قبل فرحي
بعد 6 شهور من اليوم ده، رجعت لمكتب بابا القديم.
كنا حولنا جزء من المبنى لمؤسسة تقديم منح ودعم للشباب اللي عاوزين يدرسوا الملاحة والتجارة البحرية.
ده كان مشروع بابا نفسه يعمله من زمان.. وكان دايماً يقول: “الشركة اللي متفتحش أبواب للناس بعد صاحبها، متستاهلش تكمل”.
حطيت ساعته القديمة جوه علبة زجاج صغيرة على مكتبي.
السكرتيرة سألتني:
مش الأفضل نشيلها جوه الخزنة؟
هزيت رأسي:
لأ.
كنت زمان فاكرة الساعة دي بتفكرني ببابا بس.. بس دلوقتي عرفت إنها بتفكرني بحاجة ثانية: الوقت.
الـ 3 ساعات اللي غيروا حياتي كلها.
الـ 18 شهر اللي قضيتهم بدرس وبحمي اللي سابهولي.
والسنين اللي جاية من عمري.. السنين اللي مش هتروح لشخص كان شايف حبي ليه مجرد سبوبة وفرصة مالية.
في ذكرى السنة الأولى من اليوم اللي اتلغى فيه الفرح، جيت الشركة بدري.
وقفت قدام الشباك وبصيت على القاهرة وهي بتصحى.
لسه في أيام بفتكر فيها بابا وبشتاقله أوي.
وفي يوم من الأيام دي لقيت ورقة صغيورة بخطه وسط أوراق قديمة.
مكنتش جواب مهم.. كانت جملة مكتوبة على هامش ملف:
”احمي اللي تبنيه.. بس إياك تخلي الحماية تمنعك إنك تعيش.”
حطيت الورقة دي جنبه ساعته.
تليفوني هز.. رقم مش مسجل.
فتحت الرسالة:
”لسه ب think في اللي كان ممكن نكونه مع بعض.”
مكنتش محتاجة أسأل مين البعث.
بصيت للرسالة كام ثانية.. وبعدها مسحتها.
كريم كان لسه بيفكر في اللي كان ممكن ياخده ويطلع بيه.
بس أنا فهمت حاجة هو عمره ما هيفهمها.
إحنا عمرنا ما كنا عاوزين نفس الحاجة.
أنا كنت عاوزة عيلة وبيت.. وهو كان عاوز يوصل للملايين.
أنا كنت عاوزة أشارك حياتي.. وهو كان عاوز يتحكم في اللي جوه الحياة دي.
أنا كنت عاوزة حد يمشي جنبي.. وهو كان مستني اللحظة اللي يقف فيها قدامي وياخد المفاتيح.
بصيت لساعة بابا.
كتير سألت نفسي: كان إيه اللي هيحصل لو مكنتش نسيت الساعة الصبحية دي؟
لو كنت كملت الميك أب.. لو كنت وصلت الكوشة.. لو كنت وقعت الأوراق بعد شهر العسل؟
يمكن عمر ما كنت هعرف.
بس خلاص مابقتش محتاجة اعرف.
ساعات أهم قرار في حياتك مش بيبدأ بإشارة كبيرة.. ساعات بيبدأ بحاجة صغيرة جداً.
ساعة منسية..
شباك مطبخ مفتوح..
وكلام مكنش حد عامل حسابه إنك تسمعه.
و3 ساعات كانوا كفيلين ينقذوا مستقبلك قبل ما تسلمه للشخص الغلط.