اشتغلت على نفسي حصري لصفحة روايات رولا
بصت في عين سامح نوير مباشرة:
— «المشكلة كانت موجودة ومستخبية هنا من زمان… أنا بس وقعت في المستشفى قبل ما تلحقوا تغطوا عليها أكتر من كده.»
حاتم افتكر إن دي النقطة اللي هتقلب الموازين لصالحه وهتنهي المهزلة. بس كان غلطان.
المحامي الخارجي للشركة فتح اللاب توب بتاعه وقال بجدية:
— «في وثيقة تانية ظهرت…»
وش سامح نوير اتغير والدم هرب منه.
المحامي بص لسامح وبعدين للمجلس:
— «وأعتقد إن قبل ما المجلس يصوت على أي قرار، لازم الكل يشوف مين اللي أصدر الخطة دي بالأساس.»
يا ترى مين الشخص الحقيقي اللي كان ورا الخطة دي ورخص لسامح نوير إنه يضغط على الموظفين ويخفي الساعات الإضافية عشان الصفقة تتقفل؟الجزء الثالث والأخير
خيّب الصمت التام القاعة لمدة ثوانٍ.
المحامي الخارجي للشركة فتح ملف إلكتروني جديد وعرضه على الشاشة العريضة الموجودة في نص القاعة.
الوثيقة كانت عبارة عن قرار صادر من لجنة الاستثمار العليا بالشركة، ومؤرخ من سنة كاملة… والقرار كان بيطلب نصاً: (تقليل التكاليف التشغيلية بنسبة 25% ورفع معدل إنتاجية الأفراد لتجهيز الشركة للتقييم الاستثماري، مع إعطاء صلاحيات كاملة لنواب الرئيس لاتخاذ ما يلزم لضمان تحقيق هذه الأرقام دون زيادة في بند الأجور).
وتحت الوثيقة دي، كان في توقيعين رئيسيين:
التوقيع الأول: سامح نوير (نائب رئيس مجلس الإدارة).
التوقيع الثاني… كان توقيع حاتم الفولي نفسه!
الناس كلها في القاعة لفت بوشها وبصت لحاتم بصدمة.
سامح نوير ابتسم ابتسامة شامتة ورفع رأسه:
— «إيه يا أستاذ حاتم؟ افتكرت ولا أفكرك؟ أنت بنفسك اللي مضيت على القرار ده السنة اللي فاتت! أنت اللي طلبت مني الضغط على الأرقام عشان تقييم الشركة يعلى قبل الصفقة! أنا مكنتش بعمل حاجة من دماغي، أنا كنت بنفذ سياستك أنت لتقليل المصاريف!»
حاتم حس كأن حد ضربه بآلة حادة على رأسه. بَص للورقة بذهول.
هو فعلاً كان ماضي على القرار ده من سنة… بس وقتها مضى عليه كـ “قرار إستراتيجي عام” لرفع الكفاءة، وسامح ونظام الإدارة التنفيذية خدوا التوقيع ده ومظلة من حاتم عشان يمارسوا بيها أقصى درجات الضغط والاستغلال، ويلغوا الساعات الإضافية، ويهددوا الموظفين والمتدربين بالرفد لو ما اشتغلوش لحد ما يغمى عليهم!
حاتم وقف في مكانه، وبص لأعضاء مجلس الإدارة، وبعدين بص لـ ندى اللي كانت قاعدة في أخر الترابيزة بتراقب كل حاجة.
حاتم ما حاولش يهرب، ولا يرمي التهمة على سامح لوحده، ولا يدور على حجج قانونية. أخد نفس عميق وقال بثبات:
— «الورقة دي صحيحة… والتوقيع ده توقيعي.»
الأعضاء بدؤوا يتهامسوا. حاتم كمل كلامه بصوت واضح هز القاعة:
— «من سنة، أنا مضيت على القرار ده وأنا فاكر إني برفع كفاءة الشركة. أعميت نفسي عن التفاصيل، وسبت مديرين زي سامح ونيفين يترجموا كلمة “زيادة الإنتاجية” على إنها طحن للبني آدمين وإلغاء لإنسانيتهم. أنا اللي خلقت البيئة اللي تخلي بنت عندها 20 سنة تخاف تروح المستشفى عشان ما تخسرش شغلها، وتخلي ولد زي زياد يترفي وتتزور استقالته عشان بس والده كان تعبان.»
حاتم بص لسامح نوير وقال:
— «أنت نفذت الخطة بأسوأ طريقة ممكنة يا سامح… بس أنا اللي أديتك القلم اللي مضيت بيه.»
وقف حاتم وحط كارت شركته ومفاتيح مكتبه على الترابيزة قدام رئيس مجلس الإدارة:
— «أنا بقدم استقالتي الفورية من إدارة الشركة. ومش بس كده… أنا هطلب فتح تحقيق من وزارة القوى العاملة والجهات الرقابية في كل السجلات المالية والإدارية للشركة خلال السنة اللي فاتت، وعلى أتم الاستعداد لإتحمل أي مسؤولية قانونية أو مالية تترتب على تقصيري.»
القاعة اتكهربت. سامح نوير اتلجلج، مكنش متوقع إن حاتم يضحي بمنصبه واسمه بالبساطة دي عشان يفتح النار على الكل ويصلح الموقف.
بعد أسبوعين من اليوم ده…
الخبر نزل زي الزلزال في السوق المالي في مصر:
(إلغاء الصفقة الاستثمارية الكبرى لشركة “فورتكس”، وتغريم الشركة مبالغ ضخمة بعد ثبوت تلاعب إداري في ساعات العمل وانتهاك حقوق العمالة والمتدربين).
مجلس الإدارة اضطر يقيل سامح نوير ونيفين سليم فوراً عشان يلحقوا سمعة الشركة، وأحيلوا للتحقيق بتهم التزوير في أوراق رسمية (استقالة زياد وتعديل سجلات الحضور).
حاتم الفولي ساب الشركة تماماً، وبدأ بالتنسيق مع سلطات العمل في تعويض كل الموظفين والمتدربين اللي اتعرضوا للظلم أو الإجهاد، وكان على رأسهم زياد مجدي، اللي ردت له الشركة اعتبارها بصرف تعويض مالي كبير واعتذار رسمي.
في مكتب صغير وبسيط في القاهرة الجديدة…
حاتم فتح شركته الاستشارية الجديدة. مكان أصغر بكثير، بس قائم على قواعد مختلفة تماماً.
في يوم الصبح، باب المكتب خبط.
دخلت ندى. كانت لابسة طقم رسمي وبتحمل في إيدها شهادة تخرجها من الكلية بتقدير امتياز.
حاتم ابتسم وقام استقبلها:
— «مبروك التخرج يا ندى.»
— «الله يبارك فيك يا أستاذ حاتم.»
حاتم شاور لها تقعد، وقالها:
— «أنا عرفت إن شركة فورتكس بعتولك عشان ترجعي تشتغلي هناك بمرتب كبير بعد اللي حصل.»
— «حصل فعلاً.»
— «ورفضتي؟»
ندى ابتسمت بثقة وقالت:
— «أنا اتعلمت إن المكان اللي بيشوف الإنسان مجرد رقم في أكسيل شيت، عمره ما هيكون مكان ينفع أتبني فيه مستقبلي… حتى لو أدوني ملايين.»
حاتم طلعت من درج مكتبه عقد عمل وحطه قدامها:
— «أنا بأسس شركة جديدة يا ندى… شركة مبنية على احترام البني آدم الأول قبل الأرباح. أنا محتاج حد في ذكائك وإصرارك يمسك إدارة التحليل المالي عندي… بس المرة دي، بمواعيد شغل مظبوطة، ومفيش شغل بعد الساعة 5، والإجازة إجازة بجد.»
ندى بصت للعقد، وبصت لحاتم وقالت بإبتسامة صافية:
— «بشرط يا أستاذ حاتم… لو حسيت في يوم إني تعبانة، هقولك مش قادرة أقف على رجلي… وأنت مش هتقولي الملف أهم!»
حاتم ضحك من قلبه وقال:
— «موافق جداً… والملف هيستنى لبكرة!»
مسكت ندى القلم، ومضت على العقد… وهي عارفة إنها المرة دي مش بتشتغل عشان تنجو، لكن بتشتغل وهي مرفوعة الرأس.