قسم الشرطه حصري لصفحة روايات رولا
— قلت لها متكبريش الموضوع.
ضحكت ضحكة مفيهاش أي فرح.
— مقلتلهاش إن الفكرة مريضة. مقلتلهاش إنك عمرك ما هتقبل تلبسني تهمة. مجهتنيش وحذرتني. كل اللي قلته: “متكبريش الموضوع”.
مصطفى غطى وشها بإيديه.
الظابط أحمد رفع إيده.
— لازم نفصل المشاعر عن الحقائق. يا مدام نادية، من اللحظة دي من حقك تمتنعي عن الكلام وتطلبي محامي. الأدلة الموجودة كفاية: التقرير الطبي، الفيديو، فاتورة الشراء، وبلاغك الأولاني.
نادية، اللي قعدت ساعات تمثل إنها مكسورة وضعيفة، فجأة بانت عجوزة بجد.
— أنا كنت بعافيك وبحميك يا مصطفى.
— بتحميه مني؟ — سألتها.
مبرديش عليا.
— بصيلي يا نادية.
رفعت رأسها ببطء.
— 5 سنين وأنا بطبخلك لما تجي عندنا. أوديكي للدكاترة لما مصطفى يكون مشغول. أسلفك عربيتي. أعملك أعياد ميلادك. استحملت إنك تقولي على أمي “بيئة” على سفرة الأكل. استحملت فتشتك في حاجتي ودخولك أوضتي من غير ما تخبطي. إيه في كل ده خليكي تفكري إني طمعانة فيكم؟
شفافها اترعشت.
— أنتِ مش من مستوانا ولا تلزمينا.
الكلمة دي، رغم إنها اتقالت بصوت واطي، كانت ألعن من كل الخناقة اللي فاتت.
مصطفى انفجر:
— كفاية بقى يا أمي!
نادية بصتله بذهول.
يمكن دي كانت أول مرة في حياته يعلي صوته عليها.
— لا — مصطفى كمل — متقوليش إنك بتعملي كده عشان تحميني. أنتِ بتكرهيها من زمان. بتكرهي إنها شغالة، وبتحوش قرشين لنفسها، وبتساعد أهلها. بتكرهي إنها مش محتاجة لنا.
نادية اتعدلت في قعدتها.
— أنا بنيت كل ده عشانك!
— أنتِ وأبويا بنيتوا معرض عربيات، مبنيتوش حق إنكم تدمروا مراتي.
أنا فضلت ساكتة.
سنين وأنا مستنية أسمع منه الكلام ده.
وجِه في الوقت اللي خلاص ملوش أي قيمة ولا يرجع حاجة.
الظابط طلب التحفظ على الأوراق والتفريغات. وجابوا محامية لنادية. محدش اتكلم عن أحكام فورية؛ التحقيق كان يادوب بيبدأ. بس كان فيه حاجة واضحة: أنا مش معتدية، والمسرحية اللي كانت هتضيع حريتي اتهدت على دماغهم.
قبل ما نخلص، افتكرت دوسيه نادية كانت نسيته عندي تحت الكنبة من أسبوع. اختي مع أختها نسخة من المفتاح وجابته للقسم. كان فيه صور عقود الشقة، وتقييم لسعرها، وورق مكتوب بإيدها.
فيه ورقة مكتوب فيها اسمي وجنبها كلمات زي “طلاق”، “الشقة”، و”محضر سابق”. وكان فيه برينت لايميل بعتاه لمحامي بتسأله عن موقف الزوج لو الزوجة عليها محضر ضرب.
الورق ده مكانش دليل جري\مة لوحده، بس كان بيفسر النية اللي سمعتها من 3 أسابيع.
مصطفى قرا ورقة منهم ووقف مذهول.
— من إمتى وأنتِ بتخططي لده يا أمي؟
نادية دورت وشها الناحية التانية.
— كنت عاوزة أحافظ على شقى عمرنا.
— فريدة هي عيلتي — رد بصوت مكسور.
بصلته وحسيت بحزن تقيل. سنين وأنا أتمنى يسمعني ويقول كده. دلوقتي بيقولها في قسم شرطة، بعد ما هو بنفسه طلب يكلبشوني.
نادية ابتدت تعيط بجد.
— كنت خايفة تضيع مني يا مصطفى. خفت تبعدك عننا.
— عمرها ما حاولت تبعدني — قلت لها — أنا كل اللي طلبته إنه يحط حدود.
وطت رأسها في الأرض.
ولأول مرة مابانتش ست قوية ولا ضحية، بانت واحدة بتدفع تمن قراراتها.
— سامحيني يا فريدة — همست.
— ممكن أسامحك في يوم من الأيام — رديت — بس ده مش معناه إنك هتدخلي بيتي أو حياتي تاني.
كانت أول مرة أحط حد واضح من غير ما أحس بذنب.
مصطفى قرب مني لما سابونا نتكلم.
— فريدة…
— لا.
— اسمعيني بس.
— سمعتك 5 سنين. سمعت “دي أمي”، و”متكبريش الموضوع”، و”أكيد فهمتي غلط”. النهاردة أنت اللي هتسمعني.
سكت وماتحركش.
— لما جيت هنا — كملت — أنت مفيش مرة سألتني إيه اللي حصل. مسألتنيش أنا كويسة ولا لا. ماشكّتش 10 ثواني. طلبت يحبسوني على طول.
— افتكرت أمي بتتكلم صح.
— بالظبط.
عينه اتملت دموع.
— أنا غلطت.
— لا يا مصطفى. الغلطة إنك تتلخبط مرة. إنما اللي عملته ده طبع. كل مرة كانت بتتهم نيتك، كنت بتشوفني مذنبة قبل ما تسمعني.
— هتعلم وهتغير.
— يمكن.
— طب إديني فرصة.
بصلته كتير.
مكانش جوايا كره، وده الغريب. كان جوايا وجع على الراجل اللي كنت فاكرة إنه ضهري.
— لو مكانش فيه طبيب شرعي النهاردة، كنت هتصدقني؟
مصطفى نزل عينه.
— لو مكانش فيه كاميرات في الشارع، كنت هتصدقني؟
سكوت.
— لو البياعة مكانتش فاكراها، كنت هتصدقني؟
— فريدة…
— جاوبني.
الدموع نزلت من عينه.
— مش عارف.
هزيت رأسي.
— بس أنا عارفة.
ودي كانت نهاية جوازنا.
موقعناش الطلاق في نفس اليوم. مفيش مشاهد درامية ولا رمي دبل على الأرض. الحياة الحقيقية بتاخد وقتها وألمها بالراحة.
الليلة دي مرجعتش الشقة. رحت بيت أبوي وأمي.
أمي فتحتلي الباب وهي لسة بلبس المطبخ. لما شافتني، مسألتش حاجة. حضنتني وبس.
وهناك انهرت وعيطت.
عيطت على المحضر.
وعلى الإهانة.
وعلى 5 سنين ضيعتهم وأنا فاكرة إن الصبر واجب عليا.
وعلى كل مرة قبلت فيها اعتذار ناقص عشان أعدي المراكب السايرة.
أبويا قعد معايا في المطبخ وصبلي شاي.
— يا بنتي — قال — العيلة الصح مش هي اللي تخليكي تدافعي عن براءتك كل يوم.
الجملة دي معلمة جوايا.
في الأسابيع اللي بعدها، اتفقت مع محامية أحوال شخصية. راجعت معاها كل حاجة تخص الشقة والحسابات. أنا مكانش قصدي آخد حاجته، زي ما نادية كانت فاكرة. كل اللي طلبته حقي القانوني وبس.
نادية مبقتش تتصل بيا.