ربيت حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
ربيّت ولاد جوزي أكتر من 30 سنة، وبمجرد ما دفنّاه في المقابر طردوني من البيت وطالبوا بالمحل… لحد ما ظهر اللي محدش فيهم كان متوقعه!
​— “قدامك 30 يوم بالضبط تلمي حاجتك وتفضي المحل اللي تحت العمارتين” — قالها لي كريم وهو لسه لابس أسود في أسود، ويا دوب كنا لسه حاطين الصبار والورد على قبرها وقبر أبوه، “بعد الكام يوم دول مش عايز أشوف وشك هنا تاني.”
​حسيت ببرد يناير في السيدة زينب بياكل في عظامي. جوزي، حاج مصطفى، يا دوب كان لسه تحت التراب. بقالي ساعات كاتمة دموعي بالعافية، وبدأت أسمع ولاده الكبار بيتكلموا عن العقود، والتسجيل، والمحلات، والفلوس.
​— “يا كريم، أبوك يا بني مكملش ساعة تحت التراب!”
​— “عشان كده بالذات لازم نجيبها من أصرها ونوضح كل حاجة” — اتدخلت نيرة أخته — “أنتي مش أمنا يا ست أنتي! عشتي معاه اه، على عيننا ورأسنا، بس لحد هنا وخلصت. العمارة والمحل دول ملك العيلة.”
​بعد أكتر من ثلاثين سنة بطبخ لهم، وبجري بيهم على الدكاترة، وبغسل زيهم المدرسي، وبدفع مصاريف دروسهم، وبسهر بالليالي مستنية رجوعهم ويدي على قلبي… الكلمتين دول صغروني ونزلوا دموعي كأني ولا حاجة.
​بس عشان تفهموا الوجع ده جه منين وليه كان بيموت، لازم نرجع بالزمن لليوم اللي دخلت فيه البيت ده لأول مرة.
​كان عندي 47 سنة، وكنت حلفة ما أتجوزش تاني أبداً. جوازتي الأولى انتهت من يجي عشرين سنة بعد ضرب وإهانة وخوف. لما قدرت أهرب وأنفد بجلدي، اشتغلت في المسمط والمطاعم الشعبية؛ الأول بغسل أطباق وحلل، وبعدين بقيت أقف على الحلة والكوارع. ومع الوقت جمعت قرشين على قرشين وفتحت محل فتة ومسمط صغير جنب منطقة مقاولات وبنا.
​وهناك عرفت مصطفى.
​كان بيجي وجزمته كلها تراب من الموقع، يأكل في صمت، وياخد طبقه يمسحه وميقومش إلا والمكان نظيف. في يوم الضهر اتكعبلت بصينية أطباق. في الوقت اللي زباين كتير قعدوا يجعجعوا عشان الشوربة طرطشت عليهم، هو قام من مكانه، مسك إيدي قعدني، وبدأ يلم الإزاز والمواعين من الأرض.
​— “روحي حطي على إيدك مية ساقعة يا ست الكل، وأنا هلم الليلة دي.”
​الحركة البسيطة دي خلت قلبي يتقلب.
​مصطفى كان مطلّق، ومراته القديمة سابت له ثلاثة عيال ومشت من سنين: كريم كان 17 سنة، ونيرة 15 سنة، ونور الصغيرة كانت 10 سنين. كان شغال مقاول ومرميون في مواقع بره القاهرة بالأسبوعين والثلاثة.
​قربنا من بعض حبة حبة، وبعد سنة كتبنا الكتاب في المأذون من غير هيصة ولا فستان ولا شهر عسل.
​أول يوم دخلت فيه الشقة، كريم حتى ماردش عليّ السلام.
​— “أنا مش هقولك يا أمي” — قالها وهو بصص لي من فوق لتحت بقرف — “وما تفتكريش إنك لما اتجوزتي أبوي بقيتي صاحبة بيت.”
​ونيرة كانت ألعن وأضل.
​— “أكيد شفتي أبويا ابتدى يمسك قرشين حلوين من المقاولات، فقلتي تلزقي!”
​نور الصغيره بس هي اللي قربت مني شدّت جلابيتي بالليل.
​— “هو أنتي بجد بتعرفي تعملي مهلبية رز باللبن تقيلة ومكسرات؟”
​ضحكت من قلبي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *