طيارتي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
طيارة خاصة كانت مستنياني في المطار عشان تطير بيا على دبي، شغل بمليارات مستنيني هناك، وفجأة بنتي عندها سبع سنين شدت كم الجاكيت بتاعي ووهستلي بكلام خلى جسمي كله يقشعر.. وقفت كل حاجة في لحظة، ولغيت السفرية من غير ما أقول لمخلوق.
​”يا بابا بلاش تسافر.. تيتة منيرة بتاخدني مكان سر لما أنت بتمشي، وقالتلي لو حكيتلك أي حاجة، ماما هيحصلها حاجة وحشة وهيبقى ذنبي أنا.”
​على الظهر، كنت ماشيها وراهم بعربيتي القديمة اللي محدش بيستخدمها.. واللي شفته هناك خلى الدم يتجمد في عروقي.
​الصبح، كنت واقف في المطبخ بفيلا التجمع الخامس، بصب لبن دافي لـ “فريدة” في الكوباية اللعبة اللي بتحبها، والمطرباني (السواق) مستنيني برة بالعربية. كان المفروض أكون في المطار خلال ساعة، وعصر اليوم أكون قاعد مع مستثمرين في دبي عشان أفلل صفقة استحواذ أرقامها خيالية.. أرقام أكتر من كل اللي أبويا عمله في حياته كلها.
​بس فريدة لمست الأكل بالعافية.
​العادي بتاع فريدة إنها بتقلب البيت كوميديا الصبح، تقعد تتخانق إن البيض المقلي أحسن من المسلوق، وتسرب من تحت الترابيزة حتت سوسيس لـ “روكي” كلبنا الروتوايلر. بس النهاردة كانت قاعدة ضامة كتافها، وبتلعب بالشوكة في الأكل من غير ما تاكل لقمة.
​”يا حبيبتي، كلي شوية عشان تعرفي تروحي المدرسة.”
بصت لكوباية اللبن وسكتت.
​”بابا؟”
نبرة صوتها خلتني أسيب اللي في إيدي وأقعد قصادها على الكرسي.
​”نعم يا روح بابا؟”
​”هو أنت لازم تسافر دبي النهاردة؟”
ابتسمت بهدوء وقلت لها: “دول يومين اثنين بس يا فريدة.. هرجع قبل امتحان الإملاء بتاعك.”
​شفايفها بدأت تترعش:
​”تيتة منيرة بتقول إن الوعود دي كلام فاضي، والكبار مابيهمهومش غير الفلوس والشغل.”
​حسيت بنار ولعت جوايا.
​منيرة، حماتي.. حماتي اللي جات عاشت معانا في الشاليه الملحق بالفيلا من ست شهور بعد ما جوزها اتوفى. في الأول رحبت جداً بالفكره، عشان مراتي “سارة” كانت متأثرة بوفاة باباها وبتعز أمها جداً، وقلت فريدة تفرح بوجود جدتها جنبه.
​بس واحدة واحدة، منيرة بدأت تتعامل مع البيت على أنه ملكها هي.
تنتقد لبس فريدة، تتخانق مع الشغالين، تغير ديكورات المطبخ، وكل شوية ترمي كلام لسارة إن “العيال بيضيعوا لما الأب والأم بيجروا ورا الكاريير والفلوس”.
كنت بكتام وسين، وبقول معلش ست كبيرة ومقورة.
​بس فريدة النهاردة وهي بتتكلم، بصلت ناحية الطرقة..
البصة دي بالذات غيرت كل حاجة.
ما كانتش بصة طفل خايف يتحاسب عشان كسر لعبة..
كانت بصة رعب صريح!
​”فريدة..” قلتلها بالراحة وأنا بتنفس بصعوبة، “هو تيتة عملت حاجة ضايقتك أو خوفتك؟”
هزت رأسها بسرعة زياده عن اللزوم: “لا لا.. مفيش!”
​برة الفيلا، آلة التنبيش بتاعة الكلاكس ضربت.. السواق مستني.
تجاهلت الصوت تماماً.
فريدة قربت مني ومسكت في طرف الترابيزة بيديها الصغيرة لحد ما صوابعها ابيضت من قوة الضغطة:
​”بابا.. عشان خاطري بلاش تسافر دبي.”
نزلت على ركبتي جنبها وقلت: “قوليلي ليه؟ اتكلمي يا فريدة متخافيش.”
عينيها اتملت دموع:
​”تيتة بتاخدني مكان غريب أوي لما أنت بتمشي.”
صدري اتطبق: “مكان فين؟”
​”معرفش..”
​”يعني إيه تعرفيش يا فريدة؟”
​”هي.. هي بتخليني أستخبى وأنام على دواسات العربية ورا الأول.. ومفتحش عيني خالص لحد ما نوصل.”
​اللحظة دي، مسمعتش أي صوت في الدنيا غير دقات قلبي وهي بتدب في ودني.
فريدة ووطت صوتها أكتر ووشوشتني:
​”قالتلي ده مكاننا السرّي.. وقالتلي لو حكيت لبابا، ماما هيجرالها حاجة وحشة أوي، وهيبقى أنتِ السبب يا فريدة.”
​جسمي كله اتخشب.
​بست رأس فريدة، وقفت حيلى، وطلعت التليفون كلمت كابتن الطيارة الخاصة:
​”عطل فني.. إلغي رحلة النهاردة.”
وبعدها ندهت على السواق، قلتله يطلع بالعربية كأنه رايح معايا المطار عادي جداً، عشان محدش يشك.
​محدش في الفيلا كان يعرف إن أنا لسه جوة البيت.
​بعد ساعتين، كنت واقف ورا ستارة الشباك في الدور الثاني، وشفت منيرة وهي طالعة من الشاليه واخدة فريدة في إيدها ومودياها ناحية عربيتها الهيونداي.
استنيت 30 ثانية بالضبط.. نزلت تسحب، أخدت مفاتيح عربية جيب قديمة مركونة في الجراج محدش بيسوقها خالص، وطلعت وراهم بمسافة آمنة.
​منيرة مشيت في طريق السويس.. وبعدين خرجت منه دخلت على منطقة شوارعها مكسرة..
وبعدين دخلت بيا على منطقة مصانع وورش في أطراف “شبرا الخيمة”.. منطقة مقطوعة، لا فيها جناين، ولا محلات لعاب، ولا أي سبب منطقي يخلي ست تاخد حفيدتها عندها 7 سنين وتوديها هناك!
​عربيتها وقفت أخيراً ورا مبنى طوب أحمر قديم من غير شبابيك.
ركنت عربيتي على بعد شارع، وكنت بلمحهم من بعيد.. شفت منيرة نازلة وبتسحب فريدة من إيدها ناحية باب حديد صدي.
​وفجأة.. الباب الحديد اتفتح.
وخرج منه راجل.
​في اللحظة اللي شفت فيها وش الراجل ده.. إيدي اتجمدت على طارة العربية، ونفسي اتقطع!
​عشان الراجل اللي واقف قدامي ده.. حسب كلام مراتي سارة، ميت ومحروق في حادثة من 8 سنين!​ناثان كول كان واقف في مدخل الأوضة زي ذكرة اتعلمت إزاي تتنفس من جديد.
​لثواني محدش تحرك.. ولا أنا، ولا دانيال، ولا حماتي منيرة، ولا حتى فريدة.
​حسيت بإيدين فريدة الصغيرة بتكلبش أكتر في رقبتي. ناثان كان باين عليه السن أكتر من الصورة اللي في خيالي من 8 سنين.. زمان كان بدلات شيك، وساعات غالية، وثقة عمياء.. الراجل اللي يدخل على مستثمرين شكاكين ويخليهم يقتنعوا إن المستقبل اختاره هو بالذات.
​دلوقتي، شعره فيه شيب من الجناب، وش القفص أرفع، وكتافه محنية شوية تحت بلوفر أزرق عادي.. بس عينيه هي هي، نفس العينين الخضرا الباهتة اللي بتضيق لما يحس إن حد بيخبي عليه حاجة.
​بصيتله وأنا مش مصدق:
​”أنت ميت!”
​وش ناثان مالمسوش أي تغيير:
​”ودانيال كمان كان ميت بالنسبة لك.”
​دانيال حود ناحيته واتكلم بعصبية:
​”متحطش اسمي في جملة واحدة معاك!”
​”أنا ماكنتش بحاول أحطه يا دانيال.”
​”أنت عمرك ما بتحاول تعمل حاجة!” دانيال زعق: “الحاجات هي اللي بتحصل حواليك.. الناس بتختفي، الأوراق بتتزور، والعائلات بتدفن نعوش فاضية!”
​”دانيال..” صوت حماتي منيرة كان بيرتعش.
​تجاهلها دانيال تماماً. فريدة دفنت وشها في كتفي، والحركة دي رجعتني للشيء الوحيد اللي يمهمني دلوقتي.. بنتي.
​لتفت لفريدة وقلت بصوت واطي:
​”فريدة يا حبيبتي..”
مارفعتش رأسها.
​”فريدة، بصيلي.”
رفعت رأسها بالراحة، وخدودها كانت مبلولة دموع.
​”في حاجة بتوجعك؟”
هزت رأسها بـ “لا”.
​”حد هنا أذاكي؟”
“لا.”
​”حد لمسك بطريقة ضايقتك؟”
“لا.”
​”حد قالك إنك ممنوع تمشي من هنا؟”
“لا.”
​بلعت ريقي وقلت:
​”تيتة إدتك دواء؟”
فريدة اترددت.. حماتي حطت إيدها على بقها وهمست: “أبوس إيدك..”
لفيت لـ منيرة بصلة حادة خلتها تسكت خالص، ورجعت بصيت لفريدة بهدوء:
​”أنتِ مش غلطانة في حاجة يا فريدة.. مفيش أي حاجة هتقوليها هتخليني أزعل منك.. خالص.”
​مسحت مناخيرها في كتفي ووشوشتني:
​”تيتة بتديني العصير اللي بينيم.”
بطني اتعصرت من الخوف: “لونه إيه؟”
​”بمبي.”
​”إدتهولك كام مرة؟”
​”معرفش..”
​منيرة بدأت تعيط بصوت واطي، وفريدة بصت لجدتها وحست بالذنب في ساعتها.. وده أكتر شيء وجعني. طفلة عندها 7 سنين مايلزمش تشيل هم دموع الكبار!
​بست رأسها وقلت: “جدعة يا فريدة، شاطرة إنك حكيتلي.”
​”بس تيتة قالت إن ماما—”
​”عارف..”
عينيها اتملت دموع تاني: “هو ماما هيجرالها حاجة؟”
​”لا.” قلتها بصوت قاطع وقوي عشان كل الكبار اللي في الأوضة يسمعوا: “محدش يقدر يمس شعرية من ماما لأنك حكيتيلي، ومحدش هيقدر يئذيكي أنتِ كمان.. أسرار الكبار مش شغلتك ولا ذنبك.”
​منيرة غمضت عينيها، ودانيال بص للأرض، وحتى ملامح ناثان اتغيرت واهتزت.. لأول مرة من ساعة ما الباب اتفتح، ماكنش باين كأنه شبح، كان باين كرجل مكسوف من نفسه ومكسور قدام طفلة خايفة.
​نزلت فريدة على الأرض بس فضلت ماسك إيدها:
​”دانيال، في مكان أمان تقعد فيه؟”
شاور على مكتب صغير: “جوة في كنبة وتلفزيون.”
فريدة مسكت فيا بسرعة: “مش عايزة أقعد لوحدي!”
​”مش هسيبك، أنا واثق في الكابتن ده.”
​دانيال جاب تابلت من جوة وشغل فيلم كارتون بتحبه، قعدت جنبها لحد ما مقدمة الفيلم بدأت وهي لسه ماسكة في كم الجاكيت بتاعي. استنيت دقيقة.. دقيقتين.. لحد ما إيدها سابت الجاكيت بالراحة:
​”بابا؟”
​”نعم يا روح بابا؟”
​”ينفع روكي يجيب الدبدوب الباندا بتاعي يتفرج معايا؟”
الدبدوب كان لسه في عربية منيرة برة.. إنها تطلب طلب عادي زي ده في وسط الكابوس ده كان هيخليني أعيط.
​”هخلي حد يجيبهولك حالاً.”
كلمت سامح، رئيس حراستي برة: “سامح، خليك واقف برة ومحدش يدخل ولا يخرج.. وهات الدبدوب الباندا من عربية الهيونداي بتاعة الحجة، ودخل حارسة ست جوة تقعد مع فريدة.”
سامح مسألش عن التفاصيل: “تمام يا فندم.”
​قفلت وشفت فريدة بتبص للكبار في الطرقة:
​”هو أنت هتزعقلهم؟”
​”يمكن شوية..” قلتها وابتسمت، “بس مش قادمك.”
​”ماشي.”
بست رأسها: “اتفرجي على الفيلم.”
​خرجت وقفلت باب المكتب ورايا تقريباً للآخر، وأول ما الباب اتطرق، لفتلهم والدم بيغلي في عروقي:
​”أنتم إزاي تدوا بنتي دواء؟!”
منيرة مسكت في ضهر الكرسي: “ده ماكانش دواء خطير والله!”
​”ده مش رد على سؤالي!”
​”ده كان مجرد مضاد للهستامين شربات ينيم!”
دانيال بص لـ منيرة بذهول: “أنتِ كنتِ بتقوليلي إنها بتنام في العربية عشان بتدوخ من الطريق!”
منيرة بلعت ريقها: “ماكنتش عايزاه تحفظ الطريق أو تشوف إحنا رايحين فين..”
​ناثان شتم بصوت واطي.. إيدي اتقفلت على شكل قبضات، بس أجبرت نفسي أهدا.. مش وقت فقدان أعصاب.
​”يعني شربتي طفلة عندها 7 سنين دواء يخدرها عشان متفهمش هي رايحة فين؟!”
​”دي كانت جرعة أطفال صغيرة!”
​”بطل تدافع عن القرف ده!”
​”أنا مبدافعش!”
​”أنت لسه مدافع حالا!”
​منيرة سكتت، قربت منها خطوات: “وقلتيلها لو حكتلي، أمها هيحصلها حاجة؟”
وش منيرة انكمش وبدأت تعيط: “أنا اتعلمت وعصبت وحسيت إن كل حاجة هتبوظ!”
​”أنتِ رعبتيها!”
​”عارفة.. عارفة والله.”
​”لا يا منيرة، أنتِ مش فاهمة أنتِ عملتي إيه.. أنتِ بتدعي إنك بتحبيها!”
​”أنا بموت فيها دي حفيدتي!”
​”طب ليه خايفة منك كدة؟!”
​السؤال ده هدم اللي حيلها، قعدت على الكرسي مهدودة.
ناثان اتكلم بهدوء: “عشان الخوف كان اللغة الوحيدة اللي العيلة دي بتثق فيها من زمان.”
لتفتله بغضب: “أنت مالكش عين تدي خطب ومواعظ!”
​”أنا مبديش خطب.”
​”أنت مت قبل ما بنتي تتولد!”
​”عارف.”
​”سبتني أدفنك.. وسبت اختك سارة تدفنك وتتعذب!”
وش ناثان اتغير سنة: “أنت فاكر إن أنا كنت عايز كدة؟”
​”مش فارق معايا أنت كنت عايز إيه!”
​”لا مفروض يفرق معاك..”
​دانيال وقف بيننا: “خلاص بقى! أنت فاكر إن في شرير واحد واقف في الأوضة دي؟ مفيش! بطل تتعامل بغضب عشان متفوتش الحقيقة.”
​دانيال كان عنده حق، وكنت بكره إنه صح. بصيت من فتحة الباب، فريدة كانت بتتفرج على الكارتون وبتبصلنا كل شوية. وطيت صوتي:
​”ابدأوا بموضوع الدواء.. إدتهولها كام مرة؟”
منيرة مسحت دموعها: “مرتين بس والله.”
​”مرتين؟ وفريدة بتتكلم وكأنه العادي بتاعكم؟ كم مرة جابتها هنا؟”
منيرة بصت لـ دانيال، فدانيال رد: “9 مرات.”
​دماغي لفت: “شفت بنتي 9 مرات من غير ما تقولي؟! ومن غير ما تقول لـ سارة مراتي؟!”
سكتوا هما الاتنين.. السكوت ده كان أبشع رد.
بصيت لـ منيرة: “أنتِ قلتِ إن سارة تعرف جزء من الموضوع؟”
​”سارة تعرف إن دانيال عايش..”
​الأوضة لفت بيا.. بصيتلها بذهول: “مراتي سارة تعرف إن أخوها دانيال عايش؟!”
​”من سنة تقريباً..”
​سنة كاملة! سارة مراتي؟ المرأة اللي كانت بتقعد تعيط كل سنة في ذكرى وفاة أخوها دانيال؟ المرأة اللي شايالة جوانتي البيسبول القديم بتاعه في صندوق خشب وتتفرج عليه؟ اللي قالت لفريدة إن خالو دانيال “عند ربنا في السماء”؟!
​صوتي خرج مكتوم ومخنوع: “بقيلها سنة تعرف وما قالتليش؟”
منيرة هزت رأسها بـ “أيوه”.
​”ليه مَقالتيليش؟!”
​ناثان رد عليا: “عشان ماكنتش عارفة إذا كانت تقدر تثق فيك ولا لا!”
​قبل ما أستوعب، كنت قاطع المسافة بيني وبينه ومسكت في لياقة بلوزه، دانيال مسك إيدي بسرعة: “بلاش غشومية!”
بصيت لإيد دانيال، فسابني.. وناثان مارجعش خطوة لورا، وده نرفزني أكتر.
​”كنتم فاكرين إني هعمل إيه يعني؟!”
ناثان بصل في عيني: “ماكنّاش عارفين.”
​”حجة سهلة أوي!”
​”سبت مراتي تعتقد إنك ميت 7 سنين، ولما ظهرت أقنعتها تخبي عليا، وأنا اللي أطلّع تهديد لأمانكم؟!”
​ناثان فك إيدي بحدة: “أنا ما أقنعتش سارة بأي حاجة!”
​”أمال إيه اللي أقنعها؟!”
بص لـ منيرة، ومنيرة هزت رأسها بـ لا..
​”إيه اللي سارة اكتشفته؟ اتكلموا!”
​دانيال أخد نفس طويل: “من 7 سنين، بعد ما فريدة اتولدت، حد دخل على قاعدة البيانات الجينية لمؤسسة “ميرسر” للأبحاث.”
​”وده علاقته إيه بيا؟!”
دانيال فتح دولاب وأخرج ملف أوراق كبير: “المؤسسة بتاعتنا كانت عاملة شراكة مع برنامج أبحاث جينات في الجامعة.. آلاف العينات من متبرعين ومرضى، معظمها مجهولة الهوية.. وعينتك أنت كانت هناك لأنك عملت فحص قلب وراثي قبل ما تتجوز سارة.”
افتكرت بالعافية.. فعلاً سارة كانت عزمتني على الحفلة الخيرية وقالتلي نعمل الفحص ده.
​دانيال كمل: “بعد ما ناثان اختفى في الحادثة، اكتشفنا إن حد شال كود العينة بتاعتك.. وحط مكانه كود عينة ناثان!”
​”ليه؟!”
​”ماعرفناش.”
​”عدى 8 سنين وماعرفتوش؟!”
​”8 سنين بنستخبى!”
​ناثان اتكلم من ورايا: “السرقة اللي أنا اكتشفتها في المؤسسة زمان ماكنتش سرقة فلوس.. كانت سرقة بيانات جينية، ملفات شخصية، وسجلات عائلية لمتبرعين أغنياء.. وبشكل خاص، حد كان مهتم جداً بالملف الجيني بتاعك أنت!”
​”ليه؟!”
​”معرفش.. الحقيقة مش نظيفة يا عمر.”
​دانيال طلع صورتين وحطهم على الترابيزة.. الصورتين لـ ناثان من سنين، واحدة جنب جراج والتانية عند محطة قطر.
​”أنت فاكر حادثة ناثان؟ عربيتة وقعت من فوق الجبل في المطر واتحرقت، وقالوا الج/ثة متفحمة ومينفعش التعرف عليها.. الصورتين دول اتاخدوا بعد الحادثة بـ 3 أيام، والثانية بعد 6 شهور.”
​قلبي اتعصر: “وسارة ماشافتهمش؟”
​”لا، ماكنتش تعرف.. ناثان زيف موته عشان يحميها.”
​”يحميها من مين؟!”
ناثان رد بصوت واطي: “ده اللي كنت بحاول أعرفه.. وفشلت. فشلت مع أختي ومع أمي ومع دانيال، ودلوقتي حطيت بنتك في وسط قذارة ماكنش ينفع تشوفها.”
​بصيت لـ منيرة: “طب وليه فريدة؟ ليه كنتِ بتجيبي فريدة هنا؟”
منيرة همست: “عشان الصداع..”
غضبي اتقلب لحيرة: “صداع إيه؟”
دانيال استغرب: “أنت ماكنتش تعرف؟ فريدة بدأت تشتكي من صداع من 4 شهور.”
​”لا مالمشتكيش! كانت هتستنجد بينا!”
منيرة بصت للأرض: “قالتلي إنك مشغول..”
​الكلمة نزلت عليا زي السكينة.. افتكرت كلام فريدة على الصبح: “(الوعود كلام فاضي لما الكبار يكون عندهم شغل مهم)”.. افتكرت سفري المتواصل: دبي، لندن، دبي تاني، الشغل، الصفقة، الاستحواذ.. كم حاجة فريدة ماقلتهاليش لمجرد إنها شايفاني مش فاضي؟
​”الصداع كان خطير؟”
دانيال هز رأسه: “الأشعة بتاعتها طلعت سليمة.”
​”أشعة؟! أنتم عملتم لبنتي أشعة من غير ما نعرف؟!”
​”أشعة رنين مغناطيسي في مركز خاص..”
​”أنت فاهم إن ده تجرؤ وج/ريمة؟!”
منيرة مسكت إيدي: “سارة هي اللي طلبت مني يا عمر!”
​الزمن وقف بيا: “لا.. سارة مستحيل تعمل كدة.”
​”سارة طلبت مني أجيب فريدة لـ دانيال في السر بعد اللي حصل في البيت..”
​”إيه اللي حصل في البيت؟!”
​”البيانو..”
​”ماله بيانو أمي اللي في المكتبة؟”
​”فريدة عزفت مقطوعة عليه.. مقطوعة سارة عمرها ما سمعتها في حياتها.”
​دانيال فتح درج وطلع شريط كاسيت قديم وحطه على الترابيزة: “المقطوعة دي ناثان كتبها سنة 1998 وعزفها وهو في الكلية.. والنسخة الوحيدة للشريط ده كانت في مخزن باسم أبوه، والمخزن ده اتسرق قبل ما فريدة تعزف المقطوعة بـ 3 أسابيع!”
​جسمي قشعر.. فريدة عزفت لحن ميت من 25 سنة وهي بتلعب على البيانو؟!
​”أنتم بتقولوا إيه؟! أكيد سمعته في مكان!”
ناثان رد: “فريدة قالت لـ سارة إن اللحن ده جيلها في الحلم.. حلمت بمطبخ أصفر فيه ستائر زرقاء، وراجل بيلعب اللحن، وعجلة حمراء واقفة برة.. وده كان مطبخ بيت جدتي بالضبط، وعجلتي الحمراء وأنا عندي 9 سنين! ومفيش ولا صورة للمكان ده فريدة شافتها في حياتها!”
​دماغي كانت هترفض الكلام ده كله: “بطلوا تجارب وخرافات!”
ناثان بصل بجدية: “أنا مش بعتقد في الخرافات.. أنا بعتقد إن في حد كان بيدخل لفريدة وبيحفظها أو بيديها المعومات دي!”
​في اللحظة دي، فريدة خرجت من الأوضة ماسكة الدبدوب الباندا، ورجل الحراسة سامح وراها.
​”بابا.. أنا عطشانة.”
نزلت لمستواها وابتسمت: “من عيوني يا حبيبتي.”
​اخدت سامح على جنب ووشوشته: “عايز دكتور أطفال بنثق فيه فوراً للبيت، فحص كامل وتحاليل.. وعايز أعرف سارة مراتي فين دلوقتي.”
سامح بص في تليفونه: “الهانم وصلت الفيلا من 20 دقيقة يا فندم.”
​طلعت تليفوني لقيته فيه 8 مكالمات فائتة من سارة.. وفجأة التليفون رن في إيدي باسمها، فتحت الخط:
​”فريدة فين يا عمر؟! فريدة معاك؟!” صوتها كان رعب صريح.
​”معايا..”
سارة اتنفست بالعافية: “الحمد لله.. الحمد لله! أنت فين؟”
​”أنا قاعد مع أخوكي الميت.”
​سكتت خالص.. الصوت انقطع تماماً من الناحية الثانية.
​”سارة؟”
​”حط فريدة على التليفون أرجوك..”
​”هتكلميها لما نرجع.”
​”عشان خاطري يا عمر!” صوتها كان بيبكي.
​ديتها التليفون، فريدة اتكلمت: “ألو يا ماما.. أنا كويسة، بابا مش زعلان مني.. بابا قال أسرار الكبار مش ذنبي.. بحبك يا ماما، متعيطيش.”
فريدة إدتني التليفون تاني.. صوت سارة كان مكسور: “هاتها وتعالى يا عمر.. أرجوك.”
​”طبعاً هاجي.. بس نتكلم الأول، إيه السر اللي خلكِ تعملي فحص لجينات بنتك من ورايا؟”
​سارة همست بصوت يرعب: “عشان من 3 شهور.. جالي فيديو لفريدة وهي نايمة في أوضتها بالليل.. فيديو 12 ثانية من رقم مجهول، ومكتوب تحته: (هي فاكرة أكتير ملي لازم تفتكره).. وبعدها بـ 10 دقايق، بعتولي صورة لك أنت وأنت طالع المطار، ومكتوب: (لو حكيتيله.. هيبقى هو الحادثة الجاية)!”
​الدم اتجمد في جسمي.. سارة كانت عايشة الرعب ده لوحدها طوال 3 شهور؟! صورة لبنتنا وهي نايمة، وصورة ليا في المطار؟!
​”ليه مَقلتيليش؟!”
​”كنت خايفة عليك! كنت فاكرة لو اتكلمت هيموتوك زي ما موتوا ناثان! ولما دانيال كلمني، قال إن السرقة اللي حصلت في المؤسسة مرتبطة بحد قريب من عيلتنا.. حد بيراقبنا!”
​وفجأة، منيرة اتكلمت بصوت عالي وهي بتعيط: “أنا السبب! أنا اللي إديتها الشربات ينيمها عشان خفت دانيال يتكشف!”
سارة سمعت صوت أمها في التليفون وزعقت بغل: “أنتِ إديتي بنتي دواء يا أمي؟! أنتِ اخترتي دانيال وضحيتي بـ فريدة?!”
منيرة انهارت.. ودانيال شال التليفون من إيدي وقال لـ سارة: “أنا السبب يا سارة.. أنا اللي طلبت منها تخبي الطريق.”
​ناثان قرب من التليفون وقال بصوت مبحوح: “سارة..”
سارة سكتت.. النفس اتقطع: “ناثان؟”
​”أيوه يا سارة.. أنا ناثان.”
8 سنين اتلخصوا في الكلمة دي.. سارة بكت بصوت يفلق الحجر: “يا غبي! أنا كرهتك عشان سبتني ومشت! أنا كنت بكلمك كل سنة في عيد ميلادك!”
​”أنا آسف.. كنت فاكر إني بحميكي.”
​بعد ساعتين، كنا كلنا في فيلا التجمع الخامس.
الدكتور كشف على فريدة، وأكد إنها سليمة وزي الفل ومفيش أي أثر سلبي للجرعات البسيطة اللي أخدتها، وإنها مجرد مضاد هستامين خفيف.
فريدة أكلت ساندوتش جبنة رومي ودخلت نامت في الصالون وهي حضنة الباندا.
​قعدت أنا وسارة في المكتبة قدام البيانو..
​”شغلي اللحن يا سارة.”
سارة قعدت، إيديها كانت بترتعش، وعزفت النغمات.. 5 نغمات طالعين، و3 نازلين.. لحن بسيط بس يقشعر البدن.
​”ليه مَوثقتيش فيا يا سارة؟”
​”وثقت فيك كجوزي.. بس خفت قوة شخصيتك وتصرفك السريع يفضحنا قدام اللي بيراقبونا! كنت بحميك!”
مسكت إيدها: “أنا زعلان وموجوع.. بس فاهم إنك كنتِ مرعوبة.”
​وفجأة.. سارة قامت راحت عند المكتبة، وطلعت من ورا كتب الصور جواب أبيض مقفول، مكتوب عليه اسمي بخط يد معروف جداً بالنسبة لي..
خط أمي!
​أمي المتوفية من 12 سنة!
​”الجواب ده جالي من 3 شهور.. مع فيديو فريدة، وكان محطوط تحت مخدة فريدة!”
فتحت الجواب، الخط كان خط أمي بالنص، والتوقيع بتاعها.. مكتوب فيه 3 جمل بس:
​(لو بتمسك الجواب ده يا عمر، يبقى حد بدأ يدور في ملفات ميرسر تاني.. بلاش تضمن ملف الـ DNA.. ناثان كول ماكانش هو السر الحقيقي.)
​قلبي كان بيدق زي الطبلة.. وفي اللحظة دي، سامح دخل عليا الأوضة وهو ماسك كيس بلاستيك فيه “أباجورة” صغيرة على شكل هلال.. الأباجورة اللي في أوضة فريدة من 3 سنين!
​”يا فندم.. وجدنا ك think كاميرا متناهية الصغر جوة الأباجورة دي.. والأباجورة دي اشتُريت من 3 سنين بحساب بنكي باسم والدتك المرحومة (دكتورة إلهام)! والحساب ده اترفع منه تقرير وسحب فلوس النهاردة الصبح لشركة نقل طبي خاصة!”
​”نقل طبي لمين يا سامح؟!”
سامح بص في التليفون ورجع بصلي بوش أصفر: “نقل مريضة باسم.. إلهام الميرغني.. والدتك!”
​في نفس اللحظة.. كشافات عربية إسعاف ضخمة ضربت في شبابيك الفيلا، والبوابة الخارجية اتفتحت..
خرجت للشبك وأنا جسمي كله بيلف.. من ورا زجاج العربية المتبل بلون المطر، ست كبيرة رفعت وشها وبصت على الفيلا وبصتلي..
​أمي إلهام.. اللي دفنتها بإيدي من 12 سنة.. كانت راجعة البيت!
​السر ماكانش ناثان ولا دانيال.. السر كان إن أمي زوّرت موتها، وأدارت كل اللعبة دي من الخفاء عشان تحمي فريدة من سر جيني خطر في عيلتنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *