مرور 40 سنه حصري لصفحة روايات رولا

​—احنا مش محتاجين الكلام ده —حسن قالها بصوت ناشف.
​طارق ابتسم، بس الابتسامة مكانتش فيها أي حنية.
​—لا محتاجين يا بابا. انت وقعت مرة قبل كده. وماما بدأت تنسى الحاجات. احنا مش هنفضل مفرغين نفسنا عشان نراعيكم طول الوقت.
​—احنا عمرنا ما طلبنا منكم تراوعونا —رديت عليه.
​ساعتها شيرين ضافت:
​—وكمان لازم نخلص موضوع عقد البيت.
​حسن وُطى على الأرض كأنه بيجيب منديل وقع منه. تحت الترابيزة لقى فايل أصفر كبير. فتحه على الخفيف.
​شفت أسامينا.
​”طلب التحاق دائم.”
​”تقرير تقييم تدهور قواك العقلية.”
​”توكيل عام شامل.”
​”تنازل عن ملكية العقار.”
​وتحت خالص، كان مكتوب طارق وشيرين بصفتهم الأوصياء.
​حسن شد على إيدي جامد.
​—نادية، اعملي نفسك أغمى عليكِ.
​غمضت عيني وسبت نفسي أقع على الأرض.
​وهو ماسكني وبيصرخ، سمعت بنتي بتزعق بصوت طلع من ألعن حتة في قلبها:
​—اطلعوا اقفلوا أبواب القاعة! محدش يطلعهم! لسه ما مضوش!
​في اللحظة دي فهمت إن الحفلة دي مكانتش عشان يحتفلوا بعمرنا اللي ضاع عشانهم.
​دي كانت عشان يدفنونا بالحيا.
​وما كناش لسه عارفين عيالنا مستعدين يوصلوا لإيه تاني.
الجزء الثاني
​حسن شالني على أد ما يقدر لحد الباب. كان عنده ٦٥ سنة، ومغير مفصل حوض، وإيديه متأثرة من سنين الشغل الشاق، بس الليلة دي جاب صحة ما تعرفش جت منين.
​طارق جيري ورانا.
​—يا بابا استنى! أنا هوديكم المستشفى.
​—مش محتاجين.
​—ما تبقاش داهية!
​حسن حتى ما بصش وراه.
​ركبنا أول تاكسي قابلناه. أول ما تحرك، فتحت عيني.
​—على المستشفى يا فندم؟ —السيارة سأل.
​حسن بص من الشباك.
​—الأول على أي مستشفى أو عيادة شغالين، وبعدها اطلع بينا على موقف أقاليم عبود.
​أنا كنت فاكرة إنه بيأفور، لحد ما دخلنا الطوارئ وحصلت حاجة كسرتا تماماً.
​الدكتور سألني شربت إيه. حكيتله عن كاس العصير. ولما قلتله إني حاسة بدوخة، عملوا لي تحليل سريع. النتيجة طلعت إن فيه آثار مادة مهدئة أنا عمري ما أخدتها.
​حسن ضم قبضت إيده بغل.
​—عشان كده كانوا مستنيين تمضي!
​ما كناش نقدر نثبت مين اللي حطلي الحاجة في العصير، بس ما بقينش محتاجين إثباتات أكتر من كده.
​قبل ما نمشي، فتحنا الفايل اللي حسن جابه معاه من القاعة.
​كان فيه تقرير طبي مضروب مكتوب فيه إني بعاني من “تدهور عقلي متوسط”. اسم الدكتور كان هو نفسه الأخصائي اللي شيرين أخدتني عنده من كام أسبوع عشان نعمل “فحوصات روتينية”. وأنا عمري ما شفت نتائج الفحوصات دي.
​وكان فيه كمان مسودة توكيل رسمي للشهر العقاري يخلي طارق وشيرين يتصرفوا في حساباتنا وبيع البيت. كان ناقص توقيعاتنا، بس أسامي الشاهود كانت مكتوبة.
​واحد منهم كان محامي طارق عرفنا عليه من شهر بصفته “صاحبنا وحبيبنا”.
​ساعتها افتكرت الأسئلة اللي كانوا بيسألوهالي.
​—يا ماما، هو النهاردة إيه في الأيام؟
​—يا ماما، أنتِ متأكدة إنك سبتي النظارة في المطبخ؟
​—يا ماما، يمكن بقيتي بتنسي شوية.
​دي ما كانتش حنية ولا قلق.
​دول بقالهم شهور بيخلوني أشك في عقلي وفي ذاكرتي.
​في موقف عبود، وأحنا مستنيين الأتوبيس اللي رايح الإسكندرية، تليفوني ما بطلش زن.
​في الأول جت رسائل حنينة.
​”يا ماما احنا قلقانين عليكم.”
​”يا بابا ارجعوا.”
​بعدها اللغة اتغيرت.
​”انتو بتعملوا فضيحة ملهاش لازمة.”
​”لازم نعد نقعد ونشوف موضوع البيت.”
​ولحد ما جت رسالة من شيرين:
​”لو مشيتوا كده، ما تجوش تقولوا بعدين إننا ما حاولناش نساعدكم.”
​حسن قفل التليفونين.
​—مش راجعين الليلة دي.
​—وبيتنا؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *