ست سنين حصري لصفحة روايات رولا

​قال بثقة: “مزورة.” قلتله أنت حتى ماشوفتهاش ولا قريتها، فرد عليا بيقين يرعب ويوجع البطن: “أنا عارف إني ما مضيتش على حاجة.” ست سنين، وكل وجع قلبي وكسرتي كانوا متأسسين على ورقة هو بيقولي حالا إنها ملهاش أي وجود ولا صحة.
​وقبل ما ألحق أجمع أفكاري وأستوعب الكلمة، طلعت ملك بتجري من أوضة الأطفال ومسكة كتاب عن الثعلب. بصت لكريم، وبعدين بصتلي، وقالت حاجة بمهل وبراءة ماكنتش متوقعة في يوم إن كريم هيسمعها: “أنت الراجل اللي في الصورة.”
​كريم لف وبصلي. حسيت بكل سر داريته وحميته طول ست سنين واقف بيننا فجأة، بس ملك ماكنتش لسة خلصت كلامها. شاورت صباعها الصغير على كارت المكتبة اللي كنت ضاماه على صدري، وقالتله بالضبط هي شافت وشه فين قبل كده: “الصورة اللي مامي شايلاها في الصندوق الأزرق.”
كنت تتمني الأرض تتشق وتبلعني في اللحظة دي، بس فضلت واقفة مكاني ثابتة. كريم ما ابتسمش، ولا اتهمني بإني خبيت عليه، ولا حتى سألني إيه تاني أنا شايلاه ومستخبية بيه جوه الصندوق الأزرق ده. كل اللي عمله إنه بصلي بنظرة فيها إدراك وفهم هادي جداً، فهم إن الصورة بتاعته كانت معايا وفي بيتي طول الست سنين اللي فاتوا.
​ملك، وهي مش فاهمة إيه السر اللي كشفته ببراءتها دي، سألته بفضول إذا كان بيحب التعلاب والكتب. كريم رد عليها بنفس الجدية والاحترام اللي بيكلم بيه الكبار، وهي ساعتها قررت إن شكله بيبقى أقل تخويف لما بيضحك. كرهت نفسي وكرهت السهولة اللي خلت اللحظة الصغيرة دي ترجعلي احساس إنه مش غريب، وترجعلي الألفة القديمة بيننا.
​قبل ما يمشي، فرضت عليه شروطي وقواعدي بوضوح. قلتله إنه هيتعرف على ملك بالراحه وبطرق بطيئة، ومش عايزة أي حراسة أو رجالة ببدل ومسدسات قدام باب مدرستها، ولا هدايا غالية وتفاهات، ومش هيقولها إنه باباها غير لما أنا أقرر إنها مستعدة ومهيأة لده. كريم وافق على كل شرط طلبته من غير ما يجادل أو يفاصل في كلمة، باستثناء لما اضطريت أحددله بالضبط إيه المبلع اللي يعتبر هدية غالية.
​بعدها سألني السؤال اللي كنت مرعوبة منه من أول ما مسك الكارت في إيده: “ليه الموردي؟”. بصيت للأرض ولإسم العيلة اللي اخترته في مستشفى في إسكندرية وأنا فاكرة ومقتنعة إنه بقى ملك لست تانية. قلتله الرد الوحيد اللي قدرت أعيش بيه وأقنع بيه نفسي طول السنين دي: مهما كان اللي حصل بيننا وبغض النظر عن أي حاجة، ملك هي بنتك أنت كمان.
​رجع السبت اللي بعده. وبعدين السبت اللي بعده، والسبت اللي بعده. كان بيقعد على الكراسي البلاستيك الصغيرة بتاعة الأطفال وهو لابس بدله بآلاف الجنيهات، يقعد يسمع ساعة القراءة وحكايات الأطفال من غير ما يمسك تليفونه أو يبص فيه مرة واحدة، وكان بيستنى موافقتي وإذني قبل ما يقرب من ملك أو يكلمها.
​الصبر والهدوء دول كانوا أصعب بكتير في المواجهة من التكبر والغرور. عرف إنها بتحب علم الفلك والنجوم، وبتكره البسلة، وبتخاف من السيفون الأوتوماتيك بتاع الحمامات، وحفظ كل التفاصيل دي في دماغه. ولما جاب لها كتاب بـ 200 جنيه عن المجموعات الشمسية، عرفت إنه احترم شرطي وقاعدتي عن الهدايا بالحرف وحتى في السعر.
​في بعد ظهر يوم من الأيام، ملك نامت على صدره جنة شباك المكتبة. كريم كان خايف يتحرك أو يتهز، كأنه لو اتنفس بصوت عالي ممكن يقلق نومها أو يصحيه. وشوفت الوجع والحزن على وشه لما همس بصوت واطي: “أنا ضاع مني كل ده.” قال إنه اشتاق لحاجات ماكانش يعرف أصلاً إنها موجودة في الدنيا.
​في اللحظة دي، جرحنا القديم اتفتح على آخره تماماً. قلتله إن كان المفروض أواجهه وأكلمه قبل ما أسيب القاهرة وأمشي، فرد عليا وقال إن كان المفروض هو اللي يخليني أثق فيه كفاية عشان أجي وأسأله. وبعدها سألته السؤال اللي ما سمحتش لنفسي حتى أفكر فيه طول ست سنين:
​”انت كان عندك نية بجد إنك تتجوزني؟”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *