بطلي دراما حصري لصفحة روايات رولا

​ممكن مكنتش وحش في الأول، على الأقل مش معايا.
​لما اتخطبنا، عملت عزومة عشاء جميلة وقالت لأختها إن ذوقي أعلى من البنت اللي قبلها، واللغة دي بالنسبة لفاتن كانت تعتبر جواب حب.
​لما جاتلي وعكة صحية بسيطة في الشهور الوسطانية من الحمل، هي اللي ساقت بيا للمستشفى لما سيف اتعطل في الزحمة، ومسكت إيدي في أوضة الانتظار من غير ما تقول ولا كلمة تضايق.
​عايزاك تفتكر ده كويس عشان بيفرق بعدين.
​فاتن مكنتش قسوة بس. كانت قسوة متغلفة بشوية حنية يخليوكي تشكي في نفسك كل ما تعدي حدودها.
​المشاكل بدأت لما أنا وسيف قررنا، ضد إحساسي الداخلي، ننقل نعيش في جناح الضيوف في بيت فاتن وأنا في آخر الحمل. إيجار شقتنا في مدينة نصر كان خلص، وأسعار الشقق ولعت، وسيف وعدني إن الموضوع مؤقت.
​قعدت أقول لنفسي إن ده حل عملي.
قعدت أقول لنفسي حاجات كتير طلعت مجرد حجج عشان مأصدقش الإحساس اللي كنت حاساه: إني بمجرد ما أكون تحت سقف فاتن، هبقى تحت حكمها.
​بدأت بحاجات صغيرة.
أعادت ترتيب دلف المطبخ بتاعي من غير ما تسألني. كانت بتعدل عليا طريقة تطبيق الفوط. وكانت دايماً تطعن في كلامها قدام سيف وتقول إن “طريقتي غير طريقة الناس الناضجة”، جملة كانت بتقولها كل ما أعمل حاجة مش على مزاجها.
​وكان في حاجة تانية كمان.. حاجة لاحظتها بس مأديتهاش اسم وقتها.
​تليفون فاتن.. دايماً في إيدها، دايماً متوجه بزاوية مكشوفة شوية في اللحظات العائلية، دايماً بيطلع في الأوقات اللي بكون فيها في أسوأ حالاتي أو مكشوفة.
​كنت فاكرة إنها بتحب تصور زي أي تيتة، حابة توثق كل مرحلة.
مكنتش فاهمة لسه هي بتني إيه بالظبط.
​رد فعل سيف على سيطرة أمه كل مرة كان نفس الهزة الصغيرة التعبانة براسه.
مكنش قاسي معايا.
كان ببساطة غايب في اللحظات اللي بتتطلب إنه يختارني أنا مش أمه.
وبعد لحظات كتير من دي، الغياب بيبدأ يحسسك بإنه قسوة بحد ذاته.
​كان في تفصيلة عديت عليها وقتها زي ما بتعدي على شرخ صغير في الإزاز عشان الشباك لسه باين سليم.
​سيف كان ليه أخ أكبر، “شريف”، مراته الأولانية “نهى” كانت عايشة في نفس جناح الضيوف ده من سنين قبل ما أنا أجي.
نهى وشريف اتطلقوا في هدوء لما أنا وسيف كنا لسه بنتقابل. كل ما اسمها ييجي، وش فاتن يترسم عليه حزن ممارس ومحفوظ.
“بنت مسكينة ومشاغبة،” كانت تتنهد وتقول: “حاولنا نساعدها على قد ما نقدر.”
محدش شرح يعني إيه مشاغبة.
محدش سأل نهى عن وجهة نظرها.
شيلتها في دماغي كقصة عائلية حزينة وخلاص. مكنتش فاهمة إن ده نمط اسمي كان على وشك يتضاف ليه.
​حتى فرحنا كان فيه تحذير صغير مأريتوش صح وقتها.
فاتن صممت، بهدوء بس بإصرار، إن ترتيب التربيزات يخليها في التربيزة الرئيسية بدل أمي لأنها على حد قولها: “أنا اللي فاهمة الأصول بتتعمل إزاي.”
أمي، ست هادية عمرها ما رفعت صوتها على حد، حركت كرسيها لورا لتربيزة تانية من غير كلمة اعتراض.
فاكرة إن جاتلي موجة غضب عشانها بلعتها بالعافية لأن ده يوم فرحي ومكنتش عايزة أعمل مشكلة.
بفكر في الغضب المبلوع ده كتير دلوقتي.
كانت أول مرة من مرات كتير قررت فيها إن الهدوء أهم من الحقيقة، ومكنتش فاهمة إني بدرب نفسي أبلع وأسكت كتير حتى بعد ما تورتة الفرح خلصت.
​الأسابيع اللي بعد ولادة فريدة كان المفروض تكون أهدى أيام حياتي.
بدل ده، فاتن تعاملت مع فترة تعافي كأنها تعطيل لجدول البيت.
كانت مستنية الوجبات في معادها. مستنية البيت يفضل متظبط بطريقة معينة. كانت ترمي كلام عن إن الستات زمان مكنوش بيفضلوا نايمين بعد الولادة، كأن التعافي من جراحة ورضاعة البيبي على مدار الساعة مجرد حجج حديثة للدلع والكسل.
​في بعض الليالي، لما فريدة تنام والبيت يهدى، أضل صاحية أراجع المهازل الصغيرة بتاعت اليوم، وأسأل نفسي هو أنا بأفور؟ هو التعب مخليني حساس زيادة؟
الشك ده كان تعب تاني لوحده.
الطريقة اللي بتبدأ توصف بيها وجعك بصوت حد تاني، وتهديه، وتوجدله أعذار قبل ما تديه فرصة تحس بيه بجد.
​الصبحية اللي مشيت فيها مكنتش أول مرة فاتن تقتحم أوضتنا.
بس كانت أول مرة أسمح لنفسي أشوف بوضوح ده معناه إيه.
كنت صاحية من الساعة 2، برضع فريدة كل 90 دقيقة، جسمي لسه بيهيل، ودماغي فيها التعب المخصوص ده اللي مش بيفهمه غير الأموات الجداد.
الساعة 5، في نص الرضعة، الباب اتفتح من غير تخبيط، وفاتن وقفت بالروب، بتبلغني إن جسمي اللي بيتعافى ويرضع بالعافية ده محتاج يعمل فطار كامل للعيلة في خلال ساعة.
​”بطلي دراما،” قالتها كأن رضاعة البيبي مشهد مسرحي أنا عاملاه عشان أشد الانتباه.
“تعالي اعملي الفطار للعيلة كلها. في معادك. الساعة 6 بالدقيقة.”
​بصيت لسيف.
بص لتليفونه.
هز راسه — مش ليا، ولا دفاعاً عني، بس لأمه — هزّة موافقة عرفتني كل حاجة محتاجة أعرفها عن مكتانتي في البيت ده.
​مأنطقتش لأني اتعلمت على مدار الشهور في البيت ده إن الكلام مش بغير حاجة. كان بس بيطول الخناقة لحد ما أكون تعبت أكتر من إن أدافع.
​عشان كده، قمت.
لميت حاجتي.
شيلت بنتي وخرجت بيها من البيت ده الساعة 5:40 الصبح لنية العربية اللي كانت لسه نصها ورق مستشفى، وسوقت للمكان الوحيد اللي كنت عارفة إن بابه هيتفتحلي من غير ما حد يسألني أنا عملت إيه عشان أستاهل يرتاحوا مني.
​صاحبتي الأنتيم، “نورين”، فتحتلي الباب وهي بلبس البيت، بصتلي بصة واحدة وأنا شايلة شنطة الحفاضات وبنت بيبي عندها 3 أسابيع الساعة 5:50 الصبح، ومسألتش سؤال واحد.
رجعت خطوة لورا ووسعتلي الطريق.
​”اقعدي هنا الوقت اللي يعجبك،” قالتها، “وممش هضحك عليكِ وأقولك إني متفاجأة.”
​عيطت في حضنها عند الباب أكتر ما عيطت وأنا بولد.
​أول كام ليلة على كنب صالة نورين كانوا يلخبطوا النفسية بطريقة مكنتش متوقعاها. كنت أصحى فجأة إيدي بتدور على الكمودينو اللي مش موجود.
كنت بتخض من صوت الخطوات في الصالة اللي تطلع في الآخر نورين، بتطمن علينا، بتجيب مية، وتاخد فريدة 20 دقيقة عشان ألحق أخد دش من غير ما أحس إن حد بيراقبني.
​حاجة صغيرة أوي.. إن حد يديك 20 دقيقة هدوء من غير مقابل، الحاجة دي كسراني تماماً أول مرة حصلت لأني اكتشفت بقالي قد إيه محدش إداني حاجة لله وللوجه كده.
​على مدار الأيام اللي بعدها، الثقل الحقيقي للي سبته بدأ يبان.
مكنش عندي دخل مادي ملموس. سبت شغلي في مكتب المحاماة في شهور حملي الأخيرة، وكان في نيتي أرجع بارت تايم بعد أجازة الوضع، خطة بقت تحسها بعيدة أوي مع بيبي ومن غير بيت يلمنا.
​نورين، اللي كانت شغال شفتات طويلة في شركة كبيرة، ظبطت مواعيدها من غير ما أطلب عشان دايماً يكون حد في البيت في أصعب وقت في اليوم، وقت بعد الظهر لما فريدة تنكد وتزن وصبري يكون جاب أخيره.
عمرها ما حسستني إني تقيلة عليها، حتى لما اعتذرت للمرة الرابعة في ليلة واحدة عن كومة الببرونات اللي في الحوض.
​سيف كلمني، بعت رسائل طويلة بين اعتذار ومبررات.
فاتن مكلمتنيش خالص.
فاتن، اكتشفت بعدين، إن كان عندها خطة تانية خالص مش شاملة إنها تتصل بيا أصلاً.
​المكتب بتاعي القديم كلمني فجأة، بعد كام أسبوع من الانفصال.
المحامية الكبيرة اللي كنت شغال معاها قالتلي بالحرف وبحذر شديد إن في حد اتصل بالمكتب بيدعي إنه فاعل خير مهتم، وبيعرض عليهم يسألوا عن “عدم استقراري النفسي” قبل ما يفكروا يرجعوني الشغل بارت تايم.
اللي اتصل مسبش اسمه.
مكنش محتاج يسيب.
عرفت صيغة الكلام على طول. نفس القلق الممارس. نفس القسوة الناعمة المتغطية بإنها خايفة على مصلحة حد.
​المحامية، وليها كل الأثر، قالت للي اتصلت إنها مش بتناقش حياة الموظفين الشخصية مع الغرباء وقفلت السكة.
قالتلي على الموضوع بس لأنها شافت إن من حقي أعرف إن في حد بيحاول يقفل الأبواب في وشي قبل ما ألحق أخبط عليها حتى.
​وبعدها بأيام، واحدة معرفهاش خبطت على باب نورين وعرفت نفسها إنها مأمورة ضبط قضائي وزائرة من التضامن الاجتماعي وحماية الطفل، جاية بناءً على بلاغ من حد من القرايب عن “سوء حالة المعيشة للطفلة”.
​بطني اتعصرت وحسيت إني بهبط.
شقة نورين كانت نضيفة، دافية، مليانة لبن وحفاضات، وسرير صغير نورين جابته مستعمل وغسلته بنفسها وخليته بيلمع.
​المفتشة بصلت حواليها، شافتني وبغير لفريدة، وشافتني بآجاوب على كل سؤال بهدوء، حتى وإيدي بترعش.
مشيت في خلال 20 دقيقة، وقالتلي بهدوء إن البلاغ كان يوصف وضع معيشي غير مستقر ومخاوف على الحالة النفسية للأم بعد الولادة — تفاصيل كانت بتطابق، حرفياً، الهوامش اللي هلاقيها بعدين تحت صور فاتن.
​مكنتش اعرف ده وقتها.
كنت بس عارفة إن في حد حاول يستخدم نظام معمول لحماية الأطفال كس\لاح ضدي، وكان عندي يقين مريض وفوري بمين اللي عمل كده.
​بعد شهر وشوية من خروجي، تليفوني زن بمسج من واحدة مكلمتهاش من أكتر من سنة.
كانت “داليا”، بنت عم سيف، اللي كنت بحبها بس شغلتنا الحياة وعن بعض بعدنا.
​”أنا مش عارفة ده من حقي ولا لأ،” الرسالة كانت بتقول: “بس أظن إنك لازم تشوفي فاتن بتنزل إيه عنك في الجروب السري بتاع العيلة. أنا آسفة، كان المفروض أتكلم من بدري.”
​كان مرفق سكرين شوتس — العشرات منها، كلها من نفس الجروب، جروب مكنتش أعرف إنه موجود أصلاً، مكون من إخوات سيف، وخالاته، وشوية من قرايبه.
لشهور، من قبل ما أمشي بكتير، فاتن كانت بتوثق في الهدوء لحظات جوه بيتنا وتنزلها هناك: وأنا تعبانة وعصبيتي طلت في رضعة بالليل؛ وأنا بعيط في المطبخ بعد خناقة مع سيف مكنتش اعرف إنها سامعاها.
​كان في فيديو مش واضح وفي شكلي مش حلو وأنا نص نايمة على الكنبة مع فريدة، ومكتوب تحته كابشن عن قد إيه العيلة لازم تقلق عليّ.
بعض الفيديوهات كانت واضحة إنها متصورة بتليفونها في اللحظة. فيديوهات تانية كانت متصورة من بعيد ومتظبطة بحيث مأعرفش أخدت الصورة إمتى، وده كان أسوأ — مكنتش عارفة بقالها قد إيه بتراقبني ومستنية اللحظة المناسبة عشان تطلعني في أسوأ حالاتي.
​كانت بتنزلهم لشهور مع رسائل بتلمح إني بعاني، وإني ممكن أكون مش مستقرة نفسياً كفاية للتربية، وإن العيلة لازم تاخد بالها عشان خاطر فريدة.
​قعدت هادية جداً على كنبة نورين لوقت طويل بعد ما قريت الرسائل دي.
مكنش التعب اللي في الفيديوهات هو اللي كسر حاجة جوايا.
كان الإدراك إن كل لحظة خاصة، إنسانية، تعبانة من أيام الأمومة الأولى — اللحظات اللي بتعدي على كل أم ومحدش بيصورها — اتجمعت زي أدلة، مش عشان تساعدني، بس عشان تبني ق\ضية ضدي في أوضة مليانة ناس مكنتش أعرف إنهم بيتفرجوا.
​بعدين سكرولت لورا أكتر، عديت الأسابيع اللي بعد ولادة فريدة، ودخلت في رسائل من أكتر من سنة فاتت، ونفسي اتقطع.
​نفس الجروب كان فيه فولدر قديم لصور متأرخة من أكتر من ثلاث سنين، مكتوب عليه بس: ن.
كان في سكرين شوتس لبنت صغيرة عرفتها على طول، حتى وهي مش واضحة، حتى وهي من ضهرها.
نهى، مرات شريف الأولانية، متصورة في نص خناقة في نفس المطبخ، وفي نص دموعها على نفس السلم، بكابشنز مطابقة تقريباً للتي اتكتبت عني.
​”دراما أوي الليلة دي.”
“لازم حد ياخد باله من الموضوع.”
​فاتن مأبتكرتش خطة ضدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *