سابت بنتي حصري لصفحة روايات رولا
وفجأة.. الصوت في الخلفية جاب صوت أمي بوضوح تام وهي بتهمس لشيماء: “قوليلها أيوه وخلصينا بسرعة!”
قفت الصوت فوراً..
حازم مسك إيدي بقوة.
دلوقتي بس فهمت ليه أمي اتجننت وثارت بالشكل ده لما رفضت أديهم الخمسين ألف جنيه وقفت الفلوس.. هي كانت خايفة إني لو بدأت أراجع الحسابات والفواتير، هكتشف المصيبة والتزوير اللي عملوه من ورا ضهري!
بالليل، أمي بعتتلي رسالة قصيرة:
“بكرة الصبح أنا وأبوكي وشيماء جايين لك البيت.. الموضوع ده ولازم يتلم ويا بعضنا من غير غريب.”
بصيت لملف التسجيلات، وأوراق القض..ية، وصور البلاغ اللي المحامي جهزه للنيابة العامة بتهمة التزوير والنصب والاستيلاء..
وردت بكلمتين:
“مستنياكم الساعة ستة.”
لو سمعت صوت أختك بتنصب باسمك بتساعدها أمك بدم بارد.. هل كنت هتعبر ده “موضوع عائلي يتحل حبّي”، ولا كنت هتاخد حقك بالقانون وتعلمهم درس عمرهم ما ينسوه؟الجزء الثالث والأخير
الساعة ستة بالدقيقة، الباب خبط.
فتحت ولقيتهم واقفين على الباب: بابا شكله مكسور وموطي رأسه، وأمي داخلة بوش ناشف ومكشرة كأنها هي اللي ليها حق، وشيماء مستخبية وراهم وبتتلفَّت حواليها بتوتر.
أول ما دخلوا الصالة، أمي قعدت على الكنبة وحطت شنطتها بقوة وقالت وهي بتعدل طرحتها:
— أديكِ جمعتينا كلنا يا داليا.. فرحانة كده باللي بتعمليه؟ قطع عيش، وتوقفين مصاريف مدرسة البنت، والبنك كل شوية يتصل يهددنا؟ هي دي الأصول والبر بالوالدين؟
حازم جوزي كان قاعد جنبي ساكت تماماً، وأنا فضلت ساكتة وبصيت لبابا:
— أنت عارف هما جايين ليه يا بابا؟ عارف هما عملوا إيه؟
بابا بص للأرض وقال بصوت متلجلج:
— يا بنتي.. اختك شيماء كانت مزنوقة في شيكات وممكن تتسجن.. ومامتك قالت إنك كده كده بتساعدينا وماكنش قصدنا نضرّك..
أمي قطعت كلامه بحدّة:
— ومافيهاش حاجة! أنتِ دكتورة ومعاكي فلوس، وأختك كانت هتضيع وهتدخل السجن! كنا هنرجعلك الفلوس من ورا ورا ومن غير ما تحسي بأي حاجة، ولا كنتِ هتدري أصلاً!
ابتسمت بسخرية وطلعت الملف من الشنطة وحطيته على الترابيزة بيننا.
— يعني أنتم ماكتفيتوش إنكم بتستغلوني بقالكم ست سنين، لأ.. كمان زوّرتوا اسمي وتوقيعي، وأختي انتحلت شخصيتي في البنك، ووقّعتوا على قرض بقيمة 800 ألف جنيه بضمان شقتكم عشان أتحبس أنا لما القسط مايتدفعش؟
شيماء اتوترت وشها جاب ألوان:
— داليا.. الموضوع ماكانش كده.. أنا كنت هسدد والله!
مسكت الموبايل، وشغّلت التسجيل الصوتي اللي أخدته من البنك.
صوت شيماء وهي بتتكلم باسمي طالع من السبيكر نقي جداً، وفي الخلفية صوت أمي وهي بتقولها بوضوح: “قوليلها أيوه وخلصينا بسرعة!”
الصدمة سادت الصالة. بابا بص لأمي وشيماء وهو مش مصدق عينيه، وأمي وشها اصفرّ تماماً وماعرفتش تنطق بكلمة.
كملت كلامي بصوت هادي وبكل حسم:
— المحامي بتاعي جهز بلاغ للنيابة العامة بتهمة التزوير في أوراق رسمية، وانتحال شخصية، والاستيلاء على أموال. وعندي التسجيل ده، وتتبع رقم التليفون اللي اتعملت منه المكالمة، وإيميل البنك، غير البلاغ اللي اتقدم لقطاع الأموال العامة.
أمي اتنفضت من مكانها وصوتها اترعش:
— أنتِ مجنونة؟! عايزة تحبسي أختك وأمك؟! الناس تقول علينا إيه؟!
— الناس اللي بتقولي عليهم دول، هما نفسهم اللي سبتوا حفيدتكم عندهم في الشارع تحت المطر والبرد عشان الخمسين ألف جنيه! اللي يرمي لحمه في الشارع تحت المطر عشان فلوس، ما يزعلش لما القانون يأخد مجراه.
شيماء قعدت على الأرض وبدأت تعيط بحرقة:
— أرجوكي يا داليا.. أرجوكي بلاش نيابة وقضايا، أنا عندي عيال!
— والعيال دول كان ذنبهم إيه لما كنتِ بتسرقي خالتهم؟
بابا قرب مني والدموع في عينيه، مسك إيدي:
— عشان خاطري أنا يا داليا.. أنا ماليش ذنب في كل ده، الشقة شقتي، خليهم يلغوا القرض أو يبيعوا الشقة وياخدوا حقهم، بس بلاش حبس وفضايح يا بنتي.
بصيت لبابا ودموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي ماكانتش دموع ضعف.. كانت دموع نهاية الوجع.
— عشان خاطرك أنت بس يا بابا.. قدامكم 48 ساعة.
شيماء تتنازل رسمياً عن أي طلب للقرض، والبنك يلغي العملية بالكامل، ويتكتب إقرار رسمي بعدم التعرض وتعهد بعدم استخدام بياناتي في أي جهة.
بصيت لأمي وكملت:
— والحاجة الأخيرة.. من النهاردة، أنا برة حياتكم المالية تماماً. مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده مني. الشقة دي يتباع منها جزء أو بابا يتصرف في معاشه، أنتم حرين.. بس رجلي مش هتعبتب بيتك يا أمي، ولا أنتم تعتبوا بيتي تاني.
أمي فضلت باصة لي بذهول، ماكنتش مصدقة إن “داليا الطيبية” اللي كانت بتدفع وتسكت، هي نفسها اللي واقفة قدامها دلوقتي وبتحط حدود من حديد.
أخدوا بعضهم وخرجوا من البيت في صمت تام.
بعد أسبوع، المحامي بلغني إن شيماء راحت البنك وسحبت الطلب ورجعت الورق، وبابا باع قطعة أرض صغيرة كان يملكها في البلد عشان يسدد ديون شيماء ويقفل قضايا الشيكات.
من يومها.. قفلت الصفحة دي تماماً.
رقية بنتي رجعت لضحكتها ونور عينيها، وحياتي مع حازم بقت أهدى بكثير من غير الاستنزاف والضغط اللي كنت عايشة فيه.
تعلمت الدرس القاسي ده متأخر.. بس تعلمته صح: “إلي ما يعملش لحسابك قيمة، ما تستخسرش فيه الخروج من حياتك.. حتى لو كان أقرب الناس ليك.”