مرور 40 سنه حصري لصفحة روايات رولا
—البيت بيتعوض، إنما الحرية لو راحت ما بترجعش.
شترينا تذكرتين من غير شنط ولا أي حاجة، ولسه بهدوم الحفلة. أنا بفستاني الكحلي وحسن ببدلته الرمادي الوحيدة.
ولما الأتوبيس طلع من القاهرة، عيطت في السر.
افتكرت طارق وهو لسه مولود. وشيرين وهي نايمة على صدري. مصاريف المدارس، والديون، والاليالي اللي حسن كان بيرجع فيها وإيده متفتحة من الأسمنت.
—احنا قصرنا في إيه؟ —سألت.
حسن أخد وقت عقبال ما رد.
—يمكن إديناهم كل حاجة لدرجة إنه ما تعلموش يسمعوا كلمة “لأ”.
كنت فاكرة إن دي ألعن حقيقة هنعرفها.
بس طلعت غلطانة.
عشان لما وصلنا إسكندرية، لقينا جوة الفايل ورقة ما كناش شفنا.
كانت برينت لأيميل بين طارق وشيرين.
في سطر واحد كان مكتوب خطتهم لينا بعد ما ياخدوا التوقيعات.
ولما قريتها، فهمت إننا ما ينفعش نرجع تاني خلاص.
الجزء الثالث
السطر كان بيقول:
”أول ما يدخلوا الدار وناخد التوكيل المتقفل، نبيع البيت. نسدد بيه كروت الائتمان اللي عليا، وقرض المكتب بتاعك، ونقسم الباقي.”
وتحتها كان رد شيرين:
”تمام. بس اتأكد إن ماما تمضي الأول. بابا هو اللي ناشف وممكن يعصلج.”
فضلت باصة للكلمات دي لحد ما الحروف زغللت ورا دموعي.
ما كانوش عايزين يرعونا.
كانوا عايزين فلوس.
طارق بقاله شهور عايش في مستوى أكبر من إمكانياته: عربية جديدة، مدارس خاصة، سفر، وكروت ائتمان. وشيرين خسرت زباين ومكتبها مديون. وبيتنا، نفس البيت اللي أنا وحسن بنيناه بدم قلبنا، كان بالنسبة لهم هو طوق النجاة.
في الفجرية دي وصلنا إسكندرية من غير شنط ومعانا أقل من ٤٠٠٠ جنيه كاش.
أجرنا أوضة مفروشة قريبة من منطة العصافرة. كان فيها سرير، وبلاطة كهربا، وحمام مشترك. لما شفت الحيطان المقشرة افتكرت الأوضة اللي أنا وحسن بدأنا فيها حياتنا من ٤٠ سنة.
—رجعنا للنقطة الصفر —قلت.
حسن مسك إيدي.
—لأ. زمان ما كانش معانا حاجة خالص. دلوقتي معانا خبرة ولسه معانا بعض.
تاني يوم دورنا على مكتب محاماة يقدم استشارات مجانية. المحامية شرحتلنا إن من غير إمضاتنا محدش يقدر يبيع البيت قانوناً، بس نصحتنا نعمل حظر تصرف ونعمل إثبات حالة إننا بكامل قوانا وبإرادتنا.
عملنا كده. ما رضينش نرفع قضايا ساعتها؛ ما كانش فينا حيل لحرب جديدة. كنا محتاجين نأمن نفسنا الأول.
القعدة طالت، ولقعدت أسابيع ما فتحناش التليفونات.
حسن لقى شغلانة نوبتجية ليلية كأمن في ورشة. كان بياخد قرشين صغار والليل كان بيأكل في ظهره. وأنا نزلت السوق أسترزق من التظبيط والتقصير.
—بصلح سوست، بتني بنطلونات، بأوفر وأظبط الفساتين.
أول أسبوع جمعت يا دوب حق العيش والبيض والمش.
التاني كان أحسن شوية.
في يوم جت ست اسمها أم أحمد معاها فستان خطوبة واسع جداً على بنتها. ظبطته بضمير لدرجة إنها رجعت بعد تلات أيام وجايبة معاها جارتين.
بعدها بقيت أصلح زي مدارس، وبنطلونات، وبلوزات.
بعد ٥ شهور، زبونة سألتني:
—يا ست نادية، تقدر تعمليلي فستان فرح؟
خفت. بقالي سنين ما عملتش فستان كامل.
—أقدر —رديت بثقة.
اشتغلت فيه ٦ أسابيع. لما العروسة قاسته وبصت في المراية، قعدت تعيط.
—طلع زي ما كنت بحلم بالظبط.
أنا كمان عيطت، عشان فهمت إن إيديا لسه تقدر تبني حاجة بعد ما خسرت كل حاجة.
الكلام اتنقل بين الناس. ما بقيتش الست اللي بتتني البنطلونات، بقيت “الست نادية خياطة العرايس”.
حسن كمان شغلانته اتغيرت. راجل راجل طيب صاحب محل بقالة كبير اسمه عم إبراهيم شغله معاه يظبط البضاعة ويقف على الكاشير. مع الوقت بقوا أصحاب.
عم إبراهيم كان أرمل، وسريعاً بدأ يعامل حسن زي أخوه. الجدعنة البسيطة دي رجعت لحسن ثقته في نفسه اللي عياله كسرؤها.
بعد ٨ شهور من هروبنا، فتحنا التليفونات.
لقينا مئات الرسائل.
الأولى كانت قلق. وبعدين اتهامات إننا فضحناهم قدام القرايب والناس. وبعدها ظهر اللي كان فارق معاهم بجد.
—يا بابا عايزين نخلص موضوع البيت.
—يا ماما العوايد والضرائب بتيجي.
—فيه مشتري جاهز ودافع عربون.
ولا واحد سأل لو كنا لاقيين نأكل أو ننام.
حسن مسح كل حاجة.
أنا ما قدرتش أعمل كده على طول.
شلت فويس نوت من طارق لأسابيع من غير ما أسمعها. وفي ليلة فتحتها.
—يا ماما ارجعوا. خلاص بقى. نقدر ننقش الموضوع. محدش كان عايز يؤذيكم. احنا بس كنا عايزين نؤمنكم ونمنع المشاكل بعدين.
ما جابش سيرة المهدئ.
ما جابش سيرة التقرير المضروب.
ما جابش سيرة الإيميل.
قفلت التليفون.
بعد سنة، جارتنا القديمة، أم مصطفى، شافتني بالصدفة في سوق في إسكندرية. كانت جاية تزور أختها.
أول ما شافتني، حطت إيدها على بقها.
—نادية… دا احنا كلنا كنا فاكرين إن جرا لكم حاجة مصيبة!
قعدنا ناتكلم.