عزومة كبيره حصري لصفحة روايات رولا

​نيرة أخدت نفس عميق وقالت:
— أنا موافقة أتعرف عليه… مجرد مقابلة.
​— وده كل اللي عايزه — قال الحاج إسماعيل، وكمل وهو يبص لمكرم: — وعشان تبقي عارفة، آسر عارف أنتِ مين كويس من قبل ما أقوله.
​الجملة دي فضلت ترن في ودن نيرة طول طريق أوتوبر وهي راجعة شقتها البسيطة.
​بالليل، وهي قاعدة بتبص لصورة باباها وهو واقف قدام أجهزة الاختبارات قبل الحادثة، تلفونها رن من رقم غريب.
​— المهندسة نيرة؟ معاكي المساعد بتاع الباشمهندس آسر الدمرداش. هو طلب مني أوصلك الرسالة دي بالنص: “لحد ما نتقابل، ما تسمحيش لأي حد يخليكي تحسي إنك خايفة أو قليل الحيلة تاني”.
​نيرة مسكت التلفون بجمود وزودت ضغط إيدها عليه.
​آسر ما كانش مجرد مرحب إنه يتعرف عليها…
​واضح إنه كان عارف عنها تفاصيل وحقايق حتى مكرم نفسه ما كانش يحلم يعرفها.
​ونيرة ما كانتش تتخيل أبداً إيه اللي مستنيها تكتشفه في الأيام اللي جاية.
الجزء الثاني
​بعد يومين، وقفت عربية دفع رباعي سودة قدام العمارة اللي ساكنة فيها نيرة، ووراها عربية نص نقل مليانة كراتين، ومجوهرات، وعقود شقة جديدة فخمة.
​الجيران بدأوا يطلوا من البلكونات ويصوروا بالموبايلات.
​نيرة حتى ما سمحتش للشغالين ينزلوا حاجة من العربية.
— رجّعوا كل حاجة مكانها.
​المساعد بتاع آسر وشه اصفرّ من الصدمة:
— يا فندم دي أوامر الباشمهندس آسر الدمرداش شخصياً.
​— بلّغه إن الهدايا اللي بالشكل ده لست لسه مفركشة خطوبتها من ابن أخوه مش بتكبرها؛ دي بتخليها سيرتها على كل لسان وتصغرها. لو في يوم وافقت أخد منه حاجة، هيكون في الوقت اللي محدش يقدر يقول فيه إني أخدتها عشان أطلع لفوق أو أستغل اسمه.
​بالليل، وصلتها منه رسالة قصيرة:
«أنا اتسرعت وكنت متخلف.. عندك حق. نترافق بكرة؟»
​آسر اختار مطعم هادي وبعيد في الشيخ زايد. جه ولابس قميص متشمّر ومعاه ملف جلد أسود تحت دراعه.
​— أنت ليه طلبت تتعرف عليّا؟ — سألته نيرة أول ما قعد.
​— عشان بقالي ثلاث سنين بدور عليكِ.
​نيرة حطت فنجان القهوة على الترابيزة وبصت له باستغراب.
​آسر فتح الملف. كان جوّاه حسابات، ورسومات بيانية، ومعادلة كيميائية نيرة عرفتها من أول نظرة.
​من ثلاث سنين، لما كانت شغالة في مصانع “حديد مصر”، اكتشفت إن النموذج الفني لمكون معدني حساس معمول بأرقام ومعايير مغشوشة. لو كان اتصنع وقتها، كان المعدن ده هيتكسر تحت الضغط ويثير كارثة. ولأنها كانت خايفة إن الشركية تخبي العيب زي ما حصل في حادثة باباها، بعتت التعديل الصح والتسريب من غير ما تكتب اسمها للهيئة القومية للرقابة.
​— النموذج ده منعنا من إننا نعتمد شحنة حديد معيبة كانت هتكلف الدولة مليارات — قال آسر — التركيبة الرياضية كانت معقدة جداً ومخصوصة، فضلت أدور وراها لحد ما حصرت الشك في ثلاث متخصصين بس. وبعدها قريت بحث منشور باسمك، وعرفت إنك أنتِ صاحب التسريب.
​نيرة اتجمدت مكانها:
— يعني أنت ما وافقتش تقابلني شفقة؟
​— لا.
​— ولا عشان حاج إسماعيل طلب منك؟
​— ولا عشان كده. أنا كنت عايز أقابل الإنسانة اللي صلحت خطأ كارثي ومن غير ما تطلب كلمة شكر واحدة، رغم إنها عارفة إن الشركة اللي عكّت العك ده شايلة اسم عيلتي.
​نيرة بلعت ريقها بصعوبة:
— أنا عملت كده لأن بابا مات بسبب تزوير شبه ده بالظبط.
​وشرحت له إن المهندس حسين كامل كان كاتب في تقريره إن خامة المعدن غير آمنة وماتستحملش، بس جه حد شال الرقم ده وحط رقم تاني مغشوش يخليها تبان سليمة. وبعدها بشهور، الأوضة انفجرت وباباها راح فيها.
​آسر سحب ملف تاني وحطه قدامها:
— أنا فتحت قض..ية والدك تاني وبراجع ملفه بنفسي.
​نيرة قطع نفسها.
​— لقينا نسختين من التقارير. النسخة الأصلية بتوقيع إيد والدك، والنسخة الثانية متعدلة قبل الاعتماد النهائي. التعديل ده اتعمل من أكونت يخص الإدارة العليا في شركة “حديد مصر”.
​— عرفت مين اللي عملها؟
​— لسه، بس القائمة قصيرة جداً ومحصورة.
​طول السنين اللي فاتت كانوا بيفهموها إن وفاة باباها كانت مجرد “قضاء وقدر وحادثة قضاء وقدر”. دالوقتي بقى في إيدها دليل رسمي إن في حد كدب وقت..ل.
​بعد أسبوع، مكرم دخل معمل نيرة في مركز البحوث ومعاه اثنين محامين. رمى قدامها تنازل عن حقوق الملكية الفكرية، وطلب منها تمضي إن الخوارزميات والمعادلات اللي هي صنعتها ملك الشركة، وإن اللي طوّرتها هي مهندسة اسمها ميرفت الشاذلي، مديرة التطوير عندهم.
​لما كارلا، المساعدة بتاعت نيرة، حاولت تتدخل وتمنعه، مكرم زقها بجنون في الترابيزة:
— أنتِ تسكتي خالص! أنا هنا اللي أؤمر وأنهي!
​في اللحظة دي، الباب اتفتح.
​آسر كان واقف عند الباب.
​بص لكارلا، وبعدين لمكرم، وأخيراً مسك الورقة اللي على الترابيزة.
​— اشرحلي كده يا مكرم… أنت بتعمل إيه هنا وبتحاول تمسح اسم المؤلفة الحقيقية لمشروع هيئتي لسه مخلصة مراجعته الفنية؟
​مكرم وشه اتخطف وبقى شبه الأموات.
​آسر حط أجندة متغلفة برصاص على الترابيزة:
— 234 صفحة حسابات بخط الإيد… كلها مكتوبة بتوقيع وتاريخ نيرة كامل.
​وديه كانت مجرد بداية الخيط اللي لسه هيكشفوه.
​الجزء الثالث
​مكرم بص للأجندة وكأنها قنبلة موقوتة هتفرقع في وشه.
​آسر تكلم بهدوء مرعب:
— كل صفحة فيها التاريخ، ورقم العينة، وختم المعمل. اللفتة الفنية قارنت الورق ده بالبرنامج اللي شركة “حديد مصر” أعلنت إن ميرفت الشاذلي هي اللي عملته. التطابق 100%. ميرفت محطوط اسمها في العقود عشان شو الإعلام، بس مالهاش أي وجود في السجلات الأصلية.
​واحد من المحامين قفل شنطته بسرعة، ومكرم حاول يلم الموضوع:
— دي نقطة ممكن نحلها وديّاً بيننا جوة الشركة يا عمي…
​— ما بقاش ينفع خلاص. المشروع بقا تحت التحفظ والمراجعة الفيدرالية بعد ما “حديد مصر” سقطت في التفتيش الفني. وأنت جاي دلوقتي تهدد المخترعة الحقيقية عشان تتنازل عن شغلها؟
​كارلا كانت حاطة إيدها على ظهرها من الوجع، فـ آسر طلب لها الإسعاف، ولفت لمكرم وقال له:
— كل المشروعات اللي تحت إدارتك وقفت من اللحظة دي لحد ما نعرف حجم التزوير وسرقة مجهود الناس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *