ج3الاخير
أنا كنت عايزة البيت ده يتحول وينبعث من جديد.
المكان اللي اتعلمت فيه إزاي أصغر نفسي وأتحمل الإهانة، هيبقى هو نفسه المكان اللي هيساعد ستات ثانين يبقوا أحرار ومستقلات.
في الشهور اللي بعد كده، “شركة الفرسان” بقت تحت المجهر في تحقيقات فيدرالية وموسعة. المحققين فحصوا كل المعاملات اللي فريق المراجعة كشفها، وجمعوا أدلة كفيلة تقدم شريف لمحاكمات رسمية بتهم التزوير وغسيل الأموال.
نورهان تعاونت مع جهات التحقيق.
الفلاشة اللي سلمتها لأحمد المحامي في الحفلة كان فيها إيميلات ومستندات بتثبت إزاي شريف رتب كل تفاصيل الفضيحة والنصب. تعاونها ساعدها تاخذ عقوبة مخففة مع وقف التنفيذ، بس ده مش معناه إن الاختيارات اللي عملتها وهي طמعانة في وعود شريف الكذابة اتمحت من السجل.
أنا مابقيتش صاحبتها.
ومكنتش محتاجة أكون.
نورهان ساعدت شريف يخوني، شاركت في الخيانة، ووافقت تستفزني علناً عشان كانت طמعانة في فلوس ومكاسب. صحيح إن تعاونها في الآخر فاد التحقيقات، بس العدالة مكنتش محتاجة مني أبداً إني أغفر لها أو أرسمها في صورة الضحية البريئة.
عفاف حماتي واجهت نوع تاني تماماً من الحساب.
الصناديق السرية والأموال اللي كنت ممولاها ومنعاها من الانهيار اتسحبت تماماً، وده إجبرها تبيع وتفرط في كل الممتلكات واللبس الفاخر اللي كانت بتقضي سنين تستعرضه كدليل على تفوق عيلتها. ولأول مرة، اضطرت تواجه الحقيقة المرة: إن العز والمظاهر اللي كانت فخورة بيها، كانت متبنية بالأساس من فلوس وبخير “مرات ابنها” اللي كانت بتعتبرها أقل منها.
صورة ندى على السوشيال ميديا انهارت هي كمان تماماً.
الفيديو اللي صورته وهي بتتريق عليا قبل الحفلة انتشر بشكل جنوني بره الدايرة اللي كانت متخيلاها. ولما الناس عرفت مين أنا وإيه اللي حصل في النهاية، الفيديو بقى وثيقة علنية بتفضح سذاجتها وتكبره وهي بتأذي واحدة كانت فاكراها ضعيفة وأقل منها.
وفي النهاية، ندى قفلت كل حساباتها على السوشيال ميديا واختفت.
الفصل الثامن:
أنا ماحتفلتش بأي حاجة من دي.
كان فيه وقت متخيلة فيه إن العدالة هتكون إني أشوف عيلة شريف بيذوقوا نفس طعم الإهانة اللي أذوقوهالي. بس اللي اكتشفته إن سقوطهم بقى ملوش أي قيمة عندي أول ما بطلت أقيس حياتي وقيمتي بناءً عليهم.
توفيق كان الفرد الوحيد من عيلة شريف اللي اتواصل معايا بشكل مختلف.
بعت جواب بخط إيده من مصحة النقاهة بدل ما يكلمني عن طريق محامين أو يبعت حد يتفاوض نيابة عنه. شكرني إني دفعت تكاليف عمليته الخطيرة اللي أنقذت حياته، وهي حاجة مكنش يعرفها لحد ما التحقيقات المالية كشفت قد إيه أموال الرمالي هي اللي أنقذت عيلته.
وبعدين اعترف بحاجة أصعب.
إنه كان ملاحظ حزني.
كان شايف عفاف وهي بتكلمني، ومتابع شريف وهو بيقلل مني، وفاهم إني كنت بختفي تدريجياً جوه عيلتهم. بس فضل ساكت لأن مواجهتهم كانت هتهدد الهدوء اللي كان بيفضل يحافظ عليه.
قريت الجواب مرتين.
وبعدين رديت عليه بجملة واحدة:
”السكوت بيبقى سلام للي بيختاروه، بس للي بيعانوا بسببه، بيبقى إحساس بالخذلان والتخلّي.”
مكتبتش أي حاجة تانية.
ومكنش فيه أي حاجة تانية محتاجة أفهمهاله.
أنا عمري ما رجعت عشت في فيلا القطامية تاني.
التطوير والتجديد بدأ بعدها على طول، وكل أوضة اتصممت من جديد عشان تناسب هدفها الجديد. سفرة الطعام الكبيرة اللي كنت بتعامل فيها مرات ومرات كأني غريبة، بقت قاعة استشارات قانونية الستات بيقدروا يقابلوا فيها محامين ومستشارين ماليين في أمان وسرية.
أوض الضيوف بقت أماكن سكن مؤقتة.
واتضافت مكاتب للمستشارين والمحامين، واتعملت أماكن آمنة للستات اللي محتاجين مكان يقعدوا فيه وهم بيخططوا للخطوة اللي بعدها. والبيت بالتدريج بطل يبان كأنه نصب تذكاري للمنظر والمظاهر اللي شريف وعفاف قعدوا سنين يحاولوا يحافظوا عليها.
المطبخ تغير أكتر من أي مكان تاني.
كنت فاكرة وقفتي عند الحوض الرخام ده والدم نازل من صباعي، وشريف بيقولي اقعدي في البيت وخلصي غسيل المواعين لأني مش مشرفة كفاية عشان أروح معاه. كنت فاكرة عفاف وهي بتنتقدني جنب الكريستال المكسور، وندى وهي بتضحك في الوقت اللي نورهان كانت مستنية فيه عشان تمشي مع جوزي.
بعد شهور، نفس المطبخ ده بقى كل الصبح مليان ستات بيعملوا قهوة.
فيه منهم اللي كانوا واصلين ومش قادرين حتى يتكلموا عن اللي حصلهم، وفيه اللي كانوا جايين ومعاهم فوايلات ورق مالية، ورق حضانة، بطاقات وإثباتات هوية، وبقايا حياة كانوا بيحاولوا يبنوها من جديد.
ومحدش هناك كان مضطر يثبت إنه غني بما يكفي، أو شيك، أو متعلم، أو ليه وزن اجتماعي عشان يستحق الكرامة.
فوق المدخل الرئيسي، علقنا لافتة برونزية مكتوب عليها:
”قيمتك ثابتة ومستحيلة تهتز، حتى لو الناس التانية رفضت تشوفها.”
الجملة دي مكنش مقصود بيها شريف أصلاً.
دي كانت حاجة مهمة بالنسبة لي.
لفترة طويلة، سمحت لفهمي لقيمتي الشخصية إنه يتربط بإن جوزي شايفني كدة ولا لأ. حتى إني أكشف هويتي الحقيقية في الحفلة كان ممكن تتحول لنفس الفخ لو كانت سعادتي الوحيدة جاية بس لأني قدرت أجبر شريف يفير هو مين اللي استصغرها.
قيمتي متمسكتش ولا اتغيرت لما دخلت القاعة دي وأنا لابسة ألماس.
ولا زادت لما رئيس الحفلة نادى عليا وقالي مدام الرمالي.
ولا ظهرت فجأة لما كبار التنفيذيين وقفوا يسلموا عليا.
أنا كنت نفس الست اللي كانت واقفة عند حوض المطبخ.
شريف بس هو اللي مكنش بيحترمها ولا بيقدرها.
بعد سنة من الحفلة، وافقت أطلع في مقابلة تلفزيونية على قناة اقتصادية كبرى. الحوار المفروض كان هيبقى عن مجموعة الرمالي وتنمية مبادرة إجلال الرمالي، بس في الآخر الصحفي سألني السؤال اللي كنت عارفة إنه جاي.
”هل بتندمي إنك فضحتِ جوزك السابق قدام الناس علناً؟”
فكرت قبل ما أرد:
”بندم إني صدقت في يوم إن حب شخص تاني معناه إني أصغر نفسي وأتلغي.”
الصحفي سكت.
”التواضع مش معناه أبداً إنك تتحمل وتستحمل الإهانة.”
الجملة دي بقت أكتر جملة اتنقلت واتشهرت من المقابلة دي.
ناس كتير لسه بينتقدوا اللي عملته في الحفلة. قالوا عني قاسية وباردة وبلا رحمة، في حين إن تانيين شافوا إن شريف ببساطة داق عواقب غروره وقراراته الإجرامية.
مفيش أي تفسير من دول كان فارق معايا أصلًا.
الحقيقة كانت شخصية أكتر.
شريف مخرنيش أو خسارني أول ما طلعت على المسرح ده.
هو خسارني بالتدريج.
خسارني كل مرة عفاف أهانتني وهو اختار السكوت عشان تصحيح أخطاء أمه كان هيضايقه أو يعطله. خسارني كل مرة خبي فيها مسج من نورهان، وكل مرة قبل مساعدتي اللي من غير اسم في حين كان بيطلع قدام الناس يقول إنه بنى كل ده لوحده، وكل مرة فسر صبري وطيبتي على إني هبلة وممكن أستحمل خيانة كمان.
الحفلة دي كانت مجرد حاجة وضحت النهاية قدام الكل وخليتها متشافة.
الناس دايماً كانوا بيركزوا على اللقطة الدرامية بتاعت إن الست العادية اللي شريف سابها تغسل المواعين هي نفسها الست اللي بتدير وتتحكم في مجموعة الرمالي الاستثمارية. حبوا الانعكاس ده لأن شريف قضى سنين بيبوس جزم الفلوس والمظاهر عشان في الآخر يكتشف إن الإنسانة اللي اعتبرها مالهاش أي قيمة كانت بتمتلك أكتر بكتير من كل اللي حلم بيه في حياته.
الفصل التاسع: