اشتغلت على نفسي حصري لصفحة روايات رولا

زياد مجدي.
​سبب الاستقالة مكتوب في الورق الرسمي:
«استقالة طوعية لعدم ملاءمة بيئة العمل ذات الأداء العالي.»
​بس كان في حاجة غلط ومش منطقية.
​الورقة الرسمية للاستقالة متأرخة بيوم “الثلاثاء”.
​لكن سجلات الكروت الذكية وبوابات الأمن المُميكنة كانت بتقول إن زياد حاول يدخل المبنى يوم “الأربعاء” الصبح عادي جداً… وإن كارت الدخول بتاعه اتلغى فجأة الساعة 8:13 الصبح من غير ما يدخل!
​حاتم مسك التليفون وطلب مدير الـ HR:
— «هاتلي الإيميل الأصلي اللي زياد بعت فيه استقالته فوراً.»
​جه الرد بعد لحظات سكون مرعبة:
— «أستاذ حاتم… إحنا تدورنا في السيرفر… مفيش أي إيميل استقالة مبعوت من زياد.»
​حاتم بص تاني لـ الشات اللي في موبايله.
​اللي حصل مع ندى إمبارح بالليل مكنش مجرد حالة فردية ولا بنت مجتهدة زيادة عن اللزوم… دي كانت رأس الجبل الجليدي لحاجة أكبر وأخطر بكتير مستخبية جوه الشركة.الجزء الثاني
​الساعة تسعة الصبح، حاتم قفل باب قاعة الاجتماعات الرئيسية. كان داعي 5 أفراد بس: نيفين سليم (المشرفة على ندى)، وسامح نوير (نائب رئيس مجلس الإدارة للعمليات)، وجيهان عبد الله (مديرة الموارد البشرية – HR).
​حاتم حط ملف “زياد مجدي” على الترابيزة وبص لـ جيهان:
— «عايز اعرف مين اللي كتب التقرير ده.»
​جيهان مسكت الورقة:
— «ده نموذج إنهاء الخدمة العادي…»
— «أنا شايف إنه العادي،» حاتم شاور على سطر معين: «بس مكتوب هنا “استقالة طوعية بناءً على رغبة الموظف”، ومفيش استقالة مكتوبة، ولا إيميل، ولا حتى إمضاء منه!»
​نيفين مربعة إيدها وقالت ببرود:
— «أكيد غلطة إدارية غير مقصودة يا فندم.»
— «طب فسرولي إزاي حاول يدخل المبنى التجمع ثاني يوم وكارته اتلغى من الأمن أول ما وصل؟»
​تدخل سامح نوير بنبرة حادة:
— «حاتم… إحنا شغالين على صفقة استثمارية بـ 3 مليار جنيه! مش معقول هتوقف الشركة عشان عيل متدرب مشي من كام شهر!»
— «أنا ممكن أوقف الشركة كلها لما أكتشف إن الموظفين بيترفصلوا وبيكتب في ورقهم إنه استقالوا!»
​الجو في القاعة اتكهرب. نيفين دافعت عن نفسها:
— «محدش بيمشي حد عشان تعب!»
​حاتم زق موبايله على الترابيزة، وكان مفتوح على رسالة نيفين لـ ندى: (زياد عرفنا كلنا إيه اللي بيحصل للناس اللي معندهاش طموح ورغبة حقيقية إنها تكبر).
​— «يعني إيه الكلام ده يا نيفين؟»
وش نيفين اصفرّ:
— «طريقة كلام عادية عشان أشجعهم…»
— «فسريها لي!»
— «زياد كان عنده مشاكل في الاستجابة وضغط الشغل.»
— «مشاكل في الأداء ولا طلب يستأذن عشان عنده ظرف صحي؟»
​نيفين ماردتش.
​حاتم طلب مراجعة وتفتيش إداري فوري. واللي ظهر خلال 48 ساعة كان أبشع مما يتخيلوا.
​في ظرف 6 شهور بس، 17 موظف ومتدرب سجلوا خروج من بوابات الأمن بين الساعة 10 بالليل و1 الصبح، لكن سيستم الحضور المالي بيسجل إنهم مشيوا 7 مساءً! 5 موظفين قدموا أجازات مرضية بسبب قرحة معدة، واضطرابات قلق، وهبوط حاد. 3 منهم استقالوا بعدها على طول.
​إدارة الـ HR استلمت 11 شكوى رسمية، 8 منهم اتقفلوا من غير أي تحقيق! والسبب الثابت في كل مرة: «عدم التوافق مع متطلبات العمل العالية».
​حاتم أخد قرار يجمّد المفاوضات الخاصة بالصفقة الكبيرة اللي مجلس الإدارة بيجهز لها بقاله سنة.
​سامح نوير انفجر فيه:
— «أنت بتخاطر بأكبر صفقة للشركة عشان شوية رسائل واتساب؟!»
— «أنا بوقف المهزلة دي لحد ما أعرف هل أرباحنا قايمة على عرق ناس بنجبرهم يشتغلوا ببلاش وبنمسح ساعات شغلهم من السيستم!»
— «الساعات الإضافية مدفوعة!»
— «طالما مدفوعة… بتتعدل في السيستم ليه؟»
​سامح مالقاش رد.
​في نفس الوقت، ندى كانت بتتثماثل للشفاء في بيتها في المطرية. كان ممكن تبعد نفسها عن الصداع ده، بس افتكرت زياد.
​قبل ما اختفى، زياد كان بطل ياكل مع زمايله، وفي يوم قالها: «أي رسالة تجيلك من نيفين احتفظي بيها.. سكرين شوت لكل حاجة.»
​ندى جابت رقمه القديم وبعتتله:
«أنا ندى… معاك في فورتكس. محتاجة أعرف إيه اللي حصل معاك يوم ما مشيت؟»
​زياد رد بعد تلات ساعات:
«أنا ماستقلتش يا ندى.»
​جسمها قشعر. اتكلموا فيديو كول. زياد حكى إنه طلب يستأذن بدري ساعة عشان والده جاتله أزمة سكر حادة ونقلوه المستشفى. نيفين قالتله “اتفضل روح”. ثاني يوم الصبح، طلبوه في الـ HR وقالوله بالنص: «من الواضح إن شركة فورتكس مش المكان المناسب لحد عنده مشتتات شخصية كتير.» ولغوا كارته.
​— «ما مضتش على حاجة؟»
— «ولا حاجة.»
— «معاك أي دليل؟»
​زياد تردد:
— «معايا تسجيل صوتي.»
​نيفين كانت اتصلت بـ زياد بعد الاجتماع ده، التسجيل مكنش فيه اعتراف مباشر، بس كان فيه جملة واضحة بصوت نيفين: (لو الـ HR سألوك، الأحسن تقول إنك أنت اللي قررت تمشي، عشان محدش فينا شكله يبان وحش).
​ندى استأذنته تبعت التسجيل للجنة التحقيق، وزياد وافق بشرط: «اسمي يتقال.. أنا تعبت من إني أكون مجرد رقم ومفيش حد شايفني.»
​ندى بدأت تتواصل مع الموظفين القدام. ما وعدتهمش بحاجة، بس سألتهم.
​اثنين وافقوا يتكلموا: محللة مالية كانت شايالة إيميلات بعتتها من أكونتها في الشركة الساعة 12 بالليل بعد ما السيستم مطلعها “Desconnected”، ومُنسق عمليات معاه سكرين شوتس لـ نيفين وهي بتقول: (قبل ما تمشوا اقفلوا اللاب توب عشان السيستم يقرا إنكم مشيتوا، وباقي الشغل كملوه من البيت).
​كل الأدلة كانت بتدين نيفين لوحدها… لحد ما ظهرت المفاجأة اللي قلبت كل الموازين.
​موظفة قديمة بعتت لـ ندى إيميل متسرب من شهور. نيفين كانت كاتبة فيه:
(هل نأكد إننا هنحافظ على الساعات المكتوبة جوه النطاق المسموح به في اللائحة فقط؟)
​والرد كان جاي مباشر من سامح نوير (نائب رئيس مجلس الإدارة):
(المستثمرين هيراجعوا إنتاجية الفرد. مش عايز أي انحرافات في الأرقام. أي مجهود إضافي اتعاملوا معاه داخلياً من غير ما يظهر في التقارير الرسمية).
​ندى قرت الإيميل تلات مرات. نيفين مكنتش هي اللي اخترعت النظام ده… هي كانت مجرد أداة بتنفذ أوامر سامح!
​حاتم استلم الإيميل ده بالليل. اتصل بـ جيهان (مديرة الـ HR):
— «كنتي تعرفي عن الإيميل ده؟»
​سكتت فترة وبعدين قالت بصوت واطي:
— «كنت أعرف إن أستاذ سامح ضاغط جداً عشان مؤشرات الأداء تبان مثالية…»
— «أنا بسألك: كنتي تعرفي إنهم بتلاعبوا في ساعات الشغل؟»
— «سمعت كلام…»
— «وكان عندكم 11 شكوى!»
— «أستاذ سامح كان بيصر إن الشكاوى دي لو طلعت للجنة الإدارة هتخرب الصفقة الاستثمارية!»
​حاتم حس إن الفساد طال أعلى قيادات الشركة. بس مجلس الإدارة تحرك بسرعة قبل ما حاتم يأخذ أي قرار.
​تلاتة من كبار المستثمرين طلبوا يكملوا الصفقة فوراً، واثنين من أعضاء مجلس الإدارة اتهموا حاتم إنه بيعمل شو إعلامي وبيحول مشكلة إدارية صغيرة لأزمة سمعة للشركة.
​وفجأة… اتسرب خبر لموقع إخباري واقتصادي شهير: (رئيس مجلس إدارة شركة استثمار كبرى يغادر منزله منتصف الليل لينقل متدربة في العشرينات بسيارته الخاصة).
​المقال كان بيلمح لعلاقة مشبوهة.
​ندى قرت التعليقات على النت. ناس بتقول عليها انتهازية، وناس بتقول بتستغل موقف عشان تترقى.
​أمها “إلهام” بكيت واترجتها:
— «يا بنتي سيبيهم يكلوا بعض! أنتي عملتي اللي عليكِ وزيادة.»
​ندى أخدت نفس عميق:
— «بالذات عشان كده مش هختفي دلوقتي يا أمي… لو استخبيت، هما اللي هيكتبوا الحكاية على مزاجهم.»
​طلبِت تتكلم وتدلي بشهادتها قدام مجلس الإدارة. حاتم حاول يمنعها:
— «أنتي مش مجبرة تتحطي في الوش يا ندى.»
— «عارفة.»
— «المحامين ممكن يقدموا الورق والتسجيلات.»
— «الورق بيثبت هما عملوا إيه… أنا عايزة أقول الكلام ده بيعمل إيه في البني آدمين.»
​يوم اجتماع مجلس الإدارة، ندى دخلت ومعاها فولدر أسود.
​ما دافعتش عن حاتم، ولا هاجمت نيفين بس.
​— «أنا اللي قررت أضل قاعدة في المكتب الليلة دي،» ندى قالت بثبات: «محدش ربطني في الكرسي.»
​سامح نوير ابتسم ابتسامة خفيفة باستهزاء.
​ندى كملت:
— «بس أنا قررت أقعد وأنا جوه نظام شفت فيه زميل ليا بيختفي لمجرد إنه استأذن عشان أبوه تعبان.»
​ابتسامة سامح اختفت تماماً.
​ندى عرضت سكرين شوت رسائل نيفين، وبعدها تسجيل زياد الصوتي، وبعدها سجلات الدخول المتعدلة، وفي الآخر حطت إيميل سامح نوير على الترابيزة قدام الأعضاء.
​الأعضاء بدؤوا يقروا الإيميل بذهول.
​ندى قفلت الفولدر وقالت:
— «أنا معرفش أستاذ حاتم المفروض يفضل في منصبه ولا لأ… القرار ده بتاعكم. بس أنا عارفة حاجة واحدة: مش هسمح إن المكالمة اللي طلب فيها الرووشتة والمستشفى تتأخذ حجة عشان تقولو إن المشكلة بدأت عندي.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *