مرور 40 سنه حصري لصفحة روايات رولا
هي اللي حكتلي اللي حصل بعد ما اختفينا.
طارق وشيرين اتخانقوا خناقة شوارع في نفس ليلة الحفلة. هو ألقى اللوم عليها إنها سابت الفايل تحت الترابيزة. وهي قالت إنه هو اللي أصر يخليهم يمضوا في الحفلة عشان “قدام الناس محدش هيقدر يعمل هيصة”.
الشرطة جيلها بلاغ عن اختفائنا، بس لما سألوا ليه اتنين كبار في السن يمشوا بكيفهم من حفلة، طارق سحب البلاغ عشان ما يتفضحش.
وبعدها قامت الحرب على البيت.
حاولوا يتصرفوا فيه كأنه ملكهم، بس حظر التصرف اللي عملناه وعدم وجود إمضاتنا وقف كل حاجة.
وبعدين بدأوا يأكلوا في بعض.
مرات طارق لقيت صور الأوراق.
—لو عملت كده في أبوك وأمك —قالتله وفقاً لكلام أم مصطفى—، هتعمل فيا إيه لما أقف في طريقك؟
بعدها بكسام شهر طلبت الطلاق وأخدت العيال ومشيت.
شيرين خسرت زبونين كبار لما الاتهامات اتسربت إنها استغلت أهلها. وجوزها طفح بيه الكيل من الديون وأخد بنته ومشي.
لما أم مصطفى خلصت كلامها، كنت فاكرة إني هحس بشماتة أو راحة.
ما حسيتش بأي حاجة من دي.
—دول عيالي —قلتلها—. اللي عملوه كان بشع، بس ما أقدرش أفرح في خراب بيتهم.
بالليل حسن سألني لو عايزة نرجع.
—لأ.
—ولا عشانهم؟
—بحبهم، بس مش هسلم عمري لإيديهم تاني.
عدت شهور كمان.
شغلي كبر. اشتريت مكنة خياطة تانية وبعدها تالتة. شغلت معايا بنت ٣ أيام في الأسبوع. حسن بقى شريك مع عم إبراهيم اللي كان كبر وتعب وعايز يرتاح.
شقتنا فضلت صغيرة، بس كان ليها شباك بيبص على البحر.
كنا أفقر في الفلوس، بس أغنى بكتير في الراحة والبال.
حد ما جت مكالمة فتحت الجرح تاني.
كان محامي.
—يا مدام نادية، ابنك طارق في المستشفى. جاله جلطة في القلب. وهو اللي طلب مني أوصلك.
قفلت السكة من غير ما أرد.
ليلتين وأنا بأقنع نفسي إني مش هروح.
في الليلة التالتة عيطت لحد الفجر.
—ده ابني برضو يا حسن —قلتله.
—أيوة —رد عليّ—. وأنتِ أمه. بس كونك أمه مش معناه تديله مفاتيح حياتك تاني.
طارق عدى منها، بس جسمه اتهد. بعد شهور جاب رقمي الجديد وسابلي رسالة.
المرة دي صوته ما كانش فيه أي تحكم أو غرور.
كان صوت حد مكسور.
—يا ماما، أنا عارف إني عملت حاجة ما تتغفرش. مش بطلب منك ترجعي. أنا بس عايز أقولك إني آسف. كنت فاكر إن البيت هيحللي مشاكلي. خسرت بيتي وعيالي ومش بشوفهم، ودلوقتي فهمت إني عاملت أبويا وأمي كأنهم حساب في البنك. لو في يوم قدرتي تسمعيني، كلميني.
عيطت طول الليل.
بس ما كلمتوش.
مش عشان انتقم منه.
عشان لسه ما كنتش جاهزة.
شيرين كتبت رسالة بعد أسابيع. بدأتها باعتذار وختمتها بـ:
”لو تقدروا تسلفوني أي مبلغ أفك بيه الديون دي، هردها لكم والله.”
ساعتها فهمت إنها لسه ما اتعلمتش حاجة.
بعد سنتين من هروبنا، أم مصطفى كلمتني تاني.
—طارق دخل المستشفى تاني. المرة دي محتاج عملية مفتوحة في القلب. وبيدور عليكِ.
بصيت لحسن.
—عايزة أشوفه مرة واحدة.
هز رأسه.
—يبقى أجي معاكِ.
رجعنا القاهرة من غير ما نقول لحد.
طارق كان قاعد جنب الشباك، خاسس جداً ومجهد. شيرين كانت قاعدة جنبه.
أول ما دخلت، هما الاتنين اتسمروا في مكانهم.
طارق فتح عينيه.
—ماما…
قربت منه ومسكت إيده.
في لحظة، ما شفتش الراجل اللي كان عايز يرمينا وياخد بيتنا. شفت الولد الصغير اللي كان بيلعب حافي في الصالة. الشاب اللي حضنني يوم تخرجه.
—جيت عشان مش عايزاك تفتكر إني بكرهك —قلتله—. أنا مش بكرهك. انت ابني وهفضل أحبك.
بدأ يعيط.
—سامحيني.
—اسمعني الأول. الحب مش معناه النسيان. ولا معناه إني أسمح بنفس اللي حصل يتكرر. انتو حاولتم تسلبونا حريتنا، وبيتنا، وحتى ثقتنا في عقلنا. خليتوني أشك في ذاكرتي عشان تقنعوني إني ما أقدرش أخد قراري بنفسي.
شيرين وّطت رأسها.
—يا ماما احنا…
—لأ. أنا سمعت أسبابكم لسنين. دلوقتي اسمعوا انتو.
أخدت نفس عميق.
—بعنا حتة من أرضنا عشان تتعلموا. اتداينا. أوبكم اشتغل وهو تعبان. أنا خيطت لحد ما عينيا وجعتني. عملنا ده عشان بنحبكم، مش عشان نشتري حنيتكم. غلطتنا إننا إديناكم كل حاجة من غير ما نعلمكم إنكم ممكن تسمعوا كلمة “لأ”.
طارق شد على إيدي.
—عارف.
—البيت اللي كنتم هتتقاتلوا عليه ما كانش يسوى عيلتنا. مفيش أي قرش يسوى ده. ولو طلعت من هنا بالسلامة، عايزك تستغل الباقي من عمرك عشان تفهم ده. دور على عيالك. ما تروحلهمش بفلوس. روح بوقتاك وحنيتك. اعتذرلهم قبل ما الوقت يفوت.
وبعدين بصيت لشيرين.
—وانتِ، بطلِ تخلي كل اعتذار يقلب بطلب فلوس. لو بجد ندمانة، أثبتي ده لما تكوني مش مستفيدة حاجة.
قعدت تعيط في صمت.
وطيت وبست راس طارق.
—هترجعي؟ —سألني.
—لأ.
الكلمة كانت وجعاني، بس طلعت قوية.
—حياتي بقت في إسكندرية.
—طب هل في يوم هسامحيني؟
فكرت ثواني.
—يمكن أكون بدأت أسامحك. بس المسامحة مش معناها إني أرجع للمكان اللي اتكسرت فيه.
خرجنا من المستشفى.
في الأتوبيس وأحنا راجعين، حسن مسك إيدي.
—انتِ كويسة؟
بصيت على الطريق وحسيت بحاجة ما حسيتهاش من سنين: خفة وراحة.
—أيوه. ما بقيتش محتاجة إن الماضي يكون مختلف.
بعد فترة عرفنا إن طارق دور على عياله وبدأ يتابع مع دكتور نفسي. وشيرين قفلت المكتب واشتغلت شغلانة بسيطة على قدها. ما بقوش ملائكة ولا استردوا كل اللي ضاع بلمسة ساحر. بس بدأوا، متاخر، يشيلوا مسؤولية أفعالهم.
احنا كمان ما استرديناش حياتنا القديمة.
وده ما بقاش فارق معانا.
في عيد جوازنا الـ ٤٣، أنا وحسن اتعشينا في الشقة مع أم مصطفى، وعم إبراهيم، وكم زبونة وجيران من الشارع. ما كانش فيه قاعة فخمة ولا فرقة جايبينها عيالنا. كان فيه فتة، وشاي بنعناع، وناس جاية حباً فينا من غير ما تطلب حاجة.
بعد العشا، حسن شغل أغنية قديمة في التليفون وعزمني على الرقص.
—فاكرة الحفلة ديكِ؟ —سألني.
—فاكراها.
—ندمانة إننا هربنا؟
حطيت رأسي على كتفه.
—لأ. وحشوني عيالي بتوع زمان، بس مش وحشاني الحياة اللي كان لازم أتنازل فيها عن كرامتي عشان أخليهم جنبي.
النهاردة عندي ٦٥ سنة. لسه بخيط فساتين عرايس. حسن بيفتح المحل كل يوم الصبح ويرجعلي بحكايات الزباين والجيران. ساعات بننتكلم عن طارق وشيرين. وساعات لأ.
اتعلمت إن العيلة مش بالأسامي ولا بالورث ولا بالصور في الحفلات.
العيلة باحترام الكرامة.
واتعلمت كمان إن المسامحة مش بتجبرك ترجع، وإنك تحط حدود مش قسوة، ومفيش أب أو أم مفروض يضحوا بحريتهم عشان يثبتوا حبهم لعيالهم.
لسنين طويلة كنت فاكرة إن أكبر ثروة سيبناها كانت البيت اللي بنيناه طوبة طوبة.
طلعت غلطانة.
ثروتنا الحقيقية كانت قدرتنا إننا نبدأ من جديد.
ودي الحاجة الوحيدة اللي عيالنا ما قدروا ياخدوها مننا.