سامح
—لو كنت عارف إنها أمك أنت، كنت جيت تجري وتطير.. بس عشان خيالك صورلك إنها أمي، قررت بكل قسوة ونذالة إنها تموت وما يفرقش معاك!
ولأول مرة من يوم ما عرفته، ما لقاش عذر واحد يقوله ولا حجة يدافع بيها عن نفسه.
قضية الطلاق والمستحقات قعدت شهور طويلة بين كشوفات حسابات من البنوك، ومواعيد، وإمضاءات، ومواجهات غلسة. بس كل ورقة كنت بوقعها كانت بترجعلي حتة من كرامتي وحياتي اللي اتسرقت.
حسام اضطر يعترف بكل التحويلات البنكية اللي سحبها من الحساب المشترك اللي كنا بنغذيه إحنا الاتنين. اتكشف إن جزء كبير من الفلوس دي راح لإيجار شقة نورهان، وعزومات، وسفريات، وهدايا. وبموجب التسوية القانونية اللي تمت، قدرت أسترد مبلغ محترم جداً من فلوسي، وخرجت برة أي التزام أو ديون هو اتسبب فيها لنفسه.
شقتي في الشروق فضلت ملكي ومحدش يملك فيها جنيه.
وحسام أخد هدومه ومقتنياته الشخصية فقط ومشي.
نورهان طبعاً أنهت علاقتها بيه فوراً أول ما وصلها أول إخطار ونموذج استدعاء رسمي من المحكمة! بعدين عرفت إن حسام كان واعدها إنه هيشتريلها شقة ملكهم قريب، وكان دايماً يطمنها ويقولها: “سماح أصلاً عبيطة ومش بتبص في الحسابات ولا بتراجع ورايا.”
بس هو غلط في حاجة واحدة بس…
أنا كنت براجع وبصص في كل حاجة.
أنا بس أخدت وقت طويل عشان أصدق الخيانة النذلة اللي كانت قدام عيني.
حتى أخته ليلى اتغيرت لما لقيت نفسها مضطرة تشيل المسئولية مع أخوها وتتاخد قرارات تخص أمها نجوى. في يوم اتصلت بيا تلومني وتزعق:
—أنتِ بتعرفي تراعيها وتهتمي بيها أكتر مننا!
—أنا اتعلمت ده لأنكم على مدار سنين رامييين كل حاجة عليا وسايبيني أشيل لوحدي.
—يعني خلاص يا سماح مش هترجعي خالص؟
—أبدو.
—بس هي بتسأل عليكِ كل ما بتفوق وتركز!
غمضت عيني ثانية…
نجوى كانت بدأت تسترد وعيها وتبطق بكل كلمتين. وجعني قلبي بصراحة وما أقدرش أنكر.. بس إن قلبي يوجعني أو أزعل ده مش معناه إني أرجع أرمي نفسي في النار تاني.
—بتمنالها الشفاء من كل قلبي —قلت بهدوء— بس أنتم أولادها، والمسئولية مسئوليتكم أنتِ وأخوكِ.
قفلت السكة من غير ما أحس بذرة ذنب واحدة.
والاحساس ده بالذات كان هو طعم الحرية الحقيقي.
ومع مشوار الطلاق، حياتي بدأت تترتب وترجع في مكانها الطبيعي. رجعت أفطر مع أمي كل يوم جمعة، بطلت أخبي عنها العلاج بيكلف كام، وأخدتها بنفسي المحل واشترتلها نظارة جديدة.. ولما سألتني عن السعر ثلاث مرات، شلت التكت من العلبة ورميته.
—يا أمي، أنتِ شقيتي سنين عشان أقف على رجلي وأعرف أختار.. سيبيني بقى أختار إني أريحك وأشيلك في عيني.
أمي عيطت، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن، كانت دموع فرحة ورضا.
في الشركة كمان الأمور اتغيرت للأحسن، المشروع اللي كنت ماسكاه وفر مصاريف كتير وظبط التسليمات في أكتر من فرع.. وفي ديسمبر جالي ترقية وتم تعييني مدير عام قطاع العمليات اللوجستية.
ما مدير القطاع بلغني بالخبر، افتكرت كل الليالي اللي حسام كان بيقولي فيها إن شغلي ده مجرد “تسالي ومصروف يدوب بيجيب همة” وإن مصيري في الآخر أقعد في البيت وأخدم عيلته.
وافقت على الترقية والمنصب في نفس اليوم.
وبأول مكافأة (بونص) أخدتها بعد الترقية، أخدت أمي وسافرنا دهب. وقصاد البحر، بصتلي وقالتلي كلمة وقفتني مكان:
—أحلى حاجة يا سماح إنك بطلتي تبصي في التليفون كل خمس دقائق وأنتِ خايفة ومترقبة.
لحد اللحظة دي، ما كنتش واخدة بالي إني فعلاً ارتحت.
بعدها بشهور، وأنا طالعة من الشركة، لقيت حسام واقف جنب عربيتي. كان خسس جداً وشكله تعبان ومرهق.
ما قربش قوي مني.
—سماح.. محتاج أطلب منك خدمة.
—اتفضل.
—أمي محتاجة جلسات علاج طبيعي وتأهيل.. أنا بدفع كل اللي معايا تقريباً وليلى رافضة تدفع جنيه.. ممكن تسلفيني مبلغ وأنا والله هرجعهولك؟
بصيتله لثواني طويلة.
ما حسيتش بنصر، ولا بكراهية…
حسيت بس بمسافة كبيرة أوي بيني وبينه.
—أنت أخدت المكافأة بتاعتي ودفعتها إيجار لشقة نورهان.
—أنا عارف وإني غلطت…
—وألغيت المصاريف اللي كانت بتروح لأمي وقولت إن كل عيلة تشيل شيلتها.
وطى راسه في الأرض:
—كنت متغبي وغضبان وقتها.
—وأنا كمان زعلت وغضبت كتير يا حسام.. بس عمري ما تمنيت أمك تموت أو استخسرت فيها حاجة.
ضم شفايفه وسكت:
—يعني مش هتساعديني؟
—أمي نجوى أنا ساعدتها وجبتلها حقها الليلة اللي وقعت فيها قدامي.. اتصلت بالإسعاف وعملتلها إنعاش قلبي وفضلت سهرانة ليلتي أتدور على أولادها اللي رموها.. الباقي ده مسئوليتكم أنتم.
فتحت باب العربية.
وقبل ما أركب، قال بنبرة مكسورة:
—أنا خسرت كل حاجة في لحظة غباوة.
لفيت بصيتله:
—لا يا حسام.. أنت ما خسرتش في لحظة.. أنت خسرت بسبب قرارات كتير نذلة أخدتها على مدار سنين، والليلة دي بس أنت سمعت نتيجة القرارات دي كلها مع بعض.
ركبت ومشيت ومابصيتش ورايا في المراية ولا مرة.
وما شفتوش تاني من اليوم ده.
بعد فترة، عرفت من ليلى في رسالة مهذبة، إن نجوى حالتها تحسنت بقدر كافي ورجعت البيت، وإن أولادها الاثنين بقوا يتقاسموا مصاريفها ورعايتها بالتبادل. ما رديتش على الرسالة، بس حمدت ربنا إنها عايشة وبخير.
قصتي ما خلصتش باني شفت حد مكسور قدامي..
قصتي انتهت في صباح يوم جمعة، في مطبخ شقتي في الشروق.. أمي الحاجة رضا كانت بتعمل الفطار وبتغني أغنية قديمة لوردة، وأنا واقفة بأسقي الزرع في البلكونة.
ريحة الشاي بالنعناع والمخبوزات مالي المكان.
محدش بيفتش في حساباتي المالية.
محدش معاه مفتاح بيتي غيري.
ومحدش بيحددلي أصرف كام على أمي ولا ألبس إيه.
أمي حطت المعلقة وبصتلي بابتسامة:
—شكل وشك مرتاح ورايق يا سماح.
ابتسمت من قلبي:
—أنا فعلاً بقيت مرتاحة يا أمي.
لسنين طويلة كنت بخلط بين الصبر والاستحمال وبين الحب.. فضلت مستنية حد يقدر تعبي وشقايا، لحد ما اتعلمت أقدر نفسي وأعرف قيمتها. ومن اليوم ده، ما بقيتش أستأذن حد عشان أحافظ على نفسي وعلى الناس اللي بحبهم.
لو كنتم مكاني في الليلة دي.. وشريك حياتكم افتكر إن اللي بتموت هي أمكم وقرر بجمود ونذالة إن الموضوع ما يخصوش.. كنتم هتتصرفوا إزاي؟