لومت ابويا حصري لصفحة روايات رولا
— ليه ممشيتيش بعد موضوع الخاتم؟
— علشان كنت عاوزة الحقيقة تتثبت قبل ما أخرج من الباب ده.
— هتعمليلي بلاغ؟
— لسه مش عارفة. وجعك بيشرح غضبك يا فريدة، بس ميمسحش اللي حاولتي تعمليه فيا.
الكلام ده وجعها أكتر من أي إهانة. فريدة طلبت من أبوها قائمة بكل العمال اللي اتطردوا بسبب شكاواها. شريف أكد إنهم كانوا قليلين، بس مديرة البيت جابت ملف فيه 18 تسوية، ومكافآت خروج، وبنود كتم سر.
— ليه دفعت كل ده لو كنت فعلاً مصدق اتهاماتي؟ — سألته.
شريف اتأخر في الرد.
— علشان جوايا، كنت عارف إن كتير منها مش صح. فضلت أديهم فلوس وأسكتهم بدل ما أعترف إنك محتاجة علاج وإن أنا فقدت السيطرة.
فريدة قفلت الملف. خلاص مكنش ينفع تتظاهر إن أبوها اتخدع بالكامل: هما الاتنين كانوا شايلين نفس الظلم، هي بالكدب وهو بالشيكات. كان فيه طباخة متهمة إنها بتقدم أكل بايظ، وجاردياني متهم إنه بوظ عربية، و2 شغالات اتطردوا بسبب قلة أدب مزعومة. فريدة كانت فاكرة كل كدبة.
في آخر ورقة ظهر اسم عم حسين، السواق القديم. من شهور، كان منع فريدة إنها تسوق العربية وهي راجعة من حفلة. علشان تنتقم منه، خبت ساعة في شنطته وقالت إنه سرقها.
— هو كان بريء — اعترفت.
شريف نزل رأسه.
— أنا عارف ده من 3 أسابيع.
عم حسين كان لقى شغلانة ديلفري بيوصل طلبات بفيسبا. وفي الليلة اللي قبلها، عربية خبطته في طريق الدائري. كان في المستشفى والدكاترة لسه مش عارفين هل هيقدر يمشي تاني ولا لأ.
فريدة فهمت وقتها إن كدبها مكنش بيمشي لما حد يخرج من باب فيلتهم: كان بيطلع برة ويكمل ويخرب حاجات هي حتى مكنتش بتشوفها.زينب بصت لفريدة وشريف وقالت بصوت هادي بس مليان حسم: “اللي اتكسر في القلوب والبيوت مش هيرجع بكلمة أسف، بس عم حسين محتاجكم دلوقتي أكتر من أي وقت فات.”
فريدة مكدبتش خبر، وطلبت من أبوها ياخدها فوراً على المستشفى الحكومي اللي فيها عم حسين. طول الطريق في العربية، الطريق الدائري كان زحمة، والمطر نازل خفيف، وفريدة متكتفة بدموعها وهي شايفين الشريط كله بيتعاد قدام عينيها: السواقين، الشغالات، الأكل اللي أترمى، وكل إنسان داسوا عليه بفلوسهم.
لما وصلوا المستشفى، لقوا مراته وولاده قاعدين على الأرض برة أوضة العناية المركزة، وشهم باين عليه القهر والتعب. أول ما شريف قرب عشان يعرض يدفع مصاريف المستشفى الخاص، فريدة وقفته وإيديها بترعش:
— بلاش يا بابا.. بلاش تحل المشكلة بشيك المرة دي كمان.
قربت فريدة من مرات عم حسين، ونزلت على ركبها قدامها على أرض المستشفى والناس كلها بتتفرج.
— أنا اللي عملت فيه كده.. أنا اللي بلتيت عليه وطردته وراميته في الشارع لحد ما اضطر يشتغل شغالة الصعبة دي.. اضربيني، أعملي فيا اللي أنتِ عاوزاه، بس سامحيني.
أم أحمد (مرات عم حسين) بصلتها بكسرة وقالت: “يا بختك يا بنتي بعزك وفلوسك.. بس الفلوس مش هتقوم جوزي يقف على حيله ويربي عياله.”
فريدة قررت لأول مرة في حياتها تشيل مسئولية. أصرت تنقل عم حسين أكبر مركز تأهيل في مصر على حسابها الخاص من مصروفها وهي اللي تتابعه بنفسها، ومش بس كده، نزلت تدور على كل عامل من الـ 18 اللي اتظلموا. راحت لحد بيت إيمان الطباخة في عين شمس، وبيت عم صبحي الجاردياني في الفيوم، تعتذر شخصياً وترد اعتبارهم قدام أهلهم.
بعد 6 شهور، الفيلا في التجمع الخامس مبقتش زي زمان. الصور الفيك على السوشيال ميديا اختفت. زينب فضلت شغال مع المربية الجديدة اللي جابوها عشان تساعد، وفريدة بدأت تتطوع في جمعية خيرية وبتدرس نفسيتها بجد عشان تفهم غضبها.
عم حسين بدأ يرجع يمشي ببطء باستخدام عكاز، وفي يوم زيارته للفيلا عشان يسلم عليهم، فريدة هي اللي قدمتله العصير بنفسها وإيديها ثابتة.
المسامحة مش بتلغي اللي فات، بس فريدة وشريف فهموا أخيراً إن الفلوس تقدر تشتري أي حاجة في الدنيا.. إلا ضمير بني أدم وراحة باله.