انتي فين حصري لصفحة روايات رولا

​قعدت، فتحت الفايل، وطلعت أول ورقة.
​”بما إن الكبار كلهم هنا,” قلت، “يبقى كده الموضوع جه في وقته بالظبط.”
​وبعدين زقيت كشف حساب كارت الائتمان، وسجلات مصاريف البيت، والورقة الأخيرة على الترابيزة قدامهم.
​رانيا بصت تحت على العنوان المكتوب.
​ولأول مرة من يوم ما دخلت وعاشت في شقتي، ملقاتش ولا كلمة واحدة تقدر تقولها…فاضت بيها، وقرت العنوان بصوت طالع بالعافية:
​”عقد إقامة مشتركة؟”
​بصتلي واستنكرت: “إيه ده يا شهد؟ أنت بتعامليني كأني أختك الغريبة ولا بتأجريلي شقة؟”
​ماما أتعدلت في قعدتها ووشها اتخطف: “إيه الجنان ده يا شهد؟ عقد إيه وبتاع إيه اللي بتديه لأختك؟ هي وصلت بينكم للورق والعقود؟”
​رديت وأنا نبرة صوتي هادية تمامًا، أهدى من أي وقت فات: “لا يا ماما، وصلت لإني أصحى ألاقي 18 ألف جنيه مسحوبين من كارت الطوارئ بتاعي من غير إذن، ووصلت لإني أرجع من شغلي بعد 10 ساعات ألاقي العيال عياطهم جايب آخر الشارع وأختي قاعدة على الكنبة مستنياني أعملهم أكل، ووصلت لإني في يوم عيد ميلادي أتهزأ عشان نزلت آكل لقمة.”
​بابا اتنحنح وقال بنبرة محاولة لتهدئة الجو: “يا بنتي اختك ظروفها صعبة، وأنت عارفة إنها طالعة من طلاق ومكسورة، الفلوس تعوض…”
​قاطعته بابتسامة صغيرة وزقيت كشف الحساب قدامه: “الفلوس تعوض يا بابا لما تطلبها، مش لما تتاخد من مكتبي من غير علمي وتتدفع في ميك أب وهدوم من المول. وأنا مش مجرد بأخد موقف من الفلوس، أنا بحط حدود للحياة في بيتي.”
​فتحت الصفحة التانية من الفايل وقلت: “الورقة دي فيها كل جنية اتصرف من يوم ما رانيا دخلت البيت، وفيها عدد المرات اللي سيبت فيها شغلي بدري عشان ألحق العيال من المدرسة، وعدد المرات اللي اتطلب مني فيها أعمل أكل وأشيل البيت كأني دادة مش أخت.”
​رانيا وشها جاب ألوان، وبصت لبابا وماما باستنجاد: “أنتم عاجبكم الكلام ده؟ أنت شايفين هي بتذلنا إزاي عشان استقبلتنا عندها؟”
​رديت عليها فورًا وبمنتهى المباشرة: “أنا مش بذل حد يا رانيا. أنا استقبلتك في بيتي لله والوطن عشان أختي، بس أنت استغليتي ده لحد ما نسيتي إن ده بيتي. العقد ده فيه شروط واضحة: أنت مسئولة عن أكل عيالك وتوصيلهم، شغلي ومكتبي وكروتي خط أحمر، وتبدأي تدوري على شغل جدي، وفي خلال 60 يوم هتساهمي في فواتير البيت. لو الشروط دي مش مناسبة ليكي، يبقى قدامك شهر تشوفيلك مكان تاني أنت والعيال.”
​ماما شهقت: “تطردي أختك وعيالها يا شهد؟ ده اللي اتعلمتيه؟ الدم بقى مية؟”
​بصيت لماما في عينها مباشرة وقلت: “الدم ميبقاش مية يا ماما لما يحترم صاحبه، لكن لما يتساب عشان يمتص طاقتي وفلوسي وبيتي، يبقى لازم أقف. أنا مش هسيب أختي في الشارع، أنا بديها فرصة 60 يوم تقف على رجلها وترجع بني آدمة مسئولة، بدل ما هي قاعدة تضيع وقتها وفلوسي.”
​بابا مسك الورق، وقعد يقلب فيه وهو ساكت تمامًا. الأرقام والتفاريخ والتفاصيل كانت واضحة وصريحة لدرجة مفيهاش أي مجال للنقاش أو الإنكار.
​بعد دقيقة صمت كانت أطول دقيقة في حياتي، بابا حط الورق على الترابيزة، وبص لرانيا وقال بنبرة مسمعتهاش منه قبل كده: “شهد عندها حق يا رانيا. أنت زادت منك أوي، وما صدقتي إن أختك شايلة عنك.”
​رانيا اتصدمت: “بابا! أنت واقف معاها ضد اختك؟”
​”أنا واقف مع الحق,” بابا رد بثبات. “شهد فتحتلك بيتها واستحملت، وأنت استغليتي ده. هتوقعي على الورق ده، وهتبدأي تدوري على شغل من بكرة، والفلوس اللي أخدتيها من كارتها هتدفعيها بالجنيه.”
​رانيا بصتلي بغل، مسكت القلم، ووقعت على النسختين وإيدها بترتعش من الغيظ.
​لميت الورق، حطيته جوه الفايل، ووقفت.
​”كل سنة وأنا طيبة,” قلتها وبصيتلهم كلهم بابتسامة هادية، ومشيت ناحية أوضتي.
​لأول مرة من تلات شهور، دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا، وأنا حاسة إن الهوا جوه بيتي بقى أخيرًا نقي، وإن المساحة دي رجعت بتاعتي أنا وبس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *