امي كلمتني

فضلت باصة للرخصة المضروبة ومش قادرة أحرك إيدي.
​— الصورة دي أنا بعتها لأمي السنة اللي فاتت —وضحت — قالتلي إنها محتاجة تحدث ورق التأمين العائلي.
​الظابط ريفاس كتب كلامي في المحضر.
​— هنتكلم مع السجل الرسمي ونشوف أصل الورقة دي منين. وفي نفس الوقت، محتاجين نتأكد إنتِ كنتِ فين إمبارح بالليل.
​حكيت له كل حاجة. خرجت من الشغل الساعة ستة، اشتريت طماطم وبيض ورز من سوبر ماركت قريب، ودخلت عماراتي الساعة ستة وستة وعشرين دقيقة. بعدين حضرت العشاء، أخدت دش، وجاتني مكالمة أمي الساعة تسعة وتلاتة وعشرين دقيقة. الحادثة كانت حصلت قبل المكالمة دي.
​— العمارة بتاعتي فيها كاميرات وسجل إلكتروني للدخول —ضفت — تقدروا تتأكدوا إني ما خرجتش.
​وأحنا مستنيين المعلومات، افتكرت حاجة بخصوص الكوتشي اللي لقوه جوه العربية. من تلات أسابيع، رانيا كانت طلبت مني أبعث هدوم وجزم قديمة عشان جمعية تبرعات مزعومة. ومن ضمن الحاجات اللي سلمتهالها كان فيه كوتشي بتاعي. مكنش فيه أي تبرعات ولا حاجة.
​بطني اتقبضت من الخضة.
​في اللحظة دي الباب اتفتح. كانت أمي. عينيها كانت ورمة وشعرها منكوش. قربت مني بسرعة.
​— يا فرح، لو سمحتي، أخوكِ ما ينفعش يفضل محبوس. قولي بس إنتي اللي كنتِ سايقة. هندور على محامي ونخليكي تطلعي بسرعة.
​— إنتي اللي زوّرتي رخصتي؟
​وقفت مبرقة.
​— إنتي بتكلمي عن إيه؟
​— عن الرخصة، والبطاقة بتاعتي، والجزمة. إمتى بدأتوا تجهزوا كل ده؟
​— ما تالفيش هبل عشان تبيعي أخوكِ!
​طلبت من الظابط إنه يفضل موجود ويدخل المكالمة دي في أقوالي.
​وش أمي اتغير.
​— أنا أمك يا فرح. أنا اللي جبتك الدنيا.
​— ودلوقتي عايزة تاخذيها مني عشان تحمي كريم.
​وقبل ما تلحق ترد، الظابط ريفاس جاله تليفون. خرج دقايق ورجع بخبر جديد. كانوا لقوا تسجيل جزئي من الكاميرا اللي راكبة في العربية. الصورة كانت مبينة بوضوح راجل سايق. كريم. وكمان، كرسي اللي جنبه كان فاضي.
​أمي بطلت عياط.
​— يا آنسة فرح، تقدري تمشي دلوقتي —قال الظابط — هنكمل تحقيقات.
​وأنا طالعة من القسم جاني تليفون تاني. كان مراد، ابن الراجل اللي اتخبط.
​— مرات أخوكِ هي اللي ادتني نمرتك —شرح بصوت مكسور — بتقول إن إنتي اللي كنتِ سايقة وإنه لازم نطلب منك المصاريف الطبية.
​حسيت بغضب صعب أوصفه. رانيا كانت بعتت لي نفس الصبح صورة السونار بتاعها، وبتترجاني ما أتخلاش عن عيلتها. وفي نفس الوقت كانت بتقول للناس المصابين إني أنا المذنبة.
​— يا مراد، أبوك يستاهل العدالة. أنا ما كنتش سايقة. والشرطة عندها صور تثبت كده. لو سمحت، احتفظ بأي رسالة أو تسجيل بعتوهم لك.
​— أبويا في العناية المركزة —همس — الدكاترة بيقولوا الساعات الجاية دي حاسمة.
​عبرت له عن أسفي.
​لما المكالمة خلصت، قعدت على دكة، وبقيت باصة للعربيات وهي ماشية. لأول مرة فهمت إن الكذبة دي مش بس كانت بتدور تاخد مني حريتي. دي كانت ناوية كمان تمنع عائلة تانية إنها تعرف مين المسؤول الحقيقي.
​العصر ده، سجل أمن العمارة أكد إني دخلت الساعة ستة وستة وعشرين وما خرجتش تاني. كاميرات السوبر ماركت كمان كانت بتدعم كلامي. بعت الإثباتات للشرطة. كنت فاكرة إني أخيراً هقدر أتنفس بهدوء.
​بس تاني يوم جاني تليفون من الظابط ريفاس.
​— الآنسة فرح، محتاجينك تيجي تاني. قدرنا نجيب الفيديو الكامل للكاميرا.
​— هو إنتوا ما حددتوش هوية أخويا خلاص؟
​— أيوة. بس لقينا حاجة أخطر بكتير.
​حسيت بقشعريرة.
​— إيه هي؟
​حصل سكوت.
​— الخبطة الأولى ما كانتش هي آخر حاجة حصلت الليلة دي.
​الساعة عشرة الصبح وصلت القسم. واحد من مباحث الجر\يمة كان مستنيني وفتح قدامه لاب توب.
​— يا فرح —قال وهو بيلف الشاشة نحوي — عايزك تركزي كويس أوي في اللي أخوكِ عمله بعد سبع ثواني من ما خبط الراجل ده.
​ضغط على زرار عشان يشغل الفيديو. واللي شفته غيّر للأبد الطريقة اللي كنت هفتكر بيها عيلتي.
​أتمنى أقرأ تعليقاتكم قبل ما نكمل الجزء التالت.
في الفيديو، شفت العربية واقفة بعد الخبطة بضع ثواني. الراجل كان ملقى على الأرض قدام العربية مش بيتحرك. وبعدين، شفت نور الكشافات بينور تاني، العربية رجعت لورا ببطء… وبعدها كريم داس بنزين وطلع لقدام وداس على الراجل تاني وهو بيهرب!
​اتسمرت في مكاني، الدم اتجمد في عروقي. الحادثة ما كانتش مجرد خطأ أو طيش شباب بسبب السكر… دي كانت محاولة قت\ل عمد عشان يخفي جريمته وينهي حياة الراجل تماماً وما يبقاش فيه شاهد على اللي حصل!
​— كريم ما خبطوش وبس يا فرح —قال الظابط بصوت جاد ومظلم — أخوكِ داس عليه للمرة التانية عشان يتأكد إنه مات ويهرب من المحاكمة. الحادثة اتحولت من حادث سير إلى محاولة قت\ل عمد.
​الدموع نزلت من عيني، مش حزناً على كريم، لكن صدمة وقرف من الكائن اللي اتربيت معاه وعشت فاكراه أخي. أمي ما كانتش بتطلب مني أشيل عن كريم مجرد حادثة أو كفالة… كانت عايزاني أشيل عنه جري\مة روح وثأر، ألبس قض\ية تخليني أعفن في السجن بقية عمري.
​في نفس اليوم، صدر أمر ضبط وإحضار عاجل لكريم. الشرطة داهمت بيت أمي، ولقوه مستخبي في البدروم والشنط جاهزة عشان يهرب بره القاهرة.
​لما أخدوه على القسم، أمي جت وهي بتصرخ وتولول في الصالة، شافتني وقربت مني وعينيها مليانة غل وحقد وكراهية عمري ما شفتها في عين إنسان.
​— إنتي السبب! — صرخت وهي بتضربني على صدري — إنتي اللي ضيعتي أخوكِ! يا ليتني ما خلفتك، يا ليتني رميتك في الشارع من يوم ما اتولدتي!
​ساعتها، ما بكتش. ما حسيتش بأي وجع من كلامها. لأول مرة في حياتي حسيت إن كلامها بقى ملوش أي تأثير عليا، زي الهوا.
​بصيت في عينيها برود وقلت لها:
— إنتي اللي ضيعتيه يا ماما. إنتي اللي فهمتيه إن روحه أغلى من أرواح الناس، وإن اختك ممكن تترمى في السجن عشان هو يعيش براحته. إنتي اللي صنعتي المجرم ده.
​القضية اتفتحت على الملا. الرخصة المزوّرة والتزوير في الأوراق الرسمية اتسجلوا ضد أمي ورانيا مراته، ورانيا اعترفت تحت الضغط إن أمي هي اللي استغلت صوري وبطاقتي اللي أخدتها مني وعملت الرخصة بمساعدة واحد مزور من معارفهم عشان يلبسوني أي مشكلة يعملها كريم في المستقبل.
​بعد ست شهور من المحاكمات:
​كريم اتحكم عليه بالسجن المشدد 15 سنة بتهمة الشروع في القت\ل والهروب من مكان الحادث.
​أمي أخدت 3 سنين بتهمة التزوير في أوراق رسمية والتستر على مجرم ومحاولة تلفيق تهمة لإنسان بريء.
​ورانيا أخدت سنة مع وقف التنفيذ عشان مراعاة لحالتها وحملها، لكن عيلتها اتبرت من اللي عملته.
​أما مراد، ابن الراجل المصاب… أبوه ربنا كتب له عمر جديد بعد عمليات جراحية صعبة، وخرج من العناية المركزة. مراد جاني واعتذرلي بدموع عن كل كلمة قالها لي في التليفون لما كان فاكرني السايقة، وبقينا أصحاب جداً وهو اللي ساعدني أسترد فلوسي والمقدم اللي ضاع مني في الشقة القديمة.
​النهاردة، بعد مرور سنة كاملة…
أنا قاعدة في شقتي الجديدة، شقة صغيرة ودافية اشتريتها بمجهودي وشقيا، ومن غير ما حد يطلب مني أكتبها باسم حد.
​أمي حاولت تبعت لي رسائل من السجن مع المحامي بتترجاني أزورها أو أتنازل عن قضية التزوير.
مسحت الرسالة وما رديتش.
​أمي كلمتني تلات مرات بس في حياتي كلها… والأكيد، إن مش هيكون فيه مرة رابعة أبداً.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *