عملت ده عشانك!
مصطفى هز رأسه بنفي:
— لأ. أنتِ عملتِ كده لأنك ما كنتيش قادرة تستوعبي إن مريم أخدت الشقة. استخدمتِ اسمي عشان تبرري غل جواه.
— أنا أمك!
— وأنا راجل كبير. مش محتاج منك تنتقميلي من مراتي القديمة.
ثرية قامت وقفت فجأة:
— تمام! أنا فهمت خلاص. كلكم بقيتوا عليا!
— محدش عليكِ —قالت مريم—. فيه حاجة اسمها عواقب.
ثرية بصت للمفتاح:
— هاتوه.
حاتم مسك المفتاح، وبدل ما يديهولها، مشي لحد مريم وحطه في إيدها هي:
— أظن المفتاح ده لازم يرجع لصاحبة البيت.
ثرية اتسمرت.
التصرف ده دمر أخر حاجة في خطتها. هي كانت اختارت حاتم كرمز للخطر والكركبة، وهو في اللحظة دي أظهر احترام للمكان أكتر منها هي شخصياً.
مسكت كيس الحلويات ومشت ناحية الباب:
— أتمنى تكونوا مبسوطين.
مصطفى رد قبل مريم:
— أنا مش مبسوط يا أمي… أنا زعلان ومصدوم فيكي.
بعد ما ثرية مشت، مصطفى قعد كام دقيقة ساكت:
— كان المفروض أوقفها من بدري لما كانت بتقول إنك سرقتِ البيت.
— ده موضوع بينك وبينها.
— أنا بس عايزك تعرفي إني ما كانش ليا يد في المهزلة دي.
— أنا عرفت خلاص.
مصطفى مشي.
حاتم شال شنطته. مريم عرضت عليه يقعد في الشقة لحد ما يستلم أوضته —المرة دي بإذنها ورضاها— بس هو رفض بشياكة:
— شكراً لحضرتك. بس أنا أفضل أمشي. أنا دخلت هنا من غير إذنك حتى لو كانوا ضحكوا عليا. عايز الموضوع ده ينتهي النهاردة.
وقبل ما يخرج، شاور على الكالون:
— غيريه.
مريم جابت السباك والنجار وغيرت الكالون في نفس اليوم بعد الظهر.
ولما جابت عيالها ورجعوا البيت، يوسف لاحظ المفتاح الجديد:
— هو إحنا غيرنا المفتاح ليه يا ماما؟
مريم قررت تقول الحقيقة من غير ما تضايقهم بالتفاصيل:
— عشان التيتا ثرية كان معاها نسخة قديمة ودخلت من غير ما تسألني.
يوسف كشر:
— ده تصرف مش صح.
— فعلاً مش صح، وإحنا عرفناها ده.
عدى تقريباً أربع أسابيع من غير أي أخبار عن ثرية. مصطفى كان بيشوف العيال ومريم ما كانتش بتسأل عنه ولا عن أمه.
لحد ما في يوم سبت، الجرس رن.
ثرية كانت واقفة برة، وفي إيدها شنطة فيها تفاح وعلبة رز بلبن.
المرة دي ما حاولتش تحط أي مفتاح.
— العيال جوة؟
— أيوه.
ثرية أخدت نفس عميق:
— أقدر أدخل؟
السؤال فاجئ مريم. وسعت لها الطريق.
نور جريت حضنت جدتها، ويوسف سلم عليها بتحفظ شوية. وبعد ما العيال دخلوا أوضتهم، ثرية قربت من مريم في المطبخ:
— أنا فعلاً كنت فاكرة إن حاتم هيبهدل الدنيا —اعترفت ثرية بصوت واطي—. كنت فاكرة إنه هيجيب ناس، وهيرمي زبالة، ويكسر حاجة… كنت عايزاكي ترجعي وتحسي إنك مالكيش كلمة ولا سيطرة على البيت ده.
— البيت ده عايش فيه أحفادك.
— أنا عارفة…
— أهو دلوقتي بقيتِ عارفة. اليوم ده كنتِ عايزة تأذيني وما فكرتيش في المخاطرة.
ثرية نزلت عينها في الأرض:
— صح.
ما قالتش “عشان مصطفى”. ما دوروش على أعذار.
— أنا اخترته عشان كان مسجون. حتى ما سألتوش هو عمل إيه. افتكرت إن الخراب هيحصل لوحده…
سكتت شوية قبل ما تكمل:
— والراجل اللي أنا جبت عشان يؤذيكي… طلع عنده أصل واحترام أكتر مني.
مريم ما ابتسمتش:
— الاعتراف ده مش بيمحي اللي حصل.
— عارفة. ولسه شايفه إن مصطفى اتظلم في الطلاق.
— من حقك تشوفي كده.
— بس الشقة دي حقتك أنتِ.
— وده بيت أحفادك.
ثرية بصت ناحية الممر:
— مش هدخل هنا تاني من غير إذنك.
ما كانش فيه أحضان ولا صلح خرافي، بس كان فيه حدود أخيرًا الكل اعترف بيها.
بعدها بساعات، مريم جتلها رسالة من حاتم: استلم الأوضة خلاص والشغل ماشي تمام، وفي الآخر سأل لو كانت غيرت الكالون.
”أيوه، كالون جديد تماماً،”ردت عليه.
”يبقى كده القصة خلصت زي ما كان المفروض تخلص،” كتب لها.
مريم حطت التليفون على الترابيزة وسمعت عيالها بيتخانقوا في الممر مين يدخل يستحمى الأول.
طول شهور، كانت فاكرة إن الطلاق بينتهي لما أوراق المحكمة تتبصم وكل واحد ياخد نصيبه.
في اليوم ده، فهمت إن الورق ممكن يقول مين صاحب البيت، بس ما فيش قاضي يقدر يديكي الاحترام مع الحكم… الحدود بتتبنى لما يكون فيه حد مستعد يدافع عنها.
وساعات، البني آدم اللي كل الناس بتحكم عليه بسبب أكبر غلطة عملها… بيبقى هو أكتر واحد فاهم يعني إيه باب ما كانش ينفع يتفتح!