امضي يا امي حصري لصفحة روايات رولا
في العربية، وهم راجعين، أحمد انفجر:
—إنتِ ضحكتِ عليا طول السنين دي؟!
فاطمة بصت من شباك العربية:
—وكان هيفرق معاك في إيه؟ يعني لو كنت عارف إن معايا فلوس، ما كنتش كسرالي صباعي؟
أحمد ضرب فرامل في إشارة المرور:
—ده كان غصب عني! حادثة!
—إنت مسكت إيدي وتنيت صباعي لورا يا أحمد.
—كنت مضغوط ومزنوق!
—وجيتلي البيت ده 19 مرة في 4 سنين، وفي 17 مرة منهم كنت بتطلب فلوس!
أحمد مسك الدركسيون بغل:
—أنا ابنك!
—عشان كده بالذات الوجع أشد.
نزّلها قدام بيتها ومشى من غير ما ينطق كلمة.
بالليل، كابتن سامح اتصل بالفص اللي كان ناقص. الراجل اللي عامل نفسه بايع الفيلا في زايد اعترف بكل حاجة. العملية كلها كانت ملعوبة بينه وبين أحمد ونورهان: يكتبوا في العقد إن السعر 5 مليون، ويدوا لصاحب الفيلا سعره الأصلي، ويطلعوا هم بـ مليون وثلاثمائة ألف جنيه يوزعوها على بعض!
بس كان فيه مفاجأة أحمد نفسه ما يعرفهاش. الفيلا دي فيها شرخ خرساني شديد، وعليها قضايا ومحجوز عليها. يعني أحمد وهو بيفكر ينصب على أمه، كان فيه عصابة تانية بتنصب عليه هو كمان!
أمل المحامية قدمت البلاغ للنيابة العامة، وأرفقت معاه التسجيلات، والأشعة، والتقرير الطبي، والتحويلات، وشهادة ثريا.
وبعدين بصت لفاطمة:
—من هنا النيابة تقدر تستدعيهم فوراً.
فاطمة هزت رأسها بالرفض:
—لا… لسه.
—عايزة تعملي إيه تاني يا حاجة؟
فاطمة طلعت تليفونها، وكتبت رسالة لأحمد:
“أنا فكرت في الموضوع يا أحمد… وشكل كلامك صح. بدل ما أكون ضامن، أنا هشتري الفيلا دي كاش وأكتبها باسمك واسم مرتك.”
الرد جه في أقل من دقيقة:
“أنا كنت عارف إن قلبك أبيض وهتفهمي في الآخر يا أمي!”
أمل بصت لها باستغراب:
—إنتِ متأكدة يا حاجة فاطمة؟
فاطمة حطت القلم الدهب في شنطتها وقَفَلَتها ببطء:
—عايزة أخر قرار أتاخده في حياتي بخصوص شقايا وشقى أبوه، يسمعوه من لساني وهم واقفين قدام القاضي.
المال والبنك اتحدد لهم معاد يوم الجمعة الساعة 11 الصبح.
أحمد كان رايح وهو فاكر إنه هيمتلك فيلا بـ 10 مليون…
ونورهان كانت رايحة وهي فاكرة إنها خلاص بقت مليونيرة…
وفاطمة كانت عارفة إن أول ما الباب ده يتفتح، ابنها هيعرف التوقيعات اللي مضى عليها الأسبوعين اللي فاتوا هتوصله لحد فين!الجزء الثالث والأخير:
يوم الجمعة، الساعة 10:45 الصبح.
أحمد ونورهان وصلوا قدام البنك وهما لابسين أشيك ما عندهم. أحمد كان بيلف مفاتيح عربيته في إيده، ونورهان كل شوية تظبط الميك أب في مراية الشنطة.
—بقولك إيه يا أحمد —قالت نورهان بابتسامة طمع— أول ما الفيلا تتكتب باسمنا، هنغير العفش كله. أنا مش هحط فيلا في الشيخ زايد عفش من بتاع زمان.
أحمد ضحك بثقة:
—اعملي اللي أنتِ عاوزاه يا حبيبتي، أمي معاها ملايين مش عارفة توديها فين، ودا الوقت اللي ترتاح فيه وتسيبنا نعيش!
دخلوا مبنى البنك، وطلعوا على مكتب أستاذ هشام عز العرب.
أول ما فتحوا الباب، اتفاجئوا إن المكتب مش فاضي.
فاطمة كانت قاعدة في وش الباب، لابسة عبايتها السمرا الشيك، وحاطة عصايتها بين رجليها. وجنبها كانت قاعدة المحامية أمل الألفي، وجنبهم راجل ببدلة رسمية ملامحه جادة جداً. وفي زاوية المكتب كان قاعد كابتن سامح، وبجنبه الحاجة ثريا!
أحمد خطوته أترددت، ونورهان ابتسامتها أختفت.
—في إيه؟ —سأل أحمد وهو بيبص حواليه بريبة— طنط ثريا هنا بتعمل إيه؟ ومين الناس دي يا أمي؟
فاطمة ما رديتش. كانت بصاله بنظرة هادية… هدوء ما قبل العاصفة.
أستاذ هشام مشي ناحية الباب وقفله بالمفتاح، وقال بصرامة:
—اتفضلوا اقعدوا يا أستاذ أحمد.
—اقعد إيه؟ هو فيه إيه بالظبط؟ إحنا جايين نخلص إجراءات نقل الملكية والتمويل! —قالها أحمد وصوته بدأ يعلى.
الراجل اللي ببدلة وقوف وقال بنبرة هادية وبسيطة:
—أنا المقدم هشام من نيابة الأموال العامة. وحضرتك يا أستاذ أحمد أنت وزوجتك الأستاذة نورهان مطلوب ضبطكم وإحضاركم.
نورهان صرخت:
—ضبط وإحضار إيه؟! أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟! أمي فاطمة هي اللي عزمانا هنا عشان تشتريلنا الفيلا!
المحامية أمل قامت وفتحت دوسيه أسود كبير وحطته على الترابيزة:
—الفيلا اللي سعرها الحقيقي 3.2 مليون، وأنتم متفقين مع السمسار تكتبوها بـ 5 مليون عشان تاخدوا المليون و800 ألف في جيبكم؟ ولا الفيلا اللي عليها حجز قضائي وشرخ خرساني وأنتم عارفين ومخبين؟
أحمد وشه اصفر، وعينه راحت لأمه:
—أمي… أنتِ بتعملي إيه؟ أنتِ هتدخلي ابنك السجن عشان خاطر شوية فلوس؟!
فاطمة رفعت رأسها وبصلته بثبات، وصوتها طلع قوي ومفيهوش هزة واحدة:
—لا يا أحمد. أنا مش بدخلك السجن عشان الفلوس… الفلوس تروح وتيجي. أنا بدخلك السجن عشان الصباع ده.
فاطمة رفعت إيدها اليمين المجبسة في وشه.
أحمد اتلعثم:
—دي… دي كانت حادثة! أنا ما كنشي قصدي!
—حادثة؟ —اتدخلت الحاجة ثريا وهي بتبكي— والـ 600 ألف بتوع تحويشة عمري اللي نصبت عليا فيهم وددتني بيهم في داهية ولما جيت أطالبك بيه هددتني تحجر عليا وتطلعني مجنونة؟ دي كمان كانت حادثة؟!
نورهان بصت لأحمد بذهول ورعب، وبدأت تصرخ فيه:
—أنا ماليش دعوة! هو اللي قاللي! هو اللي خطط لكل حاجة! هو اللي قاللي أمه معاها فلوس ومخبية!
أحمد بص لمراته بصدمة:
—أنتِ بتبيعينِي يا نورهان؟!
—أنت اللي وديتنا في داهية! —ردت نورهان وهي بتبكي بحرقة.
المقدم هشام طلع التسجيلات والصور:
—عندنا تسجيلات صوتية موثقة من نظام مكافحة الاحتيال في البنك اللي حضرتك مضيت على موافقتها بنفسك يا أستاذ أحمد، وعندنا اعترافات السمسار، وعندنا التقرير الطبي لكسر صباع والدتك، وإصابة معصمها، وعندنا إيصالات الأمانة المزورة الخاصة بالحاجة ثريا… والقلم الدهب اللي عليه بصمات زوجتك والمستخدم في النصب على الضحيتين.
أحمد انهار على الكرسي، ورجليه ما شالتهوش. بصل لأمه بنظرة رجاء أخيرة، ودموعه نزلت:
—أمي… أبوس إيدك… أنا ابنك الوحيد! سامحيني! والله ما هعمل كده تاني! اعملي فيا أي حاجة بس بلاش السجن!
فاطمة قامت وقفيت ببطء، اتسندت على عصايتها، ومشيت لحد ما وقفت قدامه بالظبط.
بصلته في عينه وقالت:
—أبوك الله يرحمه قاللي جملة زمان وما فهمتهاش إلا لما كبرت… قاللي: “اللي يتنازل عن أصله عشان الفلوس، يبيع أبوه وأمه في أول سوق”. أنت مش بس بعتني يا أحمد… أنت كسرتني. والكسر اللي في قلبي أكبر بكتير من الكسر اللي في صباعي.
طلعت من شنطتها القلم الدهب وحطته قدامه على الترابيزة:
—القلم ده اللي كنت فاكر إنك هتمضيني بيه على خرابي… هو نفس القلم اللي هيمضيك على محابسك.
أشار المقدم هشام للعساكر اللي كانوا واقفين برة، دخلوا وكلبشوا أحمد ونورهان.
نورهان كانت بتبكي وتصرخ وتسب في أحمد، وأحمد كان ماشي ومطأطأ رأسه للرجلين، ومش قادر يبص في عين أمه.
فاطمة بصت لظل ابنها وهو ماشى في الكوريدور وممسوك من إيده… اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع وجع 30 سنة تربية.
الحاجة ثريا حضنتها وبكت:
—سامحيني يا فاطمة… أنا السبب إني سكت من الأول.
فاطمة طبطبت عليها:
—حقك رجع يا ثريا… وحقي رجع.
خرجت فاطمة الصاوي من البنك، والشمس كانت طالعة ودافية. بصت للسما وابتسمت ابتسامة رضا، وهي عارفة إنها أخدت أصعب قرار في حياتها، بس كان القرار الوحيد اللي يحفظ كرامتها وشقى عمر جوزها، ويقطع إيد كل من يحاول يستغل طيبة كبار السن… حتى لو كان أقرب الناس ليها.